أبناء السبعينات يكتبون مذكراتهم

كان من المفيد أن يتطرق أصحاب هذه المذكرات إلى الأخطاء الفادحة التي ارتكبوها فكريا وسياسيا، وإلى قراءاتهم الخاطئة للواقع التونسي في فترة السبعينات، والتي دفعوا ثمنها غاليا.
الاثنين 2018/03/05
مذكرات خالية من النقد الذاتي

خلال السنوات الماضية، دأب البعض من أبناء جيل السبعينات من الذين انتسبوا إلى تنظيمات يسارية وسلطت عليهم أحكام قاسية، على إصدار مذكراتهم. وفي هذه المذكرات هم يستعرضون، ويصفون بدقة ما تعرضوا له من تعذيب ومن قهر سواء أثناء التحقيق معهم، أو خلال السنوات الطويلة التي أمضوها في سجون رهيبة.

وباستثناء بعض المذكرات مثل التي أصدرها فتحي بالحاج يحيى بعنوان “الحبس كذاب والحي يروح”، جاءت بقية المذكرات فقيرة وسطحية أدبيا ولغويا. كما أن أصحابها اقتصروا على وصف ما تعرضوا له من تعذيب، وعلى إدانة المظالم التي سلطت عليهم من دون أن يرتفعوا بها إلى المستوى الأدبي والفني الذي يمنحها البعد الإنساني الذي تميزت به أعمال أدبية كتبت من وحي تجارب سياسية مريرة قادت أصحابها هم أيضا إلى السجون والمحتشدات الرهيبة. وذاك كان حال دوستويفسكي الذي كتب رائعته “ذكريات بيت الموتى” من وحي السنوات المريرة التي أمضاها في سيبريا. وكذا كان حال سولجنتسين في “جناح المرضى بالسرطان”، وفي “يوم من أيام إيفان ديسينوفيتش”. وعلينا ألاّ ننسى أن الشاعر التركي ناظم حكمت الذي كتب أجمل وأعذب قصائده وهو محبوس في زنزانة مظلمة وضيقة.

صحيح أن أصحاب هذه المذكرات، من التونسيين، عاشوا ألوانا من العذاب، وتذوقوا مرارة مظالم قاسية لم تكن تتناسب مع نشاطاتهم السياسية. فهم لم يحملوا السلاح ضد نظام بورقيبة، ولم يتآمروا لقلبه، بل اقتصرت نشاطاتهم السياسية على توزيع مناشير تطالب بالديمقراطية، وبحرية التعبير، وبالتعددية الفكرية والسياسية التي كانت مفقودة في ظل نظام الحزب الواحد، والزعيم الأوحد. كما أنهم كانوا يصدرون نشرية سرية بعنوان “العامل التونسي”، وفيها يدافعون عن حقوق العمال، والمثقفين المضطهدين. مع ذلك، لم يكن نظام بورقيبة رحيما بهم. فقد ساقهم إلى الأقبية والسجون، حارما إياهم من التمتع بنعم الشباب وهم الذين كانوا في جلهم في سن العشرين أو الثلاثين.

لكن الاقتصار على وصف المظالم، وعمليات التعذيب الوحشية، وإدانة نظام مستبد، جعل هذه المذكرات متشابهة ورتيبة في أغلبها. لذلك قد تكون واحدة من هذه المذكرات كافية لإضاءة جوانب من تلك المرحلة القاتمة، مرحلة السبعينات من القرن الماضي. إلى جانب ذلك، بدا وكأن الهدف الأساسي من هذه المذكرات هو تمجيد بطولات أبناء جيل تحدوا البطش والطغيان وحدهم دفاعا عن الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية. وهذا ليس صحيحا. فقد كانت هناك قوى أخرى لم يدخل أصحابها السجون لكنهم كانوا يناضلون بطرقهم الخاصة من أجل نفس المبادئ المذكورة.

بالإضافة إلى ذلك، خلت هذه المذكرات من النقد الذاتي. لكأن أصحابها كانوا على حق في كل ما فعلوا، وفي كل ما مارسوه من نشاطات، وأبدا لم يخطئوا في توجهاتهم، وفي أفكارهم. والحال أن الأمر لم يكن على هذه الصورة. فقد كانت تجربتهم السياسية بحكم السن فقيرة، بل لعلها كانت منعدمة أصلا. كما أن تكوينهم الفكري والسياسي كان هشا وسطحيّا إلى حد كبير. وكانوا يفكرون وينشطون تحت تأثير الأدبيات اليسارية المتطرفة. ولم يكونوا يخفون إعجابهم بالزعيم الصيني ماوتسي تونغ، وبالخمير الحمر، وبنظام القائد الشيوعي الألباني أنور خوجه وزوجته نجمية خوجه. لذا كانوا مواظبين على الاستماع إلى إذاعة تيرانا التي كانت توهمهم بأن الثورة البروليتارية وشيكة الوقوع، وأن انهيار القوى الإمبريالية أمر محتوم. ومثل تلك التأثيرات كانت تحجب عنهم حقائق الواقع في تونس، وتعمي أبصارهم، وتجعلهم ينشطون ويفكرون وهم غير مبالين بهذه الحقائق.

وأظن أنه كان من المفيد أن يتطرق أصحاب هذه المذكرات إلى الأخطاء الفادحة التي ارتكبوها فكريا وسياسيا، وإلى قراءاتهم الخاطئة للواقع التونسي في فترة السبعينات، والتي دفعوا ثمنها غاليا. وبما أنهم لم يقوموا بمثل هذه المراجعة إلى حد هذه الساعة، فإنه يتوجب تنبيههم إلى ذلك لكي يثبتوا نضجهم الفكري والسياسي، وقدرتهم على تجاوز هفوات الماضي، وسلبياته، وعثراته.

14