أبناء الست وأبناء الجارية في هيئة الأمم..

الأحد 2013/10/20

يثير اعتذار السعودية عن عدم قبول العضوية المؤقتة في مجلس الأمن الدولي السؤال مجدداً عن مدى فاعلية هيئة الأمم المتحدة، بل وجدوى وجودها في ظل وضعها الحالي وأنظمتها التي تعود إلى فترة التأسيس، والتي لم تعد مناسبة كثيراً في ظل تغير الأوضاع منذ ظهور المنظمة إلى حيز الوجود. ففي السادس والعشرين من هذا الشهر (أكتوبر/ تشرين أول)، تكمل هيئة الأمم المتحدة عامها الثامن والستين من عمرها، ومع ذلك فإنها وخلال هذا التاريخ الطويل لم تستطع أن تثبت وجودها الفعلي في شؤون العالم إلا في حالات معدودة، وذلك حين يتفق الخمسة الكبار في مجلس الأمن على قضية ما، أما فيما عدا ذلك فلم يكن لهيئة الأمم أي دور في حل مشكلات العالم الكبيرة، سواء ما تعلق منها بقضية إحلال السلام العالمي، أو الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل من نووية وكيماوية وبيولوجية وغيرها، أو مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان، وهي أهم القضايا التي نشأت وترعرعت هيئة الأمم من أجل تحقيق الأهداف المرتبطة بها، والتي حددها الدستور الأساسي للمنظمة وما تلاه من اتفاقيات عالمية بعد ذلك. فالسلام العالمي يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن، خاصة بعد عودة الحرب الباردة إلى الأجواء الدولية، وصراع " الصبية " الكبار في مجلس الأمن من أجل تحقيق النفوذ الدولي وإثبات الأنا، أو لنقل "الإيغو" المتضخم لدى البعض منهم على حساب القضايا الأساسية التي نشأت الهيئة بسببها ومن أجلها، أو هكذا يقول دستور الهيئة وإعلاناتها اللاحقة، غير أن نظرة فاحصة تبين أن هذه الهيئة، وبتركيبتها وأنظمتها الحالية، غير قادرة على تحقيق الأهداف المرجوة، وذلك لسبب بسيط هو أن هذه التركيبة وتلك الأنظمة ما زالت تعكس الأهداف السياسية الحقيقية لأصحاب فكرة إنشاء الهيئة، ومُشكّلي دستورها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

فكرة إنشاء هيئة الأمم المتحدة كانت بداية من بنات أفكار الرئيس الأميركي فرانكلين ديلانور روزفلت عام 1942، إبان اشتعال الحرب العالمية الثانية، وما لبثت هذه الفكرة أن لاقت قبولاً لدى الحلفاء في تلك الحرب، ثم برزت إلى الوجود عام 1945، بعد تشكيل دستورها وطريقة عملها على يد الحلفاء تحديداً، ثم وقّعت عليه 51 دولة في مؤتمر سان فرانسيسكو، حيث كانت السعودية من ضمن الموقعين الأساسيين آنذاك. لقد كان تأسيس المنظمة من أجل تحقيق أهداف السلم العالمي وفق رؤية الحلفاء المنتصرين في الحرب، الذين شكلوا عالماً جديداً وفق مصالحهم واستراتيجياتهم، وكان المراد الحفاظ على مثل هذا العالم عن طريق إنشاء مثل هذه المنظمة. ولذلك كان لا بد من تمييز المنتصرين الكبار في الحرب (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، بريطانيا العظمى، والجمهورية الفرنسية) عن بقية الأعضاء، وإعطائهم ميزات لا تتوفر لغيرهم من الأعضاء الآخرين، وهو حق مبرر ومفهوم فرضته طبيعة الأوضاع آنذاك وعناصر القوة، فكانت لهم العضوية الدائمة في مجلس الأمن وحق النقض أو " الفيتو "، الذي يعطي كل عضو من هؤلاء الكبار تعطيل أي قرار يتخذه بقية الأعضاء (الخمسة الدائمين والعشرة غير الدائمين) بمجرد أن يستخدم هذا الحق، حتى لو كان الموافقون هم كل بقية الأعضاء. أما العضو الدائم الخامس وهو الصين، فلم يكن وقتها لا في العير ولا في النفير، وكانت جمهورية الصين الوطنية (تايوان) هي الممثل للصين في المجلس آنذاك، ولم يكن منحها مقعداً دائماً في المجلس إلا لإعطاء الانطباع بأن كل العالم ممثلاً في المجلس من ناحية، وعدم القدرة على تجاهل ما يقارب خمس سكان العالم من تمثيلهم في المجلس، فكان منح تايوان العضوية الدائمة. ورغم أن جمهورية الصين الشعبية هي التي أصبحت مهيمنة على كامل البر الصيني، إلا أن تايوان (جمهورية الصين)، والتي اقتصرت هيمنتها على جزيرة فورموزا، بقيت هي الممثلة للصين حتى عام 1971، حين تم الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ممثلاً للشعب الصيني، وبذلك حلت محل تايوان في مجلس الأمن.

المهم في الموضوع، وبعيداً وليس بعيداً عن تاريخ المنظمة، فإن أوضاع العالم تغيرت كثيراً منذ عام 1945، ولم يعد حلفاء حرب الأمس هم المهيمنون على أوضاع العالم بشكل مطلق كما كان الحال في أعقاب الحرب، كما أنه لم يعد من المنطقي أن تبقى المنظمة خاضعة لأنظمة وقوى أفرزتها نتائج الحرب الثانية ولكن الوضع العالمي تجاوزها، بحيث عطلت هذه الأنظمة الدور المأمول من المنظمة في أن تكون نواة "حكومة عالمية " لها كلمة مسموعة ودور فعال في تحقيق السلم والعدل والتنمية والحرية وحقوق الإنسان في هذا العالم، الذي لم يعد فيه الإنسان أوروبياً أو أميركياً فقط. الوضع الحالي لمنظمة الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس الأمن، يذكر بالوضع العاجز " لعُصبة الأمم " التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى لتحقيق أهداف السلم العالمي، ولكنها انهارت باندلاع الشرارة الأولى للحرب الثانية (1919-1939)، رغم أنها كانت تحمل بذور فنائها في ذاتها منذ البداية، ولم تكن الحرب الثانية إلا شهادة وفاتها الرسمية. فهيئة الأمم اليوم ليست إلا نسخة مكررة من عُصبة الأمم، فقراراتها غير محترمة وإن كان يُفترض فيها أن تكون ملزمة، فلا سلام مطمئن يرفرف بأجنحته على زوايا العالم، ولا حقوق إنسان محترمة في أجزاء كثيرة من هذا العالم، والحكومات المستبدة بل والمتوحشة لا تزال تذيق شعوبها مرارة كأس القهر والذل والقتل والحرمان، رغم تجاوز هيئة الأمم ليوبيلها الذهبي من عمرها الحافل بكل ما هو مخيب لآمال الشعوب والمعذبين في الأرض، بالإذن من فرانز فانون. كل ذلك يجري لا لأنّ فكرة وجود المنظمة فكرة سقيمة أو غير مجدية، ولكن لأن المنظمة ذات تركيبة وأنظمة مقيدة لها لا تعكس الأوضاع المتغيرة لعالم اليوم، والتي تتطلب هيئة عالمية تمثل كافة دول العالم حقيقة وليس شكلاً مع وقف التنفيذ وشلل المضمون. فهيئة الأمم اليوم، وخاصة مجلس الأمن، ليس إلا مسرحاً صغيراً يستعرض فيه الأقوياء الخمسة، وإن لم يعودوا كلهم من الأقوياء، عضلاتهم وقدرتهم على تعطيل أي قرار يتعارض مع مصالحهم الذاتية، أو حتى يقلل من هيبتهم ويجرح نرجسيتهم الكامنة، حتى لو كان ثمن ذلك كل الأهداف التي نشأت الهيئة ظاهراً من أجل تحقيقها، وما السلوك الروسي فيما يتعلق بالنظام السوري ووحشيته أو الأميركي فيما يتعلق بإسرائيل ولا مبالاتها، إلا مجرد مثلين ضمن الكثير من الأمثلة، والسؤال الذي يفرض نفسه هو: أين الخلل؟

يكمن الخلل حقيقة في أن هيئة الأمم المتحدة عاجزة عن الحركة نتيجة تركيبة وأنظمة تقف حجر عثرة في طريق الغايات التي ترفع هذه الهيئة لواءها. فلو نظرنا إلى قرارات الجمعية العامة لهيئة الأمم فسنجد أن هذه القرارات غير ملزمة حقيقة، حتى لو قال الدستور بغير ذلك، ولا تجد أذناً صاغية ممن يعنيهم الأمر. أما مجلس الأمن، فإن مبدأ حق النقض قد جعل من هذا المجلس مجرد لعبة يمارسها الكبار، ويستعرضون فيها ذواتهم المتضخمة، فيما يبقى الآخرون من الأعضاء، سواء المؤقتون في مجلس الأمن، أو بقية العالم في الجمعية العامة، مجرد " كومبارس "، أو مجرد خلفية لإضفاء شرعية الوجود على الهيئة ليس إلا. لذلك فإنه ومن أجل أن تصبح هيئة الأمم ممثلة لكل العالم فعلاً، وفاعلاً حقيقياً في شؤون العالم المعاصر، فإنه يجب إعادة هيكلتها وتجديد أنظمتها بما يتوافق مع أوضاع عالم اليوم من ناحية، وبما يتواءم مع المبادئ السامية التي يُفترض في هذه المنظمة أن تسعى لتحقيقها فعلاً لا بمجرد القول من ناحية أخرى. فمجلس الأمن يجب أن تتوسع عضويته الدائمة ليكون ممثلاً فعلياً لكل أرجاء العالم، ومستوعباً للفاعلين الجدد في عالم اليوم، وأن يُلغى "حق" الفيتو لتصبح قراراته ملزمة بالأغلبية، فليس من العدل ولا من الحق ولا من المساواة، وهي مبادئ من صميم غايات الهيئة، أن تتحكم دولة واحدة، مهما بلغ علو كعبها، في بقية العالم لمجرد أن مصالحها الذاتية تتعارض مع مصالح بقية هذا العالم، على أساس قاعدة قديمة متجددة، يُعمل بها فعلاً وتُستنكر قولاً، تفرق بين أبناء الست وأبناء الجارية في هذا العالم. أما الجمعية العامة، والتي يُفترض أن تكون برلماناً للعالم، فمن المفروض أن تُمنح صلاحيات أوسع، وأن تكون قراراتها أكثر إلزاماً، وفق آلية يحددها نظام جديد يشكله المعنيون بالأمر، وأمور أخرى يدركها المهتمون بهذا الشأن. بغير ذلك، فإن مصير عُصبة الأمم يلوح في الأفق المستقبلي لهيئة الأمم، وتعود غيوم الشتاء لحجب الشمس من جديد، هذا إن لم تكن قد بدأت ذلك بالفعل، في عالم يُشكل التوتر عنواناً دائماً له..هذا، وكان الله في عون الإنسان في كل مكان.

6