أبناء الطبقة الوسطى في مصر يصارعون من أجل تفادي السقوط

الباحث أحمد حسين حسن يرجع التغييرات الطبقية في مصر إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي ثم محاولات التكيف مع الرأسمالية وهي التحولات التي أصابت المواقع الوسطى في مقتل.
الثلاثاء 2019/11/12
الطبقة الوسطى عاجزة عن الوصول إلى الكثير من الخدمات

القاهرة - تشهد خارطة الطبقة الوسطى في مصر تغيرا في ملامحها مع تغير طبيعة المنتسبين إليها وانقسامها بدورها إلى طبقات داخلية تسعى كل واحدة منها إلى حماية نفسها من السقوط إلى الطبقة الأسفل. ويبدو تأثر الأوضاع التي شهدتها البلاد منذ ثورة 25 يناير واضحا على هذه الطبقة، مع ذلك يشير الخبراء إلى أن الأزمة تعود إلى سنوات أقدم وسياسات سابقة وما حدث بعد سقوط نظام حسني مبارك هو في جزء كبير منه تداعيات ومظاهر وليس أسبابا.

ويعرف عن أبناء الطبقة الوسطى أنهم الأعلى طموحا، والهادفون دوما لتحقيق “قفزات طبقية”، لكنهم اليوم ولئن بقي لديهم هذا الطموح إلا أن صراعهم تحول نحو مساعي المحافظة على نفس الدرجة الطبقية وتفادي الانزلاق إلى طبقة أدنى.

يؤشر إلى ذلك الباحث أحمد حسين حسن في دراسته “الطبقة الوسطى والتغير الاجتماعي في مصر”، مشيرا إلى أن أبناء الطبقة الوسطى في الغالب الأكثر عرضة للمعاناة من توترات المكانة الطبقية، ويضرهم بشدة ضياع الحدود بين الطبقات، لاسيما مع العاملة أو الدنيا، ويمثل مشكلة حقيقية بالنسبة لهم يسعون دائما لتجنبها والإفلات منها.

ويرجع الباحث التغييرات الطبقية في مصر إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي ثم محاولات التكيف مع الرأسمالية. وهي التحولات والبرامج التي أصابت المواقع الوسطى في مقتل. وشدد على أن هذه التحولات لم تنجم إلا عن خسائر متتالية تواجهها الأسر الوسطى باستمرار منذ منتصف السبعينات حتى الآن.

الطبقة الوسطى ليست آمنة
الطبقة الوسطى ليست آمنة

وأصبحت هذه الطبقة عاجزة عن الوصول إلى الكثير من السلع والخدمات التي كانت لديها قدرة عالية في الماضي على الوصول اليسير إليها. وترك هذا الموقف آثارا سلبية على القسم الأكبر من الشرائح الوسطى، التي اضطرت للتخلي عن جزء غير صغير من بنودها واحتياجاتها الضرورية. واضطرت إلى التعامل مع الخدمات الخاصة التي استنزفت قسما كبيرا من دخلها المحدود.

وأظهر مسح أجراه البنك الدولي في 2016 أن الطبقة الوسطى شكلت ما يزيد على عشرة بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة قبل انتفاضات الربيع العربي مباشرة. وكان النشطاء ممن ينتمون للطبقة الوسطى من بين قادة انتفاضة 2011.

وكشفت التحولات البنيوية التي جرت في التكوين المصري خلال الثلاثين سنة الأخيرة للطبقة الوسطى أنها ليست آمنة تماما من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولعل هذا ما دفع عددا غير قليل من الباحثين لإدخال شرائح عديدة من هذه الطبقة في نطاق ما أسموه بـ”الفقراء الجدد” الذين يتوارى فقرهم خلف الأبواب المغلقة وهم يختلفون في خصائصهم الاجتماعية والديموغرافية (تعليم ـ مهارات ـ وضع مهني ووظيفي- مقومات متنوعة لرأس المال الثقافي.. إلخ) عن الفقراء فقرا بنيويا أو مزمنا.

في السنوات الأخيرة اضطرت الحكومة المصرية إلى إطلاق سلسلة من الإصلاحات تقوم على التقشف والزيادة في الأسعار. وأثرت هذه السياسات بشكل كبير على الطبقة المتوسطة التي اضطرت إلى تغيير نمط عيشها للنجاة من الغرق بعد أن ارتفعت تكاليف معيشتها ارتفاعا فلكيا.

ويقول الاقتصاديون إن تآكل الطبقة الوسطى يبرز في أرقام مبيعات السيارات وانخفاض أسهم بعض شركات السلع الاستهلاكية وتدفقات السياحة إلى خارج البلاد.

ويذهب في ذات السياق أحمد حسين مشيرا إلى أن على أبناء هذه الطبقة الآن أن يستمروا في صراعهم العنيف، ليس ليشبعوا طموحا أو يحققوا تطلعا بل لمجرد الحفاظ على الذات من شبح الهبوط، وما قد تبقى من مقومات مكانة أو وضع طبقي مميز. ويؤدي هذا الموقف إلى نتائج سلبية تمس المصلحة الاجتماعية، في اتجاهات الانحراف والفساد والتقاعس وضعف الكفاءة.      

ويلفت أحمد حسين إلى أن هذا الوضع كان له تأثير على سوق العمل حيث شهدت الطبقة الوسطى تغيرات جذرية مهمة في علاقات عملها ومستوى تعليمها وتوجهاتها. فقد كشف عن تحول قسم مهم من عمالة هذه الطبقة إلى القطاع الخاص بفعل عوامل كثيرة منها ضمور القطاع العام وتدهور قواعده الإنتاجية ثم الشروع في بيعه، واستقطاب القطاع الخاص للعناصر القديمة من كوادر القطاع العام ذات المهارات والخبرات الإدارية والتنظيمية، مع عناصر أخرى حديثة أكثر تأهيلا ودراية وقدرة على التعامل مع معطيات سوق العمل.

وعن حالة الوعي الاجتماعي والطبقي للمواقع الوسطى الحضرية وأنساق قيمها الاجتماعية كشف أحمد حسين عن عدم وجود تجانس قيمي واضح بين القيم التي تؤمن بها المواقع الوسطى الحضرية.

وقال “كشفت البيانات المتاحة عن وجود تضارب وتناقض في ما يتعلق بقيم التعليم، والعمل، والتسامح الديني، وقبول الآخر السياسي، والموقف من المرأة، وحرية المنافسة.. إلخ. وهو التناقض الذي يمكن فهمه في إطار تناقض خصائص المواقع الطبقية الوسطى البينية واختلاطها، وفي ضوء تباين مفردات الوعي بالمصالح والأهداف، علاوة على تشتت الانتماءات السياسية والأيديولوجية”.

7