أبناء اللبنانيات المتزوجات بأجانب.. تلاميذ من الدرجة الثانية

يبدو أن اختيار الزوج حرية مكفولة للنساء في كل القوانين الدولية وحتى القانون اللبناني الذي لا يرفض صراحة حق اللبنانيات في اختيار أزواجهن من جنسيات أجنبية، لكن من “تتورط” في هذا الاختيار تظل تعاني هي وأسرتها بسبب قانون عدم منح الجنسية لزوجها ولأطفالها، أي حرمانهم من حق الدراسة والشغل وبقية الحقوق التي يتمتع بها اللبناني من أب وأم لبنانيين.
الأربعاء 2016/09/21
صرخة مساواة في القرن الحادي والعشرين

بيروت - تشكو الأمهات في لبنان وخصوصا المتزوجات بأجانب من حرمان أبنائهن من الجنسية، تلك الشكوى الممزوجة بـ“الألم” والتي سرعان ما تتحول إلى صرخة مع كل واقعة “تمييز” ضد الأبناء.

التمييز الأخير، الذي أطلق صرخات هؤلاء الأمهات جاء مع العودة المدرسية وتمثل في تأخير تسجيل أبنائهن في المدارس الرسمية حتى اكتمال تسجيل الطلاب اللبنانيين، باعتبار أن كل من يولد من امرأة لبنانية وأب أجنبي “لا يعتبر لبنانيا حتى لو ولد في لبنان وعاش كل حياته فيه”.

وتصف الأمهات اللبنانيات المتزوجات من أجانب القانون اللبناني في هذه القضية بأنه “عنصري”، فهن يتّهمن المسؤولين اللبنانيين بـ“التقاعس” في حل هذا الملف الإنساني-الحقوقي البعيد عن أي بعد طائفي أو مذهبي أو عرقي.

وبحسب المحاكم الشرعية والسجلات المدنية، فإن عدد اللبنانيات المتزوجات من أجانب بلغ حتى آخر إحصاءات جرت في العام 2014 حوالي 99 ألفا، وعليه فيجب إعطاء الجنسية لأكثر من 450 ألف شخص إذا احتسب متوسط عدد أفراد الأسرة.

وتقود أمهات حملات لتعديل القانون، ومنها حملة “جنسيتي حق لي ولأسرتي” التي تتابع هذه القضية منذ سنوات وتنفذ اعتصامات دورية أمام المؤسسات الرسمية “حتى نيل الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي حقها في إعطاء جنسيتها لأبنائها”.

كريمة شبو، منسقة حملة “جنسيتي حق لي ولأسرتي”، تحدثت على هامش تجمع نظمه عدد من اللبنانيات المتزوجات من أجانب أمام مقر وزارة التربية في بيروت، اعتراضا على عدم “مساواة أبنائهن مع الطلاب اللبنانيين، وتأخير تسجيلهم بقرار من وزير التربية إلياس بوصعب”.

وقالت شبو إن “حملة جنسيتي حق لي ولأسرتي تتابع ملف قانون الجنسية في لبنان، من أجل تعديله بما يضمن المساواة التامة بين الرجل اللبناني والمرأة اللبنانية في ما يخص منح المرأة اللبنانية جنسيتها للأبناء”، مشيرة إلى أن “لبنان حتى اليوم لم يعدّل هذا القانون”.

وأصدر وزير التربية اللبناني مطلع سبتمبر الجاري قرارا يقضي بحصر التسجيل في كل مراحل التعليم العام، ما قبل الجامعي حتى تاريخ 13 سبتمبر، بالتلاميذ اللبنانيين فقط، على أن يبدأ تسجيل التلاميذ غير اللبنانيين اعتبارا من 14 من الشهر نفسه، شرط ألا تتجاوز نسبتهم في كل صف الـ50 بالمئة كحد أقصى، ويشمل القرار أبناء المرأة اللبنانية باعتبارهم أجانب.

كلنا لبنانيون

وأوضحت شبو أن “حرمان أبناء المرأة اللبنانية من الجنسية له تداعيات سلبية على الأبناء، حيث كانت السلطات اللبنانية ترحّل هؤلاء الأبناء بسبب موضوع الإقامة الشرعية، حتى حصلنا قبل أعوام على قانون إقامة المجاملة التي تمنح لأبناء اللبنانية مجانا ويقع تجديدها كل ثلاث سنوات”.

ولفتت إلى أن “المشكلة الجديدة التي تعاني منها اللبنانيات المتزوجات من أجانب، هي عدم قدرتهن على تسجيل أبنائهن في المدارس اللبنانية الرسمية”.

ورأت أن “حجج المسؤولين اللبنانيين حول عدم تعديل هذا القانون، تظل واهية وغير قانونية وغير منطقية”.

التسجيل بالواسطة

تقول سها البيطار، متزوجة من فلسطيني، إن “مشكلة تسجيل أبنائنا في المدارس اللبنانية رسمية وتعاني منها كل عام، حيث تتم معاملتنا نحن وأبناؤنا بطريقة غير لائقة”، مشيرة إلى أنه “بعد الكثير من الوسائط تمكنا من تسجيلهم في المدارس الرسمية، حيث لا قدرة لنا على دفع أقساط المدارس الخاصة”.

وأضافت البيطار، “مطلبنا واضح، نريد أن نمنح أبناءنا الجنسية اللبنانية، فهم ولدوا وترعرعوا هنا، ويعيشون هنا مثلهم مثل أي مواطن لبناني آخر”.

أما سميرة حبيب، لبنانية متزوجة من أجنبي (فضلت عدم ذكر الجنسية)، فقالت إن “ابنها لم يتمكن من التسجيل الرسمي بأي مؤسسة في لبنان، حتى الرياضية منها، لأنه غير لبناني”.

وتحدثت حبيب عن ابنها “الذي كان ينوي دراسة الطب الشرعي، ولكنني منعته لأن القانون لا يسمح له بمزاولة هذه المهنة، ما تسبب له في صدمة نفسية، وكذلك الحال مع الكثير من الاختصاصات التي اختارها”.

قانون قديم عمره 91 عاما يحرم ابنة الناشطة نادين موسى، أول مرشحة من النساء للرئاسة في لبنان، من الانضمام إلى منتخب السيدات لكرة القدم

وأشارت إلى أن “الأزمات النفسية المتتالية دفعته قبل أشهر وهو ابن الـ15 عاما إلى الهجرة وامتطاء قوارب الموت”.

وأضافت حبيب، وهي تحاول حبس دموعها، “منذ 8 أشهر لم أر ابني بسبب القانون المجحف في لبنان، وقد اتصل بي الثلاثاء بعد علمه بتحركنا أمام وزارة التربية وقال لي كيف تطلبين مني أن أعود وأنا لا أستطيع حتى أن أسجل في مدرسة؟”.

وتروي لبنى، التي كانت متزوجة من أجنبي، حكاية ابنها مع المدرسة فقالت لقد “أصدر وزير التربية في السنة الماضية قرارا يمنع فيه تسجيل الأولاد الأجانب بالمدارس الرسمية، وهذا القرار طبّق على ابني باعتباره لا يحمل الجنسية اللبنانية وعلى جميع أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب.

ورفضت كل المدارس الحكومية تسجيله، ولم يستطع الدخول إلى المدرسة إلا بعد شهر تقريبا من بداية العام الدراسي، وبتدخل من جمعية ‘جنسيتي حق لي ولأسرتي’، التي لفتت نظر وزير التربية إلى أن هذا القانون ظلم أولاد جميع اللبنانيات المتزوجات من أجانب، ليستدرك ويصدر استثناء بحقهم”.

وتقول لبنى إن هذه الحادثة آلمت ابني الذي صار دائما يشعر بالعنصرية والتمييز، ولو كان يحمل جنسية والدته لما تعرض لكل هذه المواقف السلبية، معلقة “لو أعطتنا الدولة حقنا في تجنيس أولادنا لما كنا عانينا ما نعانيه اليوم. نحن نقوم بكامل واجباتنا نحو بلدنا، فلماذا لا يعطوننا حقوقنا؟”.

وإذا ما تمكن ابن اللبنانية المتزوجة من أجنبي من إكمال دراسته والتخرج في الجامعة، فإنه سيواجه مشكلة أكثر حدة، وهي التشغيل.

لبنان وطني

ماري المتزوجة من كندي (أمّه وجدته لبنانيتان)، ولم تعد تطيق هذا الوضع بعد أن عانت الويلات في تدريس ابنيها اللذين تلقيا خبر إنكار لبنانيتهما وهما في المدرسة، حيث كان إلياس وجوان يمارسان رياضة التايكوندو في المدرسة الابتدائية، لكنهما لم يتمكنّا من المشاركة في المنافسات الوطنية، لأن الجواز اللبناني كان شرطا.

وكان منعهما من المشاركة صدمة لهما في البداية جعلت أمهما تفكر بجدية في إرسالهما إلى فرنسا لمواصلة دراستهما، لكن ما يؤرق ماري هو إذا ما أراد طفليها العمل في لبنان، حيث سيتعيّن عليهما الحصول على إذن للعمل، وهذا سيشكل صدمة أخرى بالنسبة إليهما.

وعندما اختيرت ابنة نادين موسى المحامية وأول مرشحة من النساء للرئاسة في لبنان، وهي لاعبة كرة قدم موهوبة في سن المراهقة للانضمام إلى الفريق الوطني اللبناني، لم تكتمل فرحتها بسبب قانون قديم عمره 91 عاما يقضي بأن النساء المتزوجات من أجانب لا يمكنهن منح الجنسية اللبنانية لأزواجهن أو أطفالهن، بل ولا يمكن للأزواج أو الأولاد وراثة ممتلكات آبائهم.

لبنان أم الصبي

تقول ماري ناصيف الدبس، الأستاذة في الجامعة اللبنانية، إن “صلة الدم هي من الأب والأم، وبالتالي ما يحق للأب يجب أن يكون حقا للأم”.

وتضيف أن الأجنبية، المطلقة أو الأرملة، التي تتزوج من لبناني، يمكنها بعد الحصول على الجنسية اللبنانية أن تمنحها لأولادها الذين أنجبتهم من زوج سابق غير لبناني، إذا وافق زوجها اللبناني طبعا على إدراجهم ضمن سجله العائلي. بينما أولاد اللبنانية المتزوجة من أجنبي الذين يولدون في لبنان ويعيشون فيه، لا يحق لهم الحصول على الجنسية”.

ويعلق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي على هذه المشكلة التي يتباطأ السياسيون في حلها تحت عناوين عديدة منها “لبنان أم الصبي” لذلك يحق له حمل الجنسية اللبنانية والتمتع بما يتمتع به اللبناني من مدرسة وعلاج ومشاركة في المسابقات الرياضية الرسمية.

ولا يسمح قانون الجنسية اللبناني إلا للرجل، وليس للمرأة، بمنح حق الجنسية اللبنانية لزوجته وأطفاله. وهذا القانون، الذي يحرم المرأة من المساواة مع الرجل من حيث الجنسية، يقوّض مكانتها بوصفها مواطنة على قدم المساواة ويتعارض مع الدستور اللبناني، الذي ينص على أن جميع المواطنين اللبنانيين متساوون أمام القانون ويتمتعون بنفس الحقوق المدنية والسياسية.

ويناقض هذا القانون الكثير من المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها لبنان، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل.

وقالت مريم، لبنانية متزوجة من أجنبي، معلقة على المعاناة التي تواجهها في بلدها، “إن كل ما أريده من دولتي هو أن تحترم وجودي كمواطنة وتمنحني حقي كمواطنة لبنانية في إعطاء الجنسية لأولادي وحقهم في أن يعيشوا في هذا البلد بكرامة وليسوا كلاجئين أو غرباء”.

وتضيف مريم “ابني خلق وعاش وترعرع هنا في هذا البلد ويحكي لغته، هو لبناني قبلي، وحين أقترح عليه السفر يرفض قائلا، لا أريد أن أغادر بلدي”.

ويذكر أن أغلب الدول العربية كانت قد حسمت إشكالية الجنسية لأطفال المتزوجات من أجانب، ففي مصر استطاعت الأم منح الجنسية لأسرتها عام 2004، تلتها الجزائر عام 2005، فالمغرب عام 2007، أما الحالة التونسية فهي تعتبر رائدة في هذا المجال، إذ تمّ إقرار القانون منذ العام 1936، وجرى لاحقا إدخال تعديل على التعديلات السابقة.

وتبقى اهتمامات النساء المتزوجات من أجانب في لبنان مركزة على المطالبة بتأمين أدنى مستلزمات العيش الكريم، والبحث المستمر عن سبل تسوية لأوضاعهن القانونية والإدارية والتي تتطلب التصدي للذين يعترضون على تسليمها الجنسية لها ولأطفالها، وبالتالي تسوية عقد العمل والإقامة وتدريس أطفالهن في المدارس الرسمية وضمان حق الشغل لهم بعد التخرج.

20