أبناء المسنين.. ضحايا لأنانية الآباء

أبناء المسنين يواجهون صعوبات نفسية واجتماعية تبدأ من تخوفهم من فقد الأم أو الأب المتقدم في السن إلى فقدانه والشعور باليتم والوحدة.
الجمعة 2019/05/17
متعة الأبوة وبعد...

يقدم بعض الرجال المتقدمين في السن وممن تخطوا الستين على الإنجاب بالرغم من وجود أولاد لهم قد يكونون بدورهم آباء. وتقترن هذه الحالات أكثر بالمتزوجين في سن متقدمة خاصة بزوجة ثانية تكون راغبة في الانجاب. ويشبع كلا الطرفين رغباتهما في الإنجاب وفي الإحساس بالأمومة والأبوة، لكنهما يهملان التفكير في المستقبل البعيد للابن وكم تبقى لهما من سنوات معه وماذا يمكنهما أن يقدما له عندما يحتاجهما وهو يكبر.

تونس  - يرغب متزوجون متقدمون في السن في إنجاب طفل دون التفكير مليا في مستقبله وأغلبهم يستجيب لرغبة الأبوة والأمومة وغيرها من الدوافع النفسية والاجتماعية، وفي المقابل لا يمكن لبعضهم العيش فترة طويلة يواكبون فيها طفلهم في نموه وبلوغه مرحلة المراهقة والشباب، وهو ما يجعل هؤلاء الأبناء يواجهون صعوبات نفسية واجتماعية تبدأ من تخوفهم من فقد الأم أو الأب  المتقدم في السن إلى فقدانه والشعور باليتم والوحدة.

يقول محمد رضوان (16 سنة) “أنجبتني والدتي وهي في الأربعين من عمرها بعد أن ظلت خمسة عشر عاما تعالج لتتمكن من الإنجاب، وكانت تخشى أن يتزوج والدي البالغ من العمر سبع وخمسين سنة غيرها، والغريب أنها لم تكتف بي، بل أنجبت طفلة ماتت وهي رضيعة، ولم تمر إلا سنوات قليلة من ولادتي حتى توفي والدي وتركني وحيدا”.

ويروي يوسف محمد إسماعيل (15 سنة) تجربته قائلا “توفي والدي وعمري خمس سنوات عشت فيها سعيدا معه، صحيح كان كبيرا في السن، وكنت أعتقد في البداية أنه جدي، حتى أدركت بعدها أنه والدي. كان يدللني ويحنو عليّ لكنه سرعان ما تركني وتوفي، وشعرت بالوحدة وبأنني لا أعيش مثل أقراني وأعاني الحرمان من وجود الأب في حياتي ومن غياب معيل لي ولوالدتي، فقررت ترك المدرسة والبحث عن عمل لكي أوفر مصاريف البيت”.

وتعتبر سعاد خضر أستاذة علم النفس الاجتماعي أن زواج الشيوخ والمسنين شائع في المجتمعات العربية والبيئات التقليدية خصوصا، وقد يشعر الآباء بالوحدة عندما يصبحون أرامل ويتركهم أولادهم وحدهم ويباشرون حياتهم الأسرية والاجتماعية دون الاهتمام بهم، ما يجعل الزواج مرة أخرى حتى في الكبر يبدو لهم الحل الأمثل ليتخلصوا من الوحدة ولكن بعضهم قد يتمادى في التمسك بالحياة ولا يفكر إلا في تجديد حياته وينجب أولادا دون التفكير في مستقبل هؤلاء بعده.

الطفل الذي ينجبه والده وهو في الستين سوف يكمل حياته وحيدا ويتيما منذ بلوغه العاشرة أو الخامسة عشرة على الأكثر ومن هنا فهؤلاء الآباء لن يستطيعوا أن يوفروا لأبنائهم ما يتوفر لأقرانهم

وترى خضر أن سعي الرجل للإنجاب بعد الستين جريمة في حق أبنائه، بمعنى أن الطفل الذي ينجبه والده وهو في الستين سوف يكمل حياته وحيدا ويتيما منذ بلوغه العاشرة أو الخامسة عشرة على الأكثر ومن هنا فهؤلاء الآباء لن يستطيعوا أن يوفروا لأبنائهم ما يتوفر لأقرانهم. ومن جانبه يقول استشاري أمراض النساء والتوليد هشام فهمي إنه إذا كان الزوج فوق الستين فمن الطبيعي أن يكون عمر الزوجة متقاربا إلى حد ما، وحتى إذا كانت في سن الإنجاب فإنها تكون في آخر هذه المرحلة، وبالتالي تقابلهما العديد من المشكلات المتعلقة بعملية الإنجاب، منها مشكلات خاصة بالحمل وأخرى متعلقة بعملية الولادة ومشكلات عامة، والأخيرة خاصة بتزايد احتمالات إصابة الأم بالعديد من الأمراض منها السكري الذي قد لا تكون مصابة به من قبل، ولكنها تصاب به نتيجة تزامن الحمل مع التقدم في العمر.

ويؤدي الحمل في هذه المرحلة العمرية المتقدمة إلى الإصابة بالعديد من المتاعب الصحية خصوصا عند المرأة لارتباطه بحالة من التدهور الطبيعي حيث تفقد جزءا كبيرا من مرونتها بتقدم العمر، وفي حالة حدوث الحمل يتداخل تقدم العمر مع عملية نمو الجنين، ومن الطبيعي أن الأوعية الدموية تتمدد أثناء الحمل لتلبي الاحتياجات المتزايدة لتغذية الطفل ونموه، وهنا تكون شرايين الأم قد أصبحت غير مرنة أو قادرة على التمدد المطلوب وتكون النتيجة أنها تضر هذا الابن منذ مرحلة الحمل وتعرضه للعديد من المخاطر ومن بينها الإعاقة وهو لا يزال جنينا.

وتؤكد أستاذة علم النفس نادية ثابت أنها فوجئت في إحدى زياراتها لإنكلترا بإثارة وسائل الإعلام لهذه المشكلة في المجتمع البريطاني، وهو ما يبين أنه موضوع شائع وليست له قواعد. وتمثلت الحادثة في إنجاب زوجة في الستين من عمرها من زوجها البالغ من العمر خمسة وستين عاما لطفل. وانقسم علماء النفس والاجتماع لفريقين: فريق قال إنه من حقهما الاحساس بالأبوة والأمومة وأن يسعدا بطفل في هذا العمر، والفريق الآخر رفض ذلك، معتبرا ذلك ضربا من ضروب الأنانية المفرطة من الأبوين الطاعنين في السن. وتساءل الفريق الرافض للإنجاب في سن متقدمة كيف لم يفكرا في أنهما سوف يغادران الحياة وهو لا يزال في سنوات عمره الأولى، وكيف أنه سوف يعاني وحده.

وتشير ثابت إلى أنه في المجتمعات العربية يتحمل الرجال الطاعنون في السن المسؤولية الأكبر في الإنجاب وهم شيوخ، مضيفة “الرجل الكبير هو سر المشكلة، فعليه خاصة إن كان لديه أبناء كبار ألا يفكر في الإنجاب مرة أخرى حتى لا يعرض هذا الطفل إلى مشكلات في حياته، فيجعل منه ضحية وبذلك ينشأ ولديه مشكلات نفسية قد تجعله معقدا نفسيا، وغالبا ما يواجه هذا الابن مصيرا مخيفا بسبب أنانية والديه”.

21