أبناء المطلقات محرومون من دخول المدارس الخاصة في مصر

المدارس الخاصة تتجنب قبول أبناء الأسر المنفصلة لعدم الدخول في مشكلات قد تنتج عن الصراع بين الأب والأم، والأهم ضمان عدم تأثيرها على مصاريف المدرسة.
الاثنين 2018/04/16
شعور الأطفال بأنهم منبوذون مجتمعيا يجعلهم عدائيين

أميرة فكري

لعام كامل، غابت الطفلة مريم ابنة الأربعة أعوام عن المدرسة، بعدما فشلت محاولات والدتها سلوى طوال السنة الماضية في أن تلحقها بمدرسة خاصة، لأنها منفصلة عن زوجها، وأصبح عليها الانتظار ليكون عمر طفلتها 7 سنوات لقبولها بمدرسة حكومية لأنها الوحيدة التي يُحظر فيها التمييز بين الأطفال حسب ظروف أسرهم.

اصطدمت الأم بأمور تنظيمية معقدة وغير دستورية أيضا، داخل أكثر المدارس الخاصة في مصر، بأن عدم قبول أبناء الزوجين المنفصلين أقرب طريق لإبعاد المدرسة عن صداع النزاع القضائي بين الأب والأم، ورفض قبول الأطفال الخيار الأمثل، في إجراء يبرهن على استمرار لفظ المجتمع للقب مطلقة. أزمة مريم التي اجتازت شتى الاختبارات التمهيدية التي خضعت لها العام الماضي، قبل إقرار المدارس بقبولها أو رفضها، أن والدتها كانت تعترف بأنها مطلقة عند سؤالها من جانب إدارة المدرسة عن سبب غياب الأب، ولماذا لم يحضر للتقديم لابنته بنفسه، حتى أدركت الحقيقة متأخرة.

 

ظاهرة جديدة باتت تواجه المطلقات في مصر لتزيد أزمة الكثير من الأمهات، بعدما أصبح انفصالهن عن أزواجهن سببا في عدم قبول الأبناء في المدارس الخاصة، خوفا من النزاع القضائي بين الوالدين والذي قد يسيء للمدرسة ويشوه عقل الطفل، فضلا عن انعكاساته المادية، حيث يؤدي إلى تأخير دفع المصروفات

مريم وأمها، ليستا حالة استثنائية لانعكاس هذه الثقافة الراسخة داخل أكثر المدارس في مصر، بأن يكون قبول أبناء المطلقات أمرا مرفوضا، لكنها أصبحت ظاهرة عجزت المؤسسات الحكومية عن مواجهتها سوى بالترهيب أو تطبيق العقوبات الإدارية، حتى أصبحت بمثابة واقع يصعب تغييره.

وتتجنب المدارس الخاصة قبول أبناء الأسر المنفصلة لعدم الدخول في مشكلات قد تنتج عن الصراع بين الأب والأم، والأهم ضمان عدم تأثير المشكلات الأسرية على المصاريف السنوية للمدرسة، ما يجعل الإدارة تتعلل بعدم قبول الطفل إما لأسباب مرتبطة بقدرات الطفل نفسه وإما لعدم وجود مكان شاغر في الفصول الابتدائية.

وطوال عام مضى، وجهت مريم لأمها العشرات من الأسئلة عن تأخر إلحاقها بالمدرسة مثل صديقتها ضحى، وكانت سلوى، حسب كلامها مع “العرب”، تعجز في كل مرة عن الرد أو تتهرب من الإجابة، ما أدخل الطفلة في حالة نفسية استدعت الأم أن تلحقها بإحدى دور الحضانة حتى تبحث عن حل.

وهناك طريقان أمام المطلقة التي ترغب في إلحاق أبنائها بالمدارس الخاصة في مصر، إما الحصول على تأشيرة أو تزكية من مسؤول كبير في وزارة التربية والتعليم أو عضو في مجلس النواب، وإما أن تدّعي سفر الزوج خارج البلاد كمبرر لعدم وجوده عند التقديم، مع أن هذا الادعاء أحيانا لا يُقنع المدرسة ويستلزم تقديم شهادة تثبت ذلك.

هذا النوع من العراك بين الزوجين المنفصلين، والأسلوب العنصري الذي تتبعه أكثر المدارس الخاصة في مصر، يهدمان الشخصية السوية لدى الصغار، وفق كلام سهير لطفي أستاذة علم الاجتماع بجامعة حلوان جنوب القاهرة، التي رأت أن شعور الأطفال بأنهم منبوذون مجتمعيا ويتحملون أخطاء آبائهم، يجعلهم عدائيين بالفطرة.

والخطر الأكبر، حسب حديث لطفي مع “العرب”، أن يتنامى الشعور لدى الطفل ضحية الأسر المفككة بأنه منبوذ داخل المجتمع المدرسي، ما قد يجعله معقدا نفسيا ويصعب دمجه اجتماعيا، لأن الأطفال في هذه السن الصغيرة يتأثرون بكل شيء محيط بهم، لدرجة أن بعضهم يبغض فكرة تكوين أسرة مستقبلا.

ويضاف إلى هذه النكبة، حسب وصف عالمة الاجتماع، أن يصل للطفل الفكر السائد بأنه تربى في كنف امرأة، وبالتالي فإنه سوف يظل أقل شأنا وقيمة من زميل عمره الذي تربى في ظل الأب، مهما كانت سلبيات أبيه، وهنا قد تموت العاطفة بداخله ويكون أمام خيارين، إما الانتقام من المجتمع عند الكبر وإما الانكسار الأبدي.

ويلخص خبراء الأزمة في الولاية التعليمية التي يفرضها القانون لصالح الأب باعتباره الولي للأم والأبناء طبقا لرأي الأزهر في مسألة الولي الشرعي للأبناء، وتمسكه بأن الأم والأبناء تحت ولاية الزوج ما لم تحصل الزوجة على حكم قضائي بالولاية قد يستمر سنوات.

الطفل ضحية الأسر المفككة  يتنامى لديه الشعور بأنه منبوذ داخل المجتمع المدرسي، ما قد يجعله معقدا نفسيا

ويمثل القانون إحدى أدوات التعسف ضد الصغار في بعض المدارس، ما دفع ناشطين بحقوق الطفل للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية لتغيير آليات الولاية بما يحفظ مستقبل الأطفال.

وبالنظر إلى موقف وزارة التربية والتعليم من هذه الظاهرة، قامت بمخاطبة المدارس قبل عامين بأن تكون الولاية التعليمية للطفل حقا للأم المطلقة، دون الحاجة إلى الحصول على حكم قضائي لمجرد تقديم مستندات تثبت وقوع الطلاق، لكن أكثر المدارس الخاصة لا تلتزم بهذا القرار وتعتبر أن عملية القبول والرفض سياسة داخلية.

وما أعطى للمدارس جرعة زائدة من الشجاعة في رفض إلحاق أبناء المطلقات، أن وزارة التعليم تعتبر أنه في حال عدم وجود مستند للطلاق، تكون الولاية التعليمية للأب باعتباره الولي الطبيعي على أبنائه القصّر، ولا يجوز للمدارس التعامل مع الأم إلا من خلال توكيل رسمي، حتى في حالة وجود نزاع على الحضانة أو الولاية التعليمية.

وتنزع الجهات المعنية بالرقابة على المدارس في مصر، بأنها لا تتحرك إلا بتلقي شكاوى من الأمهات المطلقات تفيد رفض قبول أبنائهن بالمدارس، حتى إن تقدمت إحداهن بشكوى وتمضي هذه الجهات بالتحقيق فيها، تبرر المدرسة سبب الرفض بأن الطفل رسب في الاختبار التمهيدي، ولا تذكر أن طلاق الأم هو السبب الحقيقي. ويعكس السؤال البرلماني الذي تقدم به النائب البرلماني محمد فؤاد إلى مجلس الوزراء، قبل شهرين، حول الظاهرة، أن تعسف المدارس ضد أبناء الذين انفصل آباؤهم، تحول إلى ظاهرة، لكن الجهات المعنية بهذه النواحي التنظيمية بوزارة التعليم لم تفصح عن معاقبة أي مدرسة لهذا السبب، كتعبير ضمني عن رفضها هذا السلوك.

وتظل وجهة نظر المدارس بالرفض، وفق حديث بدوي (ع) مع “العرب” وهو مالك مدرسة خاصة، أن أكثر المدارس ترفض قبول أبناء الأزواج المنفصلين لإبعاد نفسها عن نزاعات الأب والأم، وصراعهما الدائم، إما لحق الرؤية أو الولاية التعليمية، وأحيانا يتم خطف الطفل من جانب أحدهما، وتٌتهم المدرسة بالتقصير وتسيء سمعتها.

21