أبناء المطلقين ضحايا التشريعات والمجتمع

أزمة الولاية التعليمية في مصر تفاقم صعوبات الاندماج والتعلم لأطفال الأزواج المنفصلين.
السبت 2019/08/17
السلطة للأب والتعب للأم

حق الولاية التعليمية من أهم المشكلات القانونية التي تواجه الأزواج في مصر في حالة الانفصال، ومؤخرا تصاعدت مطالبات في البرلمان المصري بإعادة النظر في القوانين الناظمة لهذا الحق، حيث تواجه العديد من المطلقات الحاضنات لأبنائهن مشكلات ترسيم أبنائهن في المدارس الخاصة والدولية، وهو ما يؤثر سلبا على استقرار ونجاح الطفل في مسيرته التعليمية، وربما يساهم في زيادة نسب الأميّة أو الرسوب في المجتمع المصري بالتوازي مع الزيادة في نسب الطلاق، وبالتالي زيادة القضايا المرتبطة بحق الولاية التعليمية.

القاهرة - تقرّ التشريعات المصرية وتحديدا قانون الطفل بحق الولاية التعليمية للطرف الحاضن للأبناء (والذي غالبا ما يكون الأم) في حال طلاق الزوجين، ولكن هذا القانون لم يحلّ مشكلة من يقرّر من الأزواج المطلقين أين يتعلم الأبناء وفي أي مستوى تعليمي وكيف يتم تسجيلهم؟ وباتت المحاكم المصرية ذاتها تعاني من كثرة القضايا المتعلقة بحق الولاية التعليمية.

ظهرت أزمة الولاية التعليمية على الأبناء عند صدور قانون الطفل رقم 126 في العام 2008، والذي ينص في المادة 54 أن الولاية التعليمية تكون لحاضن الطفل، ثم أصدرت المحكمة الإدارية العليا حُكما غير قابل للطعن باسترداد الولاية التعليمية للأب غير الحاضن على أبنائه، وأسندت له الحق في ممارسة هذا الحق.

تضارب قانوني

انجرّ  عن النصين القانونيين تضارب أنتج العديد من المشكلات القانونية والاجتماعية التي يظل أبناء المطلقين أكبر ضحاياها، حيث تواجه الأمهات المطلقات إشكاليات إجرائية وقانونية عند تسجيل الأبناء أو نقلهم من مدرسة إلى أخرى أو من مستوى تعليمي لآخر، فتطالبها المدارس بحضور وموافقة الأب لأنه من يتمتع بالولاية التعليمية وإلا ترفض تسجيل الابن رغم أنها الطرف الحاضن له، وأمام طول المدة الزمنية التي تستغرقها المحاكم في الحكم في قضايا الطلاق وفي قضايا الولاية التعليمية والحضانة والرؤية فإن الطفل يظل مهددا بهدر سنوات تعليمية من حياته.

وتتجه أغلب الآراء في المجتمع المصري إلى أنّ الأم أولى بحق الولاية التعليمية على أبنائها طالما أسندت إليها الحضانة، فيما يتمتع الأب بحق رؤية أبنائه بما يكفله له القانون مع الاتفاق على الطرف المكلّف بمصاريف تسجيل وتعليم الأبناء، وهو ما يفترض تدخلا تشريعيا لحسم هذه المسائل.

مطالبات بتعديل القوانين

دفعت مسألة حق الولاية التعليمية عددا من نواب البرلمان المصري إلى توجيه طلبات إحاطة للحكومة، لأن ذلك يخالف قانون الطفل الذي جعل الولاية التعليمية للحاضن سواء كان الأب أو الأم، وفي حالات الخلافات بين المنفصلين تكون الولاية لمن يحقق مصلحة الطفل، بعد رفع الأمر لمحكمة الأسرة المختصّة التي لها سلطة تقديرية في هذه القضايا.

ويتزامن تحرّك بعض نواب البرلمان بشأن منح حق الولاية التعليمية للحاضن، وهي الأم في أغلب الحالات، مع بدء تحصيل المدارس الخاصة في مصر نفقات العام الدراسي الجديد، حيث ترفض الكثير من المدارس الخاصة قبول أبناء المطلقات وتشترط وجود الأب أثناء قبول الأوراق والتسجيل، لتفادي المشكلات المحتملة بين الأبوين المطلقين في المستقبل، والتي تنعكس تأثيراتها ضرورة على العملية التعليمية للطفل.

معاناة الأبناء والأمهات

مشكلة النزاع حول الولاية التعليمية تظهر في الأسر التي يلتحق أبناؤها بالمدارس الخاصة والدولية المنتشرة في مصر، وبعد انفصال الزوجين وفي كثير من الأحيان ترفض بعض المدارس قبول أبناء المطلقات
مشكلات قانونية واجتماعية يظل أبناء المطلقين أكبر ضحاياها

تسعى مطلقات إلى انتزاع حق اختيار نظام التعليم، وهناك العديد من الدعوات التي طالبت بتعديل نظام الرؤية والحضانة في قانون الأحوال الشخصية، لتخفيف الاحتقان بين المنفصلين والحفاظ على مصلحة الطفل.

وتعتبر الصراعات حول حق الولاية التعليمية إحدى أبرز النتائج السلبية لزيادة نسبة الطلاق في مصر، نظرا إلى ما يصاحبها من خلافات حادّة بين المنفصلين تؤثر على تعليم الأبناء، وعلى أوضاعهم النفسية وربما تتسبب في ضياع مستقبلهم.

وتحمل الأيام التي تسبق دخول المدارس الكثير من القلق للأم المطلقة، في ظلّ عدم التوافق حول الولاية التعليمية، لأنّ بعض الرجال يستخدمون الولاية التعليمية على الأبناء للضغط على الطليقة، خاصة إذا كانت هناك خلافات حول الحق في رؤية وزيارة الأبناء.

وتقول شيماء فؤاد، سيدة ثلاثينية، تعيش في حيّ عين شمس في شمال شرق القاهرة ولديها ثلاثة أطفال، لـ”العرب”، إنها لم تكن تتخيّل أن قرار انفصالها عن زوجها سيحمل لها مصاعب كبيرة في ما يخص تعليم الأبناء، وربما يؤدي لضياع سنوات دراسية من أعمارهم.

فشلت شيماء في نقل أبنائها إلى مدرسة قريبة من محلّ سكن أسرتها، وتسعى إلى إنهاء إجراءات الطلاق عبر محكمة الأسرة، لكن إدارة المدرسة اشترطت وجود الأب للموافقة على قبول أبنائها.

في المقابل، وفرت الولاية التعليمية للأب الحق في نقل الأبناء من مدرسة إلى أخرى، واختيار مستوى التعليم، وربما تضييع سنوات دراسية من عمر الأبناء نتيجة المشاكل الزوجية والأسرية التي يقف وراءها التعنّت والمكايدة بين الزوجين.

وتظهر مشكلة النزاع حول الولاية التعليمية في الأسر التي يلتحق أبناؤها بالمدارس الخاصة والدولية المنتشرة في مصر، وبعد انفصال الزوجين يسعى الأب إلى استخدام حق اختيار مستوى التعليم، وفي كثير من الأحيان ترفض بعض المدارس قبول أبناء المطلقات، نظرا إلى النزاع الذي يتجدّد سنويا في المجتمع المصري حول حق الولاية التعليمية.

وحسب إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (حكومي) هناك ارتفاع في معدلات الطلاق في مصر، ويقدّر عدد المطلقات بحوالي 6 ملايين مطلقة، الأمر الذي دفع بعض الجهات النسوية للمطالبة بتغيير نظام الرؤية والحضانة لتخفيف الاحتقان بين المطلقين، وضمان حياة مستقرّة للأبناء بعيدا عن الخلافات والتجاذبات بين الطرفين.

وتؤكد ماجدة يونس، ربّة بيت وتعيش في مدينة 6 أكتوبر في جنوب غرب القاهرة، وأم لأربعة أطفال، أنها تسعي إلى الحصول على الطلاق منذ عامين عن طريق المحكمة نتيجة خلافات كثيرة مع زوجها، وخوفا على مستقبل الأبناء اضطرت لدفع كافة نفقات العام الدراسي الجديد.

وتوضح في حديث لـ”العرب”، أنها رفعت دعوى قضائية أمام المحاكم لإلزام الزوج بتحمّل نفقات المدارس عن العام الماضي، لكنّها لم تحصل على الحكم المنتظر، لأن العلاقة الزوجية مازالت قائمة ولم يحدث طلاق، والزوج يصرّ على رفض تحمّل نفقات تعليم أبنائه. وطالبت يونس بأن تكون الولاية التعليمية للحاضن الذي يعيش معه الطفل، لأن الأب قد يكون مقرّ سكناه في منطقة بعيدة عن سكن الأبناء، وتمكين الأم من اختيار المدرسة ومستوى التعليم الذي يحقق مصلحة الطفل.

مكايدة بالولاية التعليمية

خبراء: الأم أولى بحق الولاية التعليمية على أبنائها طالما أسندت إليها الحضانة
خبراء: الأم أولى بحق الولاية التعليمية على أبنائها طالما أسندت إليها الحضانة

دفعت حلقات الصراع بين المنفصلين بعض الرجال لمحاولة مكايدة المرأة بحق الولاية التعليمية، ردّا على التعنّت من جانب المرأة المطلقة في تنفيذ الرؤية لصالح الأب.

ويجد الكثير من الرجال المنفصلين عن زوجاتهم صعوبة في رؤية الأبناء، والتي غالبا ما تكون لمدة ساعة كل أسبوع في أحد الأماكن العامة، ما يؤثر على نفسية الطفل وزيادة تشتّته الأسري، ويتسبّب له في مشكلات نفسية وسلوكية وتواصلية، بما يعقّد علاقاته الاجتماعية مع تقدّمه في السن.

من جانبه يصرّح فؤاد سالم، مهندس ويعيش في حي الهرم، لـ”العرب”، إنه اتفق مع زوجته على الانفصال دون الدخول في إجراءات قضائية، وتم الاتفاق على كافة الأمور المادية ونفقات المدارس، لكن حرمانه من رؤية الأبناء بعد الطلاق دفعه إلى استخدام حق الولاية التعليمية.

ويرى سالم أنه من الأفضل أن تكون الولاية التعليمية للأم بصفتها حاضن الطفل في الغالب، كما أن الأب ينشغل، في كثير من الأحيان، عن متابعة الأمور التعليمية للأبناء، لكن بعض الآباء المطلقين يربطون ذلك بإجبار الأمهات على تمكين الآباء من رؤية أبنائهم وقتما يشاؤون.

وأوصت هيئة كبار العلماء بالأزهر في القاهرة عند إبداء رأيها في تعديلات مشروع قانون الأحوال الشخصية في أبريل الماضي، بضرورة تغيير نظام الرؤية إلى استضافة، لأن ذلك يعفي الطفل من الآثار السلبية التي تحدث نتيجة الخلاف على الرؤية، وتخفيف الاحتقان بين المطلقين وبين الأسر في ظل تنامي ظاهرة الطلاق. وأشار محمد حافظ، محامي متخصص في قضايا الأسرة، لـ”العرب”، إلى أن الخلاف بين المنفصلين يستغرق فترة طويلة في المحاكم، وتنعكس طول مدة التقاضي سلبا على تعليم الأبناء، مؤكدا أنه ينصح الطرفين بالاتفاق حول الولاية التعليمية كي ينتهي التقاضي، بدلا من ضياع سنوات دراسية من عمر الأبناء.

ولفت إلى أن الكثير من المنفصلين يستمعون إلى نصائح المحامين بشأن الاتفاق على الولاية التعليمية، وعدم اللجوء إلى المحاكم طوال فترة التقاضي، وهناك من يصرّون على التقاضي وتكون النتيجة طبعا ضياع سنوات دراسية من عمر الأبناء نتيجة العناد بين الأزواج.

التوافق ضروري

طالب نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع جامعة الأزهر، بضرورة أن يكون هناك توافق بين المنفصلين على اختيار مستوى التعليم، ومن دون مكايدة، ويجب على المنفصلين ترك خلافاتهم ومشاحناتهم جانبا حين يتعلق الأمر بمسيرة الطفل الدراسية، مؤكدا أن هذا الاتفاق يعدّ ضروريا لما له من تأثيرات قاتمة على الجميع.

وشدّد المختص في علم الاجتماع في تصريح لـ”العرب” على أهمية تجنيب الأبناء مشاكل الطلاق، فيمكن أن تصبح الولاية التعليمية نقطة الالتقاء الوحيدة بين المطلقين لتحقيق مصلحة الأبناء، والمساهمة في توفير أجواء مناسبة تخفّف عليهم الضغوط النفسية وتدعمهم وتشجعهم على التعلم والنجاح.

وبجانب انعكاسات انفصال الوالدين على الأبناء وتأثيراته السلبية على جميع مناحي حياتهم، وخاصة من الناحية الاجتماعية والتواصلية في ما يهم الاندماج وقبول الآخرين لهم وقدراتهم على التفاعل وعلى التواصل كأشخاص أسوياء فإن هذا التفكك الأسري، يضاف إليه عدم الاستقرار بعد انفصال الوالدين في السكن والتعلم، يجعل أبناء المطلقين مهدّدين في مستقبلهم، وبالتالي يصبحون فئة اجتماعية مضطربة وهشّة لأن الأميّة والانحراف يتربصان بهم.

أبناء المطلقين ضحايا التشريعات والمجتمع
أبناء المطلقين ضحايا التشريعات والمجتمع

 

20