أبناء ثقافة العزلة

الاثنين 2015/03/02

يوم كنت صغيرا توهمت أن لا أحد غير العرب يكتب الشعر، ولد الشعر في رحم اللغة العربية واكتسبت تلك اللغة منه لمعانها. في المقابل صدمني الزمن حين اكتشفت أن ما من لغة في العالم، إلاّ وعرفت الشعر في كل لحظة من لحظات عبورها الفاتن بالحياة.

ولأن الشعر نادرا ما يُكتب، فإن الأمم التي لم تعرف التدوين كانت قد عرفت الشعر، وتلته وغنته ورقصت بتأثير منه، وأضاءت به عتمة لغاتها. في مراحل متقدمة من حياتي صرت مقتنعا بالشائعة التي تقول أن الرسم الحديث في العراق، متفوق على الرسم في البلدان العربية الأخرى.

كذبة أخرى انطلت عليّ زمنا قصيرا، غير أن اطلاعي المبكر على أحوال الرسم في مختلف أنحاء العالم العربي، أكد لي أن هناك رسامين عربا يبزون العراقيين، من جهة انهماكهم في فهم أصول الحداثة الفنية والارتقاء بها، من خلال تقديم تجارب شخصية تخلص إلى نزعتها المتمردة.

مثلما كان هناك شعر عالمي في مواجهة الشعر العربي، كان هناك أيضا رسم عربي في مواجهة الرسم العراقي. وكما أرى فإن العرب، في جزء عظيم منهم ما زالوا يعيشون عالما افتراضيا، تكثر فيه شائعات التفوق الأدبي والفني، من غير أن تجد لها سندا في أرض الواقع.

لا بدّ أن أكون مباشرا لأقول أننا نقف اليوم أدبيا وفنيا في آخر السلم، حتى الشعر ديواننا فقد بات ما ننتجه منه شاحبا، مدجنا، محاكيا ومريضا. أما في الرسم، فقد تقدمت علينا دول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، حين دخل فنانوها إلى معاجم الفن العالمية، بعد أن أصبحوا جزءا من دورة الفن في العالم.

ومع ذلك فإن هناك من شعراء العرب من لا يزال يقيم على الريح، قلقا كما لو أنه متنبي عصره، أما الرسامون العرب، فإن جلهم قد اكتفى بخرافة تفوقه، من غير أن يتعب نفسه في الاطلاع على ما ينجزه رسامو عصره من رسوم مبهرة. نحن أبناء عزلة، نحمل ثقافتها معنا أينما مضينا.


كاتب من العراق

16