أبناء على دروب الرحيل وأمهات في حضرة الغياب

الجمعة 2014/03/21
الرابط الروحي بين الأم وطفلها لا يضاهيه شيء في الوجود

الرابط الروحي بين الأم وطفلها، لا يضاهيه شيء في الوجود، فهو يبدأ منذ لحظة الولادة، لحظة واحدة مضيئة من عمر الزمن؛ لتبدأ قصة الحب بين الأم وولدها من النظرة الأولى.

هذا الحب المنزه عن الشبهات، لا يعترف بحدود ولا يتعكز على أسمال الكلام، فلغة الحوار بين الطرفين مقطوعة عند مدخل باب النطق وموصولة بنياط القلب، هو ببساطة سر الوجود وأكسير الحياة.

خلال الأسابيع الماضية، تداولت المواقع الاجتماعية على الإنترنت شريط فيديو شاهده الملايين من البشر حول العالم؛ كان لطفل حديث الولادة أبى أن يفارق دفء والدته التي أهدته الحياة، بعد دقائق من تعوده على الاحساس بوجودها، حيث وضعته الممرضة لصق وجه أمه كإجراء روتيني يتبع عادة عملية الولادة. الطفل الذي كان يصرخ ويحاول التشبث بملامح أمه، كان يكرر محاولاته المستميتة في مقابل محاولات الممرضة التي أرادت إبعاده للحظات.

فالحياة، حتى في دقائقها الأولى، كانت تعني له وجه أمه وهو لا يريد أن يسمح للغياب بإبعاده عنها. وفي صورة متناقضة تماما، نجح مصور فرنسي قبل أعوام في القبض على لحظة نادرة خلدتها عدسته لطفل في النيجر، كان يشد جسد أمه التي فارقت الحياة لتوها. هذا الطفل البريء لم يكن يعي معنى الموت فخُيّل إليه بأن أمه كانت نائمة، فأبت نفسه الرقيقة إلا أن تترك جسدا طالما احتضنه ليحتضن العراء. وكانت محاولة يائسة من طفل أعزل، ترك وحيدا في حضرة الغياب!

وفي حضرة هذا الغياب، سقطت أقنعة كثيرة وأوقعت شعراء في المحظور؛ فكانت أزمنتهم رقاص ساعة مختل بين عودة وغياب، حنين وعتاب، فلم يتسن لهم وهم في محنة الغربة سوى التعمد بحبر الكلمات.


بدر شاكر السياب


كانت الأم في حياة الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب، المحطة الأولى والمهمة التي وقف في حضرتها طويلا متأملا حزينا وناقما على حياة حرمته من عطفها وهو ما زال طفلا صغيرا؛ حيث توفيت أثناء المخاض لتترك أبناءها الثلاثة يواجهون برد الحياة من دون حضن دافئ، وفيهم بدر الذي بقي زمنا طويلا يتساءل عن أمه التي غابت فجأة، فيأتيه الجواب: ستعود بعد حين. هذه الأسئلة المعلّقة ظهرت في أبيات شعر شجية، خطتها أنامل الشاعر الذي فقد حضن أمه ووطنه، فغادر الدفء حياته مبكرا.

والسياب لم ينس أمه، حتى بعد أن أبعدته الغربة ولازمه المرض في آخر حياته. فبدت صورة غياب الأم جلية في العديد من أبيات شعره، فهو لم يتحرر من مرارة الغياب أبدا، فيعبّر عن مرارته في صورة قاتمة مؤثرة، حضرت في جزء من قصيدة (الباب تقرعه الرياح) :

“أماه.. ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار، لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار.. كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون.. من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار، كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون، يتراكضون على الطريق ويفزعون فيرجعون.. ويسائلون الليل عنك وهم لعودك في انتظار، الباب تقرعه الرياح لعل روحاُ منك زار..

هذا الغريب هو ابنك السهران يحرقه الحنين.. أماه ليتك ترجعين”


جبران خليل جبران


أما صاحب “الأرواح المتمردة”، جبران خليل جبران؛ الفيلسوف والكاتب والرسام اللبناني الراحل، فقد أهدته الأقدار سنوات طويلة من التخبط في منافي الغربة، حيث فرت أسرته الصغيرة بعد أن حاصرها الجوع والخوف من لبنان وهو في سن مبكرة إلى حيث كان ينتظرهم المجهول في الغربة.

وفي جميع مراحل حياته القصيرة.. سنوات الهجرة من الوطن ومراحل العودة إليه، كانت والدته دائما إلى جانبه تدفعه إلى أمام في محاولات مستميتة منها لتعبيد طريق نجاحه بدموعها؛ فكانت تعمل بجد لتحصيل لقمة العيش. وعندما ظهرت لديه بوادر النبوغ الأدبي، غمرته بعطفها وتشجيعها، حيث كانت تستمتع بالإصغاء إليه وهو يقرأ لها ما يكتب.

هذه المرة، تشارك جبران وأمه ظلال الغياب والغربة، لكنها غادرته عند منتصف الطريق وحيدا، فبحث عنها في كتبه ولوحاته من دون أن يجدها. رصّ جبران مشاعره الفياضة تجاه والدته في أحد فصول روايته العذبة “الأجنحة المتكسرة”، فكان يقول:


“إن أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة (الأم) وأجمل مناداة هي: يا أمي. كلمة صغيرةٌ كبيرة مملوءة بالأمل والحبّ والانعطاف وكل ما في القلب البشري من الرِّقَّة والحلاوة والعذوبة. الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن، والرَّجاء في اليأس، والقوة في الضعف، هي ينبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران، فالذي يفقد أمه يفقد صدرا يسند إليه رأسه ويدا تباركه وعينا تحرسه”.



محمود درويش


قطع الشاعر الفلسطيني محمود درويش شوطا كبيرا من سنوات غربته وهو يطارد نجوم طفولته، التي فقدت بريقها واتجاهها وأوغلت في البعد عن الأمكنة التي تشابكت في زوايا ذاكرته، منذ أن غادر وجه أمه. الغربة التي غلفت روحه ورسمت بنياط قلبه حواجز زمنية بلا نهاية، كانت أقرب إلى ماض “كان ينقصه حاضر”.

لكنه ماض، يشتد فيه الحنين دوما إلى وجه أحبه وألفه وترك بصمة من خياله في حدقته المسافرة.

وحين كان يفيق في منتصف الطريق ينتفض على قيود سجنه ويعلن:

“ليس هذا طريقي إلى أرض حريتي.. وأنا، لن أكون مرتين وقد حل أمس محل غدي”.

هكذا كان الشاعر الثائر يسير في دروب الغربة بحاضر لا يشبه ماضيه، فصار وجه أمه، الذي تركه خارج أسوار سجنه وغربته عرضة لخطوط الزمن والاشتياق والانتظار.

وحين تخيل شكل طريق العودة، خرجت أشعاره على شكل اعتذار، لصاحبة الوجه الذي غيبه الحنين.

كانت رسائل درويش إلى أمه من وراء القضبان مشروطة بعودة مؤجلة.. ومغمسة بعتاب وأمل:

“ضعيني، إذا ما رجعت، وقودا بتنور نارك.. وحبل غسيل على سطح داركِ، لأني فقدت الوقوف، بدون صلاة نهاركِ..

هرمت، فردِي نجوم الطفولة، حتى أشارك.. صغار العصافير، درب الرجوع ..

لعش انتظاركِ”.

21