أبناؤنا مختلفون جدا عنا

لا يجب أن نأمل أن ننجح في مهماتنا التربوية ونحن نعتمد أساليب والدينا في تربيتنا.
الأربعاء 2018/07/25
اختلاف وجهات النظر

لقاء الأصدقاء بعد سنوات من الغياب وبعد أن تزوج كل منهم وكون أسرته، يكشف لهم الكثير من الأشياء، فالمدة الزمنية الطويلة التي ابتعدوا فيها عن بعضهم تجعل مواضيع أحاديثهم تختلف عن الحوارات القديمة، ومثلما تغيرت اهتماماتهم تغيرت شخصياتهم ومواقفهم أيضا.

تتحول المواضيع من الشخصية والذاتية الصرفة إلى مواضيع شخصية لكنها أسرية أكثر منها ذاتية. وعندما يكون هؤلاء حديثي العهد بالأبوة أو الأمومة فإن كل واحد منهم يحاول التعرف على تجربة الآخر والاستفادة منها ليس من قبيل الانتهازية بل من قبيل الاستعانة بتجربة مغايرة.

في تونس مثلا تجد المرأة في بداية الزواج المعونة والنصح والاهتمام ويسهل عليها الحصول على المعلومة عندما تكون حاملا، لكن هذه الإحاطة تنقص مع الوقت خصوصا بعد الإنجاب فلا تجد الكثير من المعلومات والإرشادات التي تساعدها في مهمتها التربوية كأم. تتعقد المهمة وتزداد صعوبة ليس فقط على الأم بل على الأب أيضا بتقدم الأبناء في العمر وبلوغهم سن المراهقة، السن التي تراها غالبية الأمهات مثل البعبع المرعب.

التقيت بصديق بعد مدة طويلة تجاذبنا أطراف الحديث حول الكثير من المواضيع ولم نطل كثيرا في الحوار عن العموميات وعن وضع البلاد بقدر ما سأل كل منا الآخر عن دوره الجديد في الأسرة كشخص مسؤول عن أبناء وبيت وعن تربيتهم وذلك في علاقة بوضع البلاد الاجتماعي الراهن والظواهر التي اكتسحت الشباب والمراهقين، وتبادلنا الآراء والمواقف حول سبل الوقاية قبل العلاج، أي كيف ينوي كل منا تربية وحماية أبنائه وهو يعيش حالة من عدم الرضا عن الوضع التربوي والأخلاقي في المجتمع التونسي.

استفدت من اللقاء لكون صديقي يكبرني سنا وأبنائه أكبر سنا من أولادي، وبالتالي لديه خبرة وتجربة تفوق تجربتي كشخص مسؤول عن تربية الصغار. الفائدة حصلت بفكرتين قالهما بتلقائيته وصدقه: الأولى أنه علينا أن نؤمن بأن غالبية ما تربينا عليه لم يعد صالحا لهذا الزمان لأن الأساليب التربوية تتغير بمفعول الزمن وما يحمله من تطور.

كما أن الأجيال الناشئة مختلفة عن سابقاتها وهذا طبيعي، لكن في حال أخذنا الأمر ببساطة وقناعة؛ أي أنه لا يجب أن نأمل أن ننجح في مهماتنا التربوية ونحن نعتمد أساليب والدينا في تربيتنا، هذا الجيل منفتح كثيرا مقارنة بنا وهو أيضا يتمتع بنوع جديد من الذكاء.

والثانية أنه عندما تتحدث عن برامجك بالنسبة لأبنائك وعن أفكارك وتوجهاتك التربوية وتجد من يشاركك نفس المقترحات ونفس النوايا وتجد أن المبررات والحجج التي اعتمدتموها تكاد تكون تقريبا نفسها تشعر بأنك في الطريق الصواب وتطمئن لخياراتك في ما يتعلق بأبنائك وأنك لست الوالد الوحيد الذي فكر في نفس الحلول لإبعاد وحماية أبنائك من الآفات الاجتماعية التي باتت خطرا محدقا بهم من كل النواحي وفي كل الأماكن. فكرت كما فكر هو وكثيرون غيرنا ممن يتقاسمون معنا نفس هواجس حماية أبنائهم في أنه من الأفضل أن يمضي الأطفال المراحل الأولى من أعمارهم في مدينة كبرى كالعاصمة لأنه تتمركز فيها جل الأندية والأنشطة الترفيهية والفنية والرياضية، حيث يمكن للأبوين صقل مواهب أبنائهما وتطويرها في إطار مؤسساتي.

أما عندما يتقدم الابن في العمر ويقترب من سن المراهقة يبدو لبعض الآباء من جيلنا أن الأفضل بالنسبة للتربية ولحماية الأطفال من زحمة المدن الكبرى وضغطها العصبي ومن استشراء كل الظواهر السلبية فيها مثل التدخين والمخدرات ومن كثرة أصحاب السوء من المنحرفين فيها، أن يتم إخراجهم منها والانتقال إلى العيش في مدن أصغر أو مناطق ريفية وقروية توفر الحد الأدنى من الطمأنينة، إذ تكون فيها كثافة سكانية أقل ويكون الناس فيها يعرفون بعضهم البعض ويكون الابن مراقبا من الجميع وليس فقط من والديه، فهو قبل أن يقدم على أي تصرف سيء أو منحرف أو خطير سوف يخاف أن يراه شخص يعرفه ويعرف عائلته، وسوف لن يجد في أغلب الأحيان الفضاءات والأماكن التي تساعده في الاختباء والإقدام على تصرفات مسيئة دون أن يتفطن إليه أحد.

صديقي قال يجب أن ندرك نحن الآباء ونيأس من أن يكون أولادنا مثلنا وألا نطمح لأن يكونوا مثلما نريد نحن، وأقنعني بأنه إذا اعتمد كل واحد منا الآباء والأمهات على هذه الفكرة كمبدأ في تربية أبنائه فإنه سوف يوفر على نفسه الكثير من الجهد ومن الوقت وسوف يسهل على نفسه مهمته التربوية، فكلنا يجب أن نسلم بأن أبناءنا شخصيات أخرى وأنهم منذ البدء مختلفون عنا، هم أكثر منا انفتاحا بفعل التقنيات الحديثة، وهم أكثر منا ذكاء وفطنة وكذلك أكثر منا ثقة بأنفسهم واعتدادا بها.

21