أبواب القاهرة شاهدة على حوادث الانتصار والانكسار

الثلاثاء 2015/04/21
باب الفتوح، من أجمل أبواب قاهرة المعز، لكنه يحتاج للصيانة

طوال ما يقرب من ألف عام بقيت أبواب القاهرة التي بناها القائد الفاطمي، جوهر الصقلي، شاهدة على مراحل العنفوان والانكسار المصري، غير أنّ العشوائية والفوضى أخذت سكنتا على مقربة من هذه الأبواب أو ما تبقى منها، ممّا يجعلها وفق خبراء الآثار مهدّدة بالاندثار، بعدما تحوّلت إلى منصّات للباعة المتجوّلين..

قالت ريم ياسين، الباحثة المتخصّصة في الآثار الإسلامية والقبطية، في حديثها لـ”العرب”، إن لأبواب القاهرة قيمة تاريخية كبرى، فقد كانت تحمي عاصمة الخلافة الفاطمية وما بعدها، لكنها تعاني الآن قدرا من الإهمال، ويستند أصحاب الحرف ببضاعتهم إلى بعض جدرانها، دون اكتراث بأهميتها التاريخية، وخلال السنوات الأخيرة تضرّرت أبواب القاهرة كثيرا إلى درجة يمكن أن تهدّد بزوالها، ما لم تسارع الجهات المعنية بإنقاذها.

واستغربت ياسين، وهي أيضا مدرّسة مساعدة بكلية الآثار بجامعة قناة السويس، تجاهل المسؤولين النداءات المتتالية من الباحثين المهتمين بالآثار الإسلامية لترميم تلك الأبواب والاهتمام بها والتنسيق مع مسؤولي أحياء منطقة مصر القديمة، للتعامل مع الباعة المتجوّلين المحيطين بها بهدف وضع حدّ لتخريب تاريخ لا يقدّر بثمن.

يذكر أنّ القائد جوهر الصقلي قرّر فور دخول الفاطميين مصر (عام 969 للميلاد الموافق 355 للهجرة) تأمين عاصمة الدولة الفاطمية فأحاطها بسور ضخم مزوّد بثمانية أبواب، هي باب زويلة وباب الفرج في الجنوب، وباب الفتوح وباب النصر من الشمال، وباب القراطين والبرقية في الشرق وباب سعادة والقنطرة في الغرب.

وعلى مدى التاريخ اللاحق، تفشّت الفوضى في المكان، فلم يبق من هذه الأبواب سوى ثلاثة فقط، هي باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة، والتي أعيد بناؤها بأمر من الأمير بدر الجمالي في الفترة من 480 إلى 485 هجري، وقام ببنائها ثلاثة أخوة وفدوا إلى مصر من مدينة «أزاسا» بأرمينيا، وتولّى كــل واحد منــهم بناء باب من الأبواب الثــلاثة.

الأساطير جعلت باب زويلة ملجأ لأحلام الباحثات عن الزواج والإنجاب

ويعد باب زويلة أشهر هذه الأبواب، حيث جرى ذكره في التاريخ بأنه الباب الذي شنق عليه طومان باي آخر سلاطين المماليك، بعد أن هزم في موقعة الريدانية عام 1517 للميلاد، حيث أمر السلطان العثماني سليم الأول بشنقه على باب زويلة، وتركت جثته معلقة لمدة ثلاثة أيام، قبل أن يتمّ دفنها في قبة الغوري، ليتمّ بذلك الإعلان عن دخول البلاد للحقبة العثمانية.

إعدام الانكسار هذا سبقه بسنوات طويلة إعدام آخر لا يزال يعتبر رمزا مهما للانتصار، حيث شهد حادثة إعطاء السلطان المملوكي سيف الدين قطز أوامره بقطع رؤوس رسل التتار الذين بعث بهم قائدهم هولاكو تهديدا ومطالبة بالاستسلام، وذلك بعد ما لمسه من عجرفة وتهديد في تعاملهم، فما كان منه إلا أن أمر بقطع رؤوسهم وتعليقها على باب زويلة، قبل أن يقضي على أسطورتهم في موقعة عين جالوت. وبذلك سطّر واحدا من أهم انتصارات مصر خلال تلك العهود.

وسمي باب زويلة بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة زويلة، إحدى قبائل المغرب العربي، التي حضرت مع القائد جوهر الصقلي، وساهمت في بناء السور، ويعتبر من أجمل أبواب القاهرة، حيث يشغل مساحة مربعة يبلغ طول كل ضلع فيها 25 مترا، وله برجان مقوّسان عند القاعدة تغلب عليهما الاستدارة وممرّ مسقوف بقبة، لكن مع مرور الزمن اختفت معظم زخارفها.

كما يطلق على باب زويلة اسم “بوابة المتولّي”، فقد ذكرت بعض الروايات التاريخية أن والي مصر كان يجلس على الباب في وقت محدّد للتعرّف على أحوال رعيته وينصت لشكاواهم، في حين تذكر أخرى أنّ الاسم يعود إلى مسؤول يدعى “متولي الحسبة” كان يجلس بجوار الباب أيضا لتحصيل رسوم الدخول إلى القاهرة، ونسب القاهريون إليه كرامات عدة منها أنه يسافر للصلاة في الحرم المكي ثم يعود إلى القاهرة في اليوم نفسه.

وتقول الحكايات الشعبية أنه نظرا لأن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي كان يستخدم باب زويلة ويهمل باب الفرج المجاور له، فقد انتشرت بين العامّة أساطير عن قدرات باب زويلة الخارقة، منها أن من يدخل من الباب الأول يكون مباركا، حتى أنّ العاقر لو مرّت منه تنجب، والعانس تتزوج، وكانت النساء تربطن خيوطا في مسامير الباب أملا في الإنجاب، أما الباب الثاني فإنّ من يدخله لا يفلح بل ينشغل في المجون والعبث..

وبني باب الفتوح عام 1087 للميلاد، وكان موقعه عندما أنشأه جوهر الصقلي قريبا من رأس حارة (بين السيارج)، وعندما جدد بدر الجمال سور القاهرة أنشأ باب النصر والفتوح في موضعهما الحالي وربطهما بسور يوصل بينهما بإحكام عبر طرق وسراديب بظهر السور وفي جوفه.

ويتكوّن هذا الباب من برجين مستديرين يتوسطهما المدخل، وفي فتحتيهما حلية مكوّنة من أسطوانات صغيرة، وهي نوع من الزخارف راج خلال الفترة اللاحقة في تحلية دوائر العقود، وفي أعلى المدخل تماثيل على هيئة كبش بقرنين.

ويتصل باب النصر بباب الفتوح بطريقتين: إحداهما من فوق السور، والأخرى من تحته، وهو ممرّ معقود بإتقان، على جانبيه حجرات بما يعطي فكرة واضحة عن نظام الحصون المصرية في ذلك الوقت.

أمّا باب النصر فيتكوّن من برجين مربعين نقشت عليهما في الحجر أشكال تمثل بعض وسائل الحرب من سيوف وتروس، ويتوسط البرجين باب شاهق به فتحة في أعلاه، كان الجنود يستخدمونها في صب المواد الكاوية فوق رؤوس الغزاة وكلّ من يحاول اقتحام الباب عنوة.

20