أبواب الكتابة

السبت 2014/07/19

يحضر سؤال الكتابة عادة في مختلف الأزمنة والأمكنة، وهو سؤال لا يخلو من سهام مطلقة في أكثر من اتّجاه، وذلك حسب السائل ومنطلقه ومراده من التعرّف إلى الإجابة. فقد يكون الأمر من باب الفضول، أو من باب اكتشاف الأسرار، أو من باب الرغبة في المحاكاة، أو التنقيب عن أسباب النجاح، أو الفشل. تتعدّد الأبواب المقاربة للكتابة، وتتجدّد الأسئلة الدائرة في فلكها، وتختلف الإجابات.

يعتقد جورج أورويل في مقالته «لماذا أكتب» أنّ هناك أربعة دوافع للكتابة -على الأقلّ لكتابة النثر- توجد بدرجات مختلفة لدى كلّ كاتب، حسب الجوّ العامّ الذي يعيش فيه. والدوافع هي: حبّ الذات الصرف المتمثّل في رغبة المرء أن يكون ذكيّا، أن يتمّ الحديث عنه، أن يذكر بعد الموت، أن ينتقم من الكبار الذين وبّخوه في طفولته، وغير ذلك من المرامي التي يعثر عليها لدى كلّ النخب الإنسانيّة. الدافع الثاني هو الحماس الجماليّ الكامن في إدراك الجمال بالعالم الخارجيّ أو من ناحية أخرى في الكلمات وترتيبها الصحيح. ثمّ يذكر الدافع الثالث الذي يسمّيه بالحافز التاريخيّ وهو يتمثّل لديه بالرغبة في رؤية الأشياء كما هي لاكتشاف حقائق صحيحة، وحفظها من أجل استخدام الأجيال القادمة. ويخصّ الدافع الرابع الهدف السياسيّ، وهو يتجسّد بالرغبة في دفع العالم نحو اتّجاه معيّن؛ لتغيير أفكار الآخرين حول نوع المجتمع الذي ينبغي عليهم السعي نحوه.

يشير إلى إمكانيّة رؤية كيف أنّ هذه الدوافع المختلفة عليها محاربة أحدها الآخر، وكيف يتوجّب عليها التأرجح من شخص إلى آخر. يذكر أحداثاً تاريخيّة هامّة ساهمت في توجيه كتابته ودوافعه، وبخاصّة الحرب الإسبانية وأحداث أخرى بين عامي 1936 - 1937 أدارت كفّة الميزان لديه، ومنذئذٍ عرف أين يقف، كما يثبت. ويذكر أنّ كلّ سطر كتبه انصبّ في محاربته للشموليّة ومن أجل الديمقراطيّة.

يعترف أورويل أنّ أكثر ما رغب فيه طوال سنوات هو أن يجعل من الكتابة السياسيّة فنّا. ويذكر أنّ نقطة انطلاقه دوما هي وعي بالظلم. يقرّ أنّه عندما يجلس ليكتب كتابا لا يقول لنفسه إنّه سينتج عملا فنّيّا، يقول إنّه يكتبه لأنّ هناك كذبة يريد أن يفضحها، حقيقة يريد إلقاء الضوء عليها، وهمّه الأوّل هو الحصول على مستمعين، لكنّه لا يستطيع القيام بمهمّة كتابة كتاب أو حتّى مقالة طويلة لو لم تكن تجربة جماليّة.

لعلّه لا يمكن إهمال باب المال الذي يلج عبره بعضهم عالم الكتابة كمتاجرة، وهو ربّما بات يتصدّر واجهة الأبواب كلّها لدى مَن ارتضى تأجير قلمه وعرض فكره للبيع. وهنا مقتل الكتابة والفكر.


كاتب من سوريا مقيم في لندن

17