أبواب المدن القديمة علامة دالة على تطورها العمراني والثقافي والاقتصادي

قصّة الأبواب في المدن القديمة بصفة عامة هي قصّة الإنسان في علاقته بالمكان وبنفسه وبالآخر، وهي من أفضل ما يعبّر عن هندسة الوجود الاجتماعي والثقافي والحضاري العام في فترة معيّنة وفي بعض الأحيان في فترات متباعدة من تاريخ العمران الحضري حسب المصطلح الخلدوني، وهذا ما ينطبق على المدن العربية والإسلامية العتيقة.
الاثنين 2015/09/28
المدن العربية التاريخية لا تخلو من الأبواب والأسوار التي خلفتها الحضارات القديمة

لا تصلح الأبواب التي لا يمكن فصلها عن الأسوار في تاريخ كلّ مدينة للولوج فقط إلى مداخل المدن ومجاهلها وأزقّتها وإنّما للولوج كذلك إلى المتخيّل الرمزي والجماعي أي إلى الذاكرة الجماعية، ولكلّ مدينة ذاكرتها التي تنغلق وتنفتح على الذات والغير كانفتاح الأبواب وانغلاقها في جدليّة وصيرورة لم تنته إلا بانتهاء هندسة المدينة التقليدية وتعطّل الوظائف الدفاعيّة والوقائية للأبواب والأسوار التي تجاوزها الزمن بتشييد المدن الجديدة ودخول الإنسان مرحلة التكنولوجيا والصناعة الحديثة.

لقد لعبت الأبواب والأسوار الحضرية العتيقة دور الدفاع عن المدن وحمايتها من الأعداء سواء كان هؤلاء من “الداخل” أي من الملّة المعارضين للدولة القائمة أو من الخارج: الغزاة المهددين باقتحام المدينة والسيطرة عليها. وقد كانت الأبواب قديما تُغلق مساء بعد صلاة العشاء وتفتح مع صلاة الفجر والسبب في ذلك يعود إلى رغبة السلطة القائمة في تنظيم الدخول إليها والخروج منها ليس فقط من البشر الذين قد يكون منهم غرباء وجواسيس ولربّما معارضون سرّيون للسلطة أو بكلّ بساطة مجرمون ولصوص يهدّدون الأمن العام، بل كذلك مراقبة ما ينفذ إلى المدن من سلع بعضه يحجّر دخوله للمدينة وخاصة الأسلحة التي إذا ما استطاع أصحابها تسريبها داخل الأسوار ومراكمتها أمكن لهم إثارة البلبلة والفتن.

وإذا كانت أبواب كلّ مدينة قد بُنيت عادة في فترات متباعدة ومختلفة، فإنّ تزايدها في المدينة الواحدة كثيرا ما يدلّ على تطوّرها العمراني واستتباب الأمن فيها واستقرارها وازدهار صنائعها وتجارتها، في حين أنّه في فترات انعدام الأمن كثيرا ما يعمد القائمون عليها إلى غلق بعضها تفاديا لغزو خارجي قد يكون مأتاه من العمران البدوي كما في مدن المغرب الإسلامي كما ذكر ابن خلدون، عندما تصل الدولة إلى مرحلة الترف وتضعف عصبيتها وتصبح مهدّدة من عصبيّة بدويّة قويّة قادمة من خارج الأسوار تتهيّأ للانقضاض عليها والحلول مكانها.

والناظر إلى المدن العربيّة العتيقة يلاحظ أنّ الأبواب هي القاسم المشترك بينها وأنّ بعضها يتميّز بطرافة تسمياتها التي كثيرا ما تختزل كلّ تسمية منها حكاية كاملة تؤرّخ لحدث عرفته المدينة في طور من أطوارها كما يمكن أن تستمدّ تسمياتها كما هو حالها مثلا في تونس الحاضرة من أولياء صالحين مثل “باب سعدون” نسبة إلى الوليّ الصالح “أبو سعدون” أو باب سيدي عبدالسلام نسبة إلى الوليّ الصالح “سيدي عبدالسلام الأسمر” الذي يُوجد ضريحه في مدينة زليتن الليبيّة أو من بنات “باب البنات” لا نعرف عنهنّ الكثير ما عدا معلومات شحيحة تشير إلى أنّهنّ ثلاث بنات تبناهنّ أو في الحقيقة سباهنّ السلطان أبو زكرياء الحفصي الذي تربّع على سدّة الحكم في تونس بين 1223 و1249 من والدهنّ غريمه السياسي يحي بن غاربة وأسكنهنّ وربّاهنّ في قصر يقع حذو هذا الباب.

اسم الباب يمكن أن يستمد من معتقدات دينية قديمة كما هو شأن باب شرقي أو "باب الشمس" في دمشق

يمكن أن يُشتقّ اسم الباب كذلك من الاتجاه الذي يفتح عليه مثل باب البحر في تونس الحاضرة الذي يقع قبالة بحيرة تونس وهو نفس الاسم الذي أُطلق على أحد أبواب مدينة القاهرة كما يذكر القزويني (845هـ) في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار وقد بناه الحاكم بأمر اللّه وهدمه الظاهر بيبرس وكما يُطلق إلى اليوم على أحد الأبواب المعروفة في مدينة طرابلس الغرب لأنّه يقود مباشرة إلى البحر الذي تقع المدينة على شاطئه إضافة إلى أبواب أخرى عُرفت بها نذكر منها باب زناتة وسُمي كذلك لأنّ قبالته كانت تُوجد مضارب لقبيلة زناتة البربريّة الشهيرة.

ويمكن أن يستمدّ الباب اسمه من معتقدات دينيّة قديمة كما هو شأن باب شرقي أو “باب الشمس” في دمشق وهو من الأبواب السبعة الأصليّة التي بناها الرومان ونسبوها لكوكب الشمس التي يمثلها الإله الإغريقي هيلوس أو سول لدى الرومان، ويذكر ابن عساكر أنّ هؤلاء قد رسموا فوق تاج الباب نقشا نافرا في الحجر هو عبارة عن صورة لقرص الشمس تبيّن بعد ذلك أنّه رسم لهيلوس راكبا على عربة تجرّها أربعة خيول وحول رأسه هالة مستديرة تنبعث منها حزم من نور. وقد تعرّضت أبواب دمشق مثلها مثل الإنسان إلى محن كثيرة على مرّ التاريخ، فقد هدم الإغريق الأبواب التي بناها الآراميون ليبنوا على أنقاضها أبوابا أخرى وعندما هزم الرومان الإغريق ودخلوها سنة 64 ق.م قاموا بنفس الشيء، إلّا أنه مع دخول العرب والمسلمين الذين فتحوها سنة 14هـ لم تتأذّ مثلها في ذلك مثل الأسوار وبقيت على ما هي عليه.

ولم تكن المحن التي تعرّضت لها أبواب مدينة القاهرة أقلّ قسوة وما على المنشغل بأحوالها سوى تصفّح ما فصّله في شأنها القزويني منذ ستّة قرون من القول بابا بابا في كتابه المذكور أعلاه، حيث ذكر منها باب الريح وباب الذهب وباب سعادة وباب العيد وباب الديلم وباب الفتوح وباب زويلة المسمّى في عصره بباب القوس الذي صار ملجأ للمهمّشين “حتّى أنّ من مرّ به، كما يقول، لا تقضى له حاجة ففيه تُباع آلات الطرب من الطنابير والعيدان. ويُوجد فيه أهل البطالة من المغنين والمغنّيات وصار سوقا للمعازف وموضعا لجلوس أهل المعاصي” وغيرها من الأبواب التي يفتح ما ذكره القزويني في شأنها بابا للتأمّل والبحث في التراتبيّة الاجتماعيّة والإثنيّة في المدينة العربيّة العتيقة.

12