أبواب فيروز المفتوحة في الأغنية على ذكريات الحب والحرب

أبواب فيروز التي تحفر في ذاكرة الأغنية العربية طويلا هي أبواب الحرب الكارثية من زواياها الكثيرة وما تركته على المكان من آثار مدمرة على المستويات كلها.
الخميس 2019/08/29

الباب وجه البيت وعَتَبتهُ الأمامية وحارسه الشخصي الأول. وكما اختلفت ألوان الأبواب وتعددت أشكالها في الانخفاض والارتفاع والطول والعرض. وتنوعت عليها بصمات الهندسة والزخارف والكتابات، تبقى الأبواب علامات دالّة لمدلول البيت في مضمونه الاجتماعي والنفسي، وبالتالي ينفتح الباب على عدد غير قليل من المعطيات المباشرة وغير المباشرة في الاستعارات الوصفية والنصية والنفسية كونه وريث الواقع والمجاز.

الطريف أن الباب هو آخر حلقة بناء في البيت. فلا يوجد بيت بلا باب. ولا يوضع باب من دون أن يكون خلفه بيت متكامل البناء. وبالتالي فالعلاقة بينهما اجتماعية جدلية متداخلة. تخفي وراءها أسرارا كثيرة لطبيعة العلاقات الأسرية في الداخل المجهول الذي يبدأ من الباب بشكل أكيد.

النصوص السردية والشعرية قلّما انتبهت إلى الهوامش في الحياة. ومنها مكونات البيوت المتعددة التي لها واجباتها التضامنية في تكوين البيت كالستارة والقفة والسجادة والثلاجة والتلفاز والثياب المعلقة والأمشاط والصوابين والروائح ومستلزمات المطبخ وغرف النوم وما إلى ذلك ما صغُر منها وما كبُر. فكل هذه المكونات دلائل صغيرة وكبيرة؛ وإن كانت متغيرة؛ لكنها لمدلول ثابت هو البيت. فهو الوحيد الذي لا يتغير ونحتاج إلى العشرات من السنوات إلى تغييره. بمعنى أنه يبقى الأصل والعمود الفقري في العلاقة مع الحياة.

“البيت وطن” كما قالت الآلهة عشتار بوعي مبكر قبل الآلاف من السنوات؛ وبلا شك فإن الباب رمز أساسي للبيت، فهو الرابط والشريان الأول لهذا الوطن الصغير. ولنا في أفكار الفيلسوف الظاهراتي غاستون باشلار محطات لا تُحصى وهو يكتشف جماليات متعددة في المكان الواحد. على أن نعاين الباب كثقافة تعكس النوع الاجتماعي السائد وشعبيته، لهذا فالبيوت تُعرف من أبوابها كما يُقال.

تشكيليا أخذ الباب حصته بين الفنانين. والرسم وسّع من مفهوم الباب ورمزياته المختلفة. فما خلف الباب هو الغامض والمستتر. الضوء والظل والعتمة. وهو الهوية العظيمة التي تجلّت بأشكال متعددة مهما كان تقليديا وبدائيا في هيأته الخشبية القديمة. في حين استلهم الشعر فكرة الباب عند بدر شاكر السياب “البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحِ في اللَّيْلِ العَمِيقْ/ البَابُ مَا قَرَعَتْهُ كَفُّكِ”. والبحريني قاسم حداد “الباب نفسه. يطلق تلك الصيحة الصاهلة. حين وضعتُ قدمي على عتبته”. وهناك شعراء آخرون استوطنتهم ثيمة الباب ورمزيته. حتى المتصوفة أحالوا رمزية الباب إلى السماء “ففي كل باب ألف موقف” عن النفري.

وللفن الغنائي حضور متميز في “أبواب” فيروز. فهذه الأغنية الفيروزية التي ربما أعقبت الحرب الأهلية في لبنان من أكثر الأغنيات مضاء في الذاكرة وتنغيما حزينا. فيها من الرقة والعذوبة والألم ما يستوجب أن نسمعها كنص لا يصلح إلا للغناء وبحنجرة فيروز حصريا (كلمات جوزيف حرب وألحان فيلمون وهبة) لما انطوى عليه من شجن آسر وتعبير خلاق في مفهوم الباب ومتوازياته النفسية والاجتماعية. وتكاد تكون هذه الأغنية الفريدة؛ الوحيدة التي جسّدت معنى “الغياب” والهجرة والتواري والهرب فكل مفرداتها تشي بالفراق.

 يمكن إجمال “أبواب” هذه الأغنية القصيرة بمفردات صريحة عندما غنّت فيروز على أطلال البيوت والأبواب بعد الخراب الذي لحقها في الحرب الأهلية. وبالتالي فثمة أبواب غنتها بلوعة حزينة وكانت تخاطب زهرة النار المتبقية على الأبواب اللبنانية في شغف وصفي يكتنفه الحنين إلى آخر مدى من الروح، مثلما تخاطب الغياب بشجن غريب تستطلع فيه الأثر النفسي الذي تركته الأبواب بدلالاتها النفسية والروحية والاجتماعية على المكان الأليف، الذي كان يوما ما متشحا بروائح الياسمين وعطر الأحباب الذين غيبتهم الحرب.

أبواب فيروز التي تحفر في ذاكرة الأغنية العربية طويلا هي أبواب الحرب الكارثية من زواياها الكثيرة وما تركته على المكان من آثار مدمرة على المستويات كلها. فهي أبواب للبكاء والصراخ والشوق والفراق. تتضمن رمزية عالية في اقتفاء المكان والتشبث به وتوصيفه والتعجيل بحمايته حتى لو تحول إلى خرائب وأطلال، ففيه الطفولة وذكرياتها. وفيه الحكايات المتوارثة عن آباء وأجداد. وله طقوسه ومزاياه وتاريخه الشخصي. إنه الحاضنة الشعبية – الفولكلورية الأثيرة التي لا يمكن للحرب أن تمحوها.

ومع أننا نجد في هذا النص الغنائي حكايته الواحدة عن الأبواب. غير أننا نستشف عبره صورا أكثر صلة بروح المكان وجوهره، في التنويع على منعطفاته الداخلية وأروقته النفسية. بأرواح الغائبين المتروكة في زمنيته المتراكمة.

فيروز التي تماهت مع أبواب الأغنية كعتبات وطنية مقدسة، اكتشفت أن الأبواب هي أرواح قديمة لا تزال شاخصة في جمرة المكان. ومع أن زهرة النار أحرقت الحاضر آنذاك، إلا أن أبواب الياسمين تزهر وتتفتح وتشير إلى أسرار المكان وحيويته وأصالته. ومن ثم ندرك الشجن الحزين كان تنويعا على: باب الغياب. باب الحنين. باب الانتظار. باب الوداع. باب العذاب. باب الغرباء. الباب المغلق. باب التلويح. باب الحصار. باب الاشتياق. باب الياسمين. الباب الحزين. الباب المهجور. الباب المسدود. باب النسيان.

“الأرض كلها بيوت..

يا رب خلّيها مزيّنة بأبواب”

الأبواب أرواح في الأغنية الفيروزية.

14