أبواق السلطة وألاعيبها وسطوتها وغواية الفاكهة المعطوبة

الأحد 2013/09/01
البروباغاندا.. خدمة المصالح أو الإيذاء المدسوس

لعل الترجمة الأفضل لكلمة Propaganda هي 'البروباغاندا'، لا 'الدعاية'، فالكلمة لا توحي بوسائل التعريف والترويج فقط، وإنما بتوجيه ينم عن استعلاء، إشاعات تستهدف التضليل، غسل العقل وطيه. ترتبط في الأذهان بالتلاعب السلطوي بتوجهات الجماهير، التحفيز الشعبوي والتجييش اللوجستي. هل صارت الآن أحد آثار ما قبل الإمبريالية؟ ليتها. فلا تزال صيحة القرن الحادي والعشرين "أيها العُلُوج"، و"شدوا الجرذان"، "العصابات المسلحة" في العراق وليبيا وسوريا تصم الآذان. وهل للبروباغاندا غرض؟! ما من شك في ذلك، خدمة المصالح أو الإيذاء المدسوس، لمّ الشمل أو بذر الفرقة، وهل وُجدَت وزارات الإعلام والفضائيات الموجَّهة لغاية أخرى؟ إن البروباغاندا أشبه بقفص تتوارى في قاعه فاكهة معطوبة، تُظهر غير ما تبطن، يَقوم بها المدنيون مثلما يشْرف عليها العسكر. ليس من الصعب تعريفها، مع أن الأدب جسَّدها مخادعة، ماكرة، مغوية، غادرة لا تَعرف الحياد وتعادي الموضوعية، ولعل أبرز من تناول بروباغاندا الحرب في الأدب المعاصر هو البريطاني الياباني كازو إيشيجورو في روايتيه "فنان من العالَم الطليق" (1986) و"بقايا اليوم" (1989). ومن منطلق صيرورة البروباغاندا يغطي معرض "الدعاية: السلطة والإقناع" المُقام في المكتبة البريطانية بلندن من 17 مايو إلى 17 سبتمبر 2013 عدداً من تقنيات البروباغاندا كاشفاً عن نماذج تعري ألاعيب السلطة الدعائية إبان القرن العشرين والحادي والعشرين، بدءاً من طائرات عسكرية تُسقط المنشورات إلى موظف معاصر ينقر التغريدات نيابة عن ممثِّل الدولة لخدمة أهداف نرتاب دوماً في سلامتها.


النازيون والحلفاء


لم تَبرأ الدول قط في وقت الحرب من جوّ حذِر تشيع فيه وسائل البروباغاندا. بل إن بعض دول العالم الأول استغلتها في العصر الحالي لشن المعارك، وحرب العراق لا تزال حاضرة في الأذهان. قد تتسلح البروباغاندا بأبواق تصم الآذان، وقد تندس كما السم في العسل. يشاركنا المعرض ملصقات استخدم أغلبها خلال الحرب العالمية الثانية لأفلام ورسوم متحركة وبرامج إذاعية ونصوص أدبية أسقطتها قوات الحلفاء على ألمانيا النازية. كان الحلفاء قد أنتجوا مجموعة من الصور المناهضة للنازية عام 1941، تُظهر إحداها عاملاً يتحدى مديراً نازياً وآخر يهم بشق صليب معقوف – شارة الحزب الألماني والرايخ الثالث – بصرخة الحرب "يومك قادم". ومن الصين ترقص فتاة على أطراف أصابعها كراقصات البالية، تَحمل بندقية أمام طابور من الجنود في ملصق فيلم يَحمل عنوان "الفتاة ذات الشعر الأبيض" (1950) لتعلي من قيمة الحرب وتسبغ عليها رومانسية زائفة. وعلى حين نلفي بوب آرت (فناً جماهيرياً) معاصراً استخدمه المعارضون لشجب الحرب الأمريكية في فيتنام، يكشف أحد الملصقات عن قناع لهتلر تتوارى – للاستزادة من الفزع – أسفله جمجمة، أعده الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت واعتزم إلقاءه على فرنسا، ويعلن باللغة الفرنسية، "لا يُقدِّم الفاشيون أي شيء إلى الشباب… عدا الموت".

ولكن البروباغاندا لا تقتصر على وقت الحرب، وإنما تشمل عهد السلم بغرض التوجيه والتحذير من الخطر، لذا أطلق عليها البريطانيون ذات يوم "أفلاماً تعريفية للعامة". تُبرز إحدى صور المعرض غلاف أغنية "اِنْحَنِ واِخْتَبِئ" (1953) لبيرت السلحفاة الذي علَّم الشبان الأمريكيين كيفية الاستعداد لأي هجوم نووي محتمَل في الستينات بينما ابتكر البريطانيون شخصية كرتونية تدعى "بِيت، ثمرة البطاطس" أثناء الحرب العالمية الثانية لحث المواطنين على استهلاك البطاطس، ولا سيما المزروعة في حدائق البيوت. ومن بين عدة قطع فنية سوف نجد كيف أتاحت المعارض للأمم الترويج لاقتصادها وثقافتها بالإضافة إلى فعاليات عملت على ترسيخ شرعية الدول المشارِكة. يضم المعرض طوابع بريد وعملات محلية تعزز من إحساس الفرد بقوميته، وأحياناً تبث فيه التعصب، علاوة على رسوم هزلية تَحمل المواطنين على التصويت في انتخابات جنوب أفريقيا، وعدد لا نهائي من حملات الصحة والسلامة.


الديكتاتور ماو


ها هي شارة تنطبع عليها صورة الديكتاتور الصيني ماو تسي تونغ، ومع أنها صدَرت لأول مرة في ثلاثينات القرن العشرين ولعبت دوراً لا يستهان به في ترسيخ عبادة الزعيم أثناء العقد التالي، لم تصبح ظاهرة ارتداها الصينيون فخراً برئيسهم إلا إبان ثورة البروليتاريا الثقافية بعد أن وزَّعتها السلطة في أرجاء الحضر والريف. ولم يَسلم الدين هو الآخر من سهام البروباغاندا، ففي كتيب بروتستانتي شرَح اللاهوتي والمُصْلِح الألماني فيليب ميلانكتون أن صورة "البابا الحمار" التي تُصور مخلوقاً مشوه الخلقة قيل إنه وُجد ميتاً في نهر التيبر عام 1496 – حماراً بجسد امرأة وذراع كخرطوم الفيل وقَدَم بقرة وقَدَم نسر ومؤخرة على هيئة وجه رجل ملتحٍ – ترمز إلى فساد البابوية، علامة على أن الدولة الرهبانية ما هي إلا "مظهر مزيف وكاذب للحياة الإلهية المقدَّسة وتباهٍ ظاهري بها،" وقد أكد على تأويله بإضافة قلعة سانت أنجلو البابوية في خلفية الصورة.

أوراق الكوتشينة

امتد تقليد هذه الأبواق الصارخة لخدمة التعبئة بنوعيها اللوجستي والمعنوي إلى القرن الواحد والعشرين بيد أنها اكتسبت طابعاً يتوخى الحذر أو يخدم قضايا قومية مُبَطَّنة. يتيح أحد أكثر الأقسام تشويقاً للعامة ملصقات أقرب إلى البروباغاندا التقليدية، وإن كانت معاصرة، ومنها استخدام الحكومة البريطانية للمعلومات أثناء سعيها إلى حبك حجة مقْنعة لشن حرب العراق اعتماداً على ما تَكَشَّف الآن أنه بيانات استخبارية مضللة عن برنامج صدام حسين المزعوم لإنتاج أسلحة الدمار الشامل. وبينما قد يشدد البعض على أن البروباغاندا تلعب دوراً محورياً في كسب الحروب – من تعزيز معنويات العامة إلى تشجيع الجنود على التطوع بالتجنيد – استخدمتها وكالة الاستخبارات الأمريكية عام 2003 استخداماً مختلفاً تماماً، فمن بين الملصقات أوراق كوتشينة وزَّعها قادة الائتلاف إبان حرب العراق على قوات الاحتلال. تضم الأوراق، من بين صور أخرى للوزراء العراقيين، صورة لصدام حسين مُذَيَّلة باسمه بالكامل. تهدف الصور إلى مساعدة الجنود على تذكر أسماء حاشية صدام حسين ووجوههم وحفظها عن ظهر قلب - تكتيك تم استخدامه لأول مرة في الحرب الأهلية الأمريكية، والغرض دائماً واحد: القبض عليهم أحياء أو أموات. وبالإضافة إلى ما حققته أوراق اللعب من منفعة عملية، بعثت برسالة تعكس مدى قدرة استخبارات الائتلاف على تحقيق غاياتها وإصرارها على البطش بالسلطة العراقية. وفي السياق نفسه لم يَسلم صدام حسين مرة ثانية من السخرية حين أبرز المعرض أساليب محطة الإذاعة العراقية أثناء حرب الخليج الأولى بكل ما شابها من سذاجة وعدم كفاءة.

تكشف جميع المعروضات النقاب عن طرق لا حصر لها يحاول السياسيون من خلالها التأثير على العامة أو حجب الحقيقة عنهم. تتراوح الرسائل بين ما هو ضمني، وما هو فج، استعانت بها الثقافات المختلفة بهدف الهيمنة والإقناع. الحق أن البروباغاندا واحدة من المفردات المخادعة، هل الإعلانات ضارة تتعارض مع مصالح الشعوب؟ ليس بالضرورة. هل الأيديولوجيات حجر عثرة في سبيل استقلال المواطن الفكري؟ ليس بالضرورة.

ماذا عن البروباغاندا إذن؟ وهي في الواقع اسم آخر للإعلان الأيديولوجي؟ أجل، إنها حجر عثرة. إن واجب الدولة خدمة المواطن، لا قيادته كالأعمى. ولكن مَن بوسعه حقاً إدانة منشور ما أو الانحياز إليه؟ قد يجد البعض صورة للعم سام تنطبع على ملصق لتجنيد الشباب مستساغة أكثر من جوزيف ستالين حالم يطالع الشعر.

وبغض النظر عن موقفك، فإن الدول لم تستغل الإعلام الموجَّه إلا لخدمة معركة ما، عسكرية أو معنوية، أداتها الشحن العاطفي والخطاب الوطني، وهذا المعرض يسهم في وضع خريطة لهذا الشكل من أشكال التواصل السلطوي.

12