أبواق غزة

الرسومات والمنحوتات الرملية هي منذورة لبحر غزة، فهي تمائم ورسائل تكتنز اسم فلسطين، تتلاشى وتتآخى ظاهريا مع ماء البحر وتحل في ملحه وفي مده وجزره واتصاله بشطآن أخرى.
الجمعة 2018/12/21
رانا الرملاوي أرادت أن ترسل رسالة إلى العالم عبر منحوتاتها الرملية

ذكر في أحد المواقع الإلكترونية أنه منذ بضع سنوات اختبر الإسرائيليون أثناء عشرة أيام يعتبرونها مقدسة مُسماة “بأيام الروعة”، وتقع ما بين “يوم الكفارة” و”عيد الأبواق” عاصفة رملية كثيفة خنقت الجو ومنعت الرؤية وأدخلت العديد منهم إلى المستشفيات.

ومن المعروف عن أيامهم العشرة تلك أنها مخصصة للتفكر بالذات وطلب المغفرة من الخالق عن الأفعال السيئة التي أصابوا بها ذاتهم والآخرين، وقد اعتبر أحد المعلقين على التوقيت “الرباني” لتلك العاصفة الرملية أنه تذكير بالخطايا، أما “الأبواق” في يوم عيدها فقد نُفخ فيها لكي يخرج أصحابها من كبوة الرمال العاصفة المُتمثلة بالسيئات.

في مكان ما غير بعيد عن “واقعة” الرمال الثائرة توراتيا تنساب رمال شاطئ غزة غير “الشتّامة” وغير المكترثة ولا المعنية بالأبواق المذكورة آنفا، والتي يُنفخ فيها لتبديد “السيئات” والأعمال الإجرامية التي ليست هي في قراراتها إلاّ الأعمال التي صوبها الكيان والفكر الصهيوني تجاه الفلسطينيين والشعوب الأخرى العربية وغير العربية منها منذ بدايات التاريخ الإنساني.

هناك، على شاطئ مدينة غزة، يحتضن الرمل آلام وأحلام روادها الغزاويين كاحتضان الدرر الكامنة وينتشر النحت بها، أي بالرمال، وبماء البحر أكثر فأكثر يوما بعد يوم.

ويعد النحت بالرمل، ممارسة فنية انتشرت عالميا منذ عشرات السنين، لكن ما تقدمه الفنانة الفلسطينية اليافعة رانا رملاوي وقدمه الفنان الفلسطيني الشاب أسامة سبيتة على رمال شاطئ غزة لا ينتمي إلى العالم المذكور آنفا، إلّا من حيث المواد المُستخدمة، أي الرمل والماء، ويرتقي إلى مصافّ الفن الرمزي/ السحري الذي اتخذ مادة هشة ومتوفرة في غزة المحاصرة بهدف نقش أفكار ومشاهد محددة عسى أن تترسخ في ذاكرة الأجيال لا سيما العربية منها.

رانا الرملاوي تحاول تسليط الضوء على قضايا أهل غزة
رانا الرملاوي تحاول تسليط الضوء على قضايا أهل غزة

وبينما تقول رانا الرملاوي التي لم تتلق تدريبا أو دعما من أي مؤسسة أن من خلال منحوتاتها “أحاول تسليط الضوء على قضايا شعبي من حصار غزة، وإغلاق معابر، ومسيرات العودة الكبرى، وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين، وذكرى النكبة، والهجرة”، يقول أسامة سبيتة الساكن في حي الشجاعية الذي كان شاهدا على دمار كبير خلفته الحرب الإسرائيلية صيف عام 2014، “ألهمني ما حدث للتعبير من خلال رسوماتي الرملية عن قضايا وطنية، أبرزها: الأسرى الفلسطينيون، والحصار، والبطالة، والأحداث التاريخية بفلسطين”.

وتردد أسامة على البحر باستمرار كمتنفس أوصله إلى النحت على الرمال الذي أصبح مصدر رزقه، فالعديد من الناس داخل غزة وخارجها باتوا يراسلونه لتنفيذ لوحات فنية.

لا يشكل عمل رانا وأسامة ترفا أو هواية ترفيهية/ صيفية تجيء على هامش الحياة العامة الصاخبة والغاصة بالتسهيلات المعيشية والفنية ووفرة المواد والأدوات الفنية المُتعددة والمطروحة في الأسواق المجاورة، بل هو عمل لصيق بوجودهما ومثابرتهما اليومية على اجتراح الأمل.

وفي المقابل، ليست رمال شاطئ مدينة غزة الذي تشهد اللوعات تارة وتشكل المنفذ الوحيد لأهالي قطاع غزة للترويح عن النفس تارة أخرى، هي كرمال شاطئ ميامي بيتش الأميركي أو كورنوال بيتش البريطاني أو غيرهما من الشطآن المُترفة.

إنها رمال/ صفائح تذكر بجدران كهوف الإنسان الأول بما نقش عليها من صور شديدة الصلة بحياته اليومية، ولا سيما بمخاوفه وأمنياته في الانتصار بشكل سحري/ فعلي على الحيوانات الكاسرة التي تتهدد عيشه.

أما الأهم من ذلك فإن هذه الرسومات والمنحوتات الرملية هي منذورة لبحر غزة، فهي تمائم ورسائل تكتنز اسم فلسطين، تتلاشى وتتآخى ظاهريا مع ماء البحر وتحل في ملحه وفي مده وجزره واتصاله بشطآن أخرى.

وإن كان لا بد من وجود “أبواق” فهي تلك التي تحمل إلى الأفق المفتوح رسائل شبيهة برسالة أرادت رانا الرملاوي أن ترسلها إلى العالم عبر منحوتاتها الرملية، بقولها “رسالتي للعالم، أننا شعب قادر أن يوصل رسائله بأساليب فنية مختلفة ومن أبسط الأشياء، كرمال البحر”.

17