أبوالجريدة يوزع الصحف في القدس قبل القهوة الصباحية

الثلاثاء 2017/05/02
دوري في متابعة المستجدات

القدس - نصف قرن مرّ من حياة المقدسي الستيني، ماجد دعنا (أبونوح)، وهو يعمل موزّعا للصحف، كان يصر كل فجر على أن يؤمن الصحف لقرائها مع القهوة الصباحية، أدمن رائحة الحبر الذي كاد لونه يمتزج بلون أصابع يديه.

فمنذ نعومة أظافره ترك ماجد مدرسته وألعاب طفولته لينخرط مع والده في بيع الصحف، حتى باتت هذه المهنة “قدره” كما قال، بل أصبح يؤمن بأنه مهمته ضرورية تماما كما يوفر تجار آخرون الخبز والخضر واللحم.

ومع الساعة الثانية من فجر كل يوم تبدأ رحلة موزع الصحف على دراجته الهوائية الصغيرة، ليستلمها ويرتبها بحسب المناطق التي يذهب إليها، ثم ينطلق ليوزعها على الزبائن والمتاجر والمحلات والمؤسسات، ولا يشعر بالراحة إلا بعد أن يطمئن على ذلك رغم الظروف الأمنية والمناخية التي يعاني منها كل يوم وكل فصل.

وكان أبونوح يوزّع الصحف على مختلف المدن الفلسطينية قبل بناء الجدار الفاصل حول مدينة القدس، والذي بدأ بناؤه عام 2002، ثم اقتصر عمله في مدينة القدس.

يقول أبونوح “كان لي زبائن من رام الله وبيت لحم وأريحا، كانت فلسطين كتلة واحدة، لكن اليوم ما عدت قادرا على العمل هناك بسبب الحواجز الكثيرة والجدار والطرق الالتفافية التي تحتاج إلى وقت أطول من السابق”.

رحلة أبونوح المبكرة هذه قد تعرضه إلى الكثير من المخاطر، فيقتصر طريقه على الأحياء العربية فقط في المدينة خشية من استفزازات المستوطنين وتحرشاتهم التي يتعرض لها.

وتابع أبونوح “أنا رجل كبير في السن، وخروجي في ساعات متأخرة من الليل يجعلهم يتجمعون حولي ويحاولون إيذائي، فاستفزازاتهم مستمرة ودائمة، خاصة في البلدة القديمة، وكأنهم ينقضون على فريسة، لكن لا أستطيع التخلي عن عملي، ويبقى الأمان في يد الله”.

أبونوح: اليوم مجتمعنا لا يقرأ، الجميع يعتمدون على الهواتف الذكية والإنترنت، لكن على الرغم من ذلك لا يزال لدي زبائن

يقول أبونوح “منذ عمر العاشرة بدأت في هذه المهنة، ورثتها عن والدي الذي تعلمت منه الصبر على مشقتها”، حتى أيام البرد القارس، أو الحر الشديد لم تثنِ موزع الجرائد عن عمله الذي “أدمنه”، فقد كان الحاج أبونوح يوزع الجريدة حريصا على أن تصل الأخبار طازجة إلى أصحابها، تلك المهمة التي أوكلها لنفسه منذ ترك المدرسة.

ويمضي بالقول “أيام الشتاء كنت أذهب إلى أريحا لتوزيع الجرائد على السكان والمحال هناك، لم أكن أخشى المطر”.

وأردف ضاحكا “في يوم من أيام الشتاء كان المطر شديدا، ما خشيت على نفسي بقدر خوفي على الجرائد، أخفيتها تحت معطفي، وأصبت بعدها بزكام شديد”.

داخل محل متواضع في شارع صلاح الدين، في قلب مدينة القدس، يستريح أبونوح بعد عناء صباح عمل شاق، يبيع ما تبقى لديه من صحف ويطلع على ما فيها من أسرار وأخبار، ثم يعود إلى منزله ويجلس مع عائلته التي لا يراها إلا بعد الظهيرة.

ولم يكن توزيع الصحف مهنة للحاج ماجد أبونوح فحسب، فقد جادت عليه صحفه بتعلم القراءة والكتابة خلال سنوات عمله وأصبح يتابع من خلالها مجريات الأحداث في بلده وفي العالم.

وعن ذلك يقول “الحياة أكبر مدرسة، وقد تعلمت من الصحف القراءة والكتابة، فأثناء بيع الجرائد كنت أعرّج على الناس وأسألهم عن كيفية كتابة الأحرف ونطقها، وأسأل والدي وأتعلم منه، حتى أتقنت اللغة”.

ويضيف “استطعت أن أنمي قدرتي على القراءة والكتابة، بقراءة جميع الصحف والمجلات التي كنت أبيعها”.

وعن عزوف أجيال اليوم عن قراءة الصحف والمجلات وحتى الكتب، يلاحظ أبونوح الفرق الشاسع بين الماضي والحاضر، حيث قلّ عدد الزبائن الراغبين في شراء الصحف، ويضيف “ليتها تعود أيام الزمن الماضي، كان المجتمع قارئا، الجميع كانوا يشترون الجريدة ويتصفحونها يوميا”.

ويتابع “اليوم مجتمعنا لا يقرأ، الجميع يعتمدون على الهواتف الذكية والإنترنت، لكن على الرغم من ذلك لا يزال لدي زبائن إلا أن جميعهم من كبار السن”.

ومن كشكه الصغير يخبرنا أبونوح أن الحياة في نظره “لا تبدأ إلّا هنا في هذا المكان المتواضع”.

ويقول “مهنتي هي قدري الذي لا يمكن أن أتنصل منه، الناس يعرفونني أينما ذهبت، والكل يرحب بي بكل مدن فلسطين، منهم من يناديني بأبي نوح، ومن لا يعرف اسمي يلقبني ‘أبوالجريدة\'”.

20