أبوالعلا.. سلطان الكرامات في القاهرة

تزخر المجتمعات العربية بثقافة شعبية غزيرة ومتنوعة، من تراث شعبي وقيّم وأخلاق وعادات وتقاليد وأنماط سلوكية وإبداعات، ولا يختلف المجتمع المصري عن بقية المجتمعات التي تحتفل بموالد أوليائها الصالحين وتتبرك بهم.
الأربعاء 2016/02/17
الاحتفالات تغيرت والنوايا على حالها

القاهرة - في منطقة بولاق أبوالعلا الشعبية في قلب القاهرة لم يبق شيء على حاله، مثلما كان قبل نصف قرن، حتى مسجد السلطان أبوالعلا الشهير الذي حصلت منه المنطقة على نصف اسمها تغير ولم يبق من ذاكرة الأيام الخوالي سوى الهيبة التي يحتفظ بها سكان المنطقة لصاحب المسجد.

حتى الاحتفال بمولد السلطان أبوالعلا تغيرت تفاصيله عما كانت عليه في السابق، فاختفت أصوات حوافر الخيل أثناء رقصها وغابت مباريات عصا التحطيب التي تشتهر بها “الموالد الشعبية”.

“كُل باطمئنان واقرأ الفاتحة للسلطان” عبارة تجدها معلقة على جدران كل المطاعم المنتشرة في المنطقة، فالناس متفقون على احترام صاحب المكان ويقدسون مكانته الدينية كولي من أولياء الله، رغم أن كل سكان المنطقة الحاليين تقريبا لا يعرفون شيئا عنه.

حسين أبوالعلا هو الاسم الفعلي لصاحب المسجد الصغير، الكائن بجوار وزارة الخارجية المصرية مباشرة، وهو ليس سلطانا ولا ملكا، لكنه من أولياء الله الصالحين، كراماته (معجزات) جعلت محبيه يلقبونه بـ”السلطان”. رغم التغيرات في شكل وتفاصيل الاحتفال، بقيت البهجة قاسما مشتركا تعمّ المكان، سواء عند المحتفلين أو المارين، بهجة تصنعها لوحة مزخرفة بجميع الألوان، رسمتها حشود غفيرة وزينتها أضواء وأصوات متداخلة منها الأذكار والابتهالات الدينية، وخيام المتصوفين التي تنتشر في أماكن متفرقة يدعون ويتمايلون ويدورون بالتنانير الفضفاضة.

وتختلط الابتهالات بروائح البخور والورود التي علقت على قبة ضريح المسجد، ناهيك عن دموع غزيرة وأصوات مرتفعة تدعو ربها، وأطفال الطريقة الرفاعية يرفعون لافتات كتبت عليها أذكار وآيات قرآنية.

الشيخ محمود وردة من شيوخ الطرق الصوفية أوضح لـ”العرب” أنه يبحث في المولد عن “البركة”، فالمكتوب على باب المسجد ربما يفسر سر الأعداد الكبيرة المتواجدة أيام المولد، حيث نقشت عليه عبارات “قف على الباب خاشعا.. صادق الظنِّ ..فهو بابٌ مجرَّب لقضاء الحوائج”.

ويروي وردة أن خلوة السلطان اصاحب البركات كانت عبارة عن زاوية صغيرة يسكن فيها ويتردد عليها الناس، ومن بينهم الخواجة نور الدين علي (أحد التجار الميسورين)، الذي طلب منه الشيخ تجديد زاويته وتحويلها إلى مسجد للمصلين والزوار فامتثل الخواجة للأمر وهدم الزاوية وأقام مكانها مسجدا دفن فيه الشيخ حينما توفى عام 738 هـجري.

على يسار ويمين الداخل للمسجد تقع خلوتان كانتا مخصصتين لتلاميذه، وفي اليسار أيضا مقامه الذي دفن فيه، وهو مكان خلوته السلطانية التي كان يتعبد فيها، وقد ألبس الناس المقام عمامة السلطنة تمييزا له عن غيره من بقية مقامات آل البيت.

البركة في الزيارة

الشيخ محمد (أحد الأئمة المسؤولين عن المسجد) أكد لـ”العرب” أن السلطان جاء إلى مصر من مكة المكرمة، وقضى 40 عاما من سنوات عمره المئة والعشرين في خلوته بحي بولاق، الذي تحول اسمها إلى بولاق أبوالعلا بسبب كراماته.

وأوضح إمام المسجد أن “حارة باب السر” المجاورة للمسجد بها باب سري تم تخصيصه في الماضي من قبل السلطان أبوالعلا للأولياء يدخلون ويخرجون منه دون غيرهم، والمرتادون يعتقدون أن الداعي عنده يتم الاستجابة له بإذن الله.

مصطفى الحريري متصوف من “أهل الطريقة” قال لـ”العرب” إن الموالد في الغالب فرصة جيدة للمتصوفين لإحياء طقوسهم الخاصة كزفة المواكب والبيارق والأعلام وحلقات الذكر وابتهالات المنشدين.

كرامات السلطان يؤكد عليها الشيخ عبدالله أحد المشاركين في الاحتفالية موضحا أنها تظهر بين الحين والآخر، أهمها مثلما روى لـ”العرب” ما يحدث حين يحاول أحدهم سرقة صندوق النذور (التبرعات) الخاص بالمسجد، وفي كل مرة يتعرض السارق للموت تلقائيا ودون تدخل من أحد.

كرامة أخرى للسلطان يرويها الشيخ أنه بعد بناء كوبري أبوالعلا الشهير على النيل ليصل بين حي بولاق والزمالك، في القرن التاسع عشر، كان يتم فتحه يوميا عند صلاة الظهر لمرور السفن فزار السلطان في المنام أحد تلاميذه وأخبره بخطورة فتحه، ولم تهتم السلطات بالأمر حتى تم اكتشاف عيب هندسي في تصميمات الكوبري يفيد بأن تكرار فتحه وغلقه سيؤدي إلي انهياره.

علمت “العرب” أن التجار المقيمين في المنطقة هم من يتبرعون بتكاليف المولد لإقامة سرادق ضخمة وخيام للمنشدين ويوزعون الحلوى والطعام والمشروبات.

لكن علي محمد (تاجر سلفي) لم يشارك في الاحتفالية، واستنكر ممارسات بعض الطرق الصوفية في الموالد وتقديس أضرحة “أولياء الله الصالحين” مؤكدا أنها تحولت إلى خرافات وشعوذة و”بيزنس” ومظاهرها بدعة وشرك بالله.

وصرح لـ”العرب” بأن الاختلاط بين الرجال والنساء في حلقات الذكر أصبح سمة هذه الموالد، ويتهم مرتاديها بالجهل، حيث يزعمون أنها “مباركة”، ويتخذوها واسطة للتقرُّب إلى الله. على العكس منه أكد شكري محمد (موظف بدار توثيق الكتب) لـ”العرب” قناعته بأن تلك الموالد بمثابة الثروة القومية ولشدة أهميتها عكف الفنان الأسباني خافيير مينندز بونيلا على توثيقها من 2006 إلى 2010، وجاب القرى والمحافظات لرصدها فوتوغرافيا، وتوثيق فترة انعقادها.

وشدد شكري على أهمية تلك الموالد، لأنها موروث شعبي له خصوصياته وملامحه وطريقته التي يُؤدى بها، فهي بالنسبة لهم نسمة هواء باردة في حياة مليئة بالمنغصات.

ولم يختلف محمد فاروق (أستاذ الطب النفسي) في تفسيره عنه كثيرا حيث أوضح لـ”العرب” أن الاحتفال بالمولد يساعد على إزالة الكبت ويخفف من الضغط العصبي.

وأشار الطبيب النفسي إلى أن الحضرات (الجلسات) التي يقيمها مرتادو الموالد تسبب لهم إجهادا جسديا وروحيا، وفي بعض الأحيان يصابون بالإغماء وينفصلون عن الواقع، وهو ما يوحي لهم بأنهم قد حازوا على شفاعة الولي ويتحسنون صحيا.

20