أبوالوليد رجل صنعته سمعته السيئة في لواء الذئب

الأحد 2014/06/29
أبوالوليد هرب و ترك المالكي يغرق في بحر من الأوهام

الموصل - فجأة برز اسم اللواء الركن محمد خالد القرشي باعتباره منقذا، ظهر الرجل على شاشات التلفزيون منسجما مع أسطورته. كما لو أن كنيته كانت وحدها ترهب الأعداء فقد صار الإعلام الرسمي العراقي يروج لأبي الوليد، الفارس الذي سيعيد تلعفر إلى حاضنة السلطة. حتى ظن الكثير من البسطاء أن مجرد ذكر اسم ذلك القائد الهمام سيزرع الرعب في قلوب المتمردين ويدفعهم إلى الاستسلام من غير قتال. يسأله المذيع: “لماذا يخاف منك الإرهابيون؟!”، وأيضا “لماذا تخشاك داعش؟".

وتم تصوير الأمر وكأن الفرج قادم على يد أبي الوليد الذي أعلن بصفته قائد القوات المكلفة بحماية قضاء تلعفر غرب الموصل البدء بعمليات عسكرية لتطهير القضاء من عصابات داعش الإرهابية.


صناعة الأسطورة


كان رئيس الوزراء قد مهد لظهور أبي الوليد بتلك السمعة حين قال إنه بصدد تشكيل جيش من المتطوعين بديلاً عن الجيش الذي فرّ، فأرسل القرشي على رأس حملة إلى “تلعفر”، بقرار مباشر من رئيس الوزراء نوري المالكي ينص على تسليم قيادة حماية قضاء تلعفر إلى القرشي، بقوات من النخبة تكون تحت إمرته يصل عدد منتسبيها إلى 1200 جندي وقد سميت تلك القوات بـ”فوج حماية تلعفر".

بعدها واصل الإعلام تخويف الثائرين به، وعرض المقابلات التلفزيونية التي كان قائد لواء الذئب يبدو فيها مـتاكدأ من نصره الوشيك “إن قواتنا الأمنية تسيطر على مناطق جنوبي تلعفر وقتلت عددا من إرهابيي عصابات داعش وبدأنا بعمليات عسكرية لتطهير تلعفر من هؤلاء”، وأضاف “إن العملية تأتي بعد إعادة هيكلة تنظيم قوات الجيش وهي الآن مستعدة للهجوم على المواقع التي يوجد فيها الإرهابيون".

لم يكتف القرشي بذلك بل أخذ يتصل عن طريق الهاتف بالمحطات التلفزيونية مدّعياً أنه يتحدث من أرض المعركة، ليصرح بأنه في حالة صحية جيدة، مستمرا في مقاتلة عصابات داعش الإرهابية، وأنه سيتم زف بشرى القضاء على الدواعش من كامل مدينة تلعفر قريبا.

عمل القرشي لمساعدة صولاغ على التنكيل بالشعب العراقي، منفذا أجندة إيرانية واضحة تمثلت في سحق الشخصية العراقية، وكان هذا يتطلب الكثير من المسح على امتداد الخارطة، فابتكر القرشي فكرة تعذيب العراقيين بالمثاقب الكهربائية، وبدلا عن خوض المعارك واكتساب الخبرات، تحوّل القائد العسكري إلى محقق شرس وزعيم فرقة للتعذيب في السجون


صورته الأخيرة مهزوما


ولم يمر يومان إلا وفقد أي أثر لذكر أبي الوليد من الإعلام. بل أصيب الإعلام بالخرس ولم يعد هناك أي ذكر لمعركة تلعفر المنشودة. أبو الوليد من جهته اخترق ذلك الصمت بصورته الأخيرة، بعد أن فر من أرض المعركة مفضلا الذهاب إلى كردستان على العودة إلى بغداد ليلاقي سيده بالأخبار السيئة.

لقد انكسر جيشه فقرر الرجل الهرب من ساحات الوغى فانكشف زيف ادعاءات المالكي في حديثه عن بطولات جيشه الرديف.

ولكن فرار أبي الوليد لم يكن إلا الفصل الأخير في أسطورته السلبية باعتباره قائدا للواء الذئب الذي كان في السنوات التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق قد مارس شتى صنوف القهر والتعذيب والإذلال والاضطهاد في حق العراقيين.


خادم صولاغ وربيبه


كان القرشي واحدا من ضباط الجيش العراقي السابق الذين قرروا بسبب ضعف شعورهم الوطني وعدم تغلغل المبادئ في أعماقهم أن يتعاونوا مع المحتل وخدمه.

كانوا قلة، غير أن دورهم في ترهيب العراقيين الرافضين للاحتلال والتنكيل بهم كان قد أهلهم ليتبؤوا مناصب قربتهم من زعماء الميليشيات الطائفية، فكان من نصيب أبي الوليد أن يكون اليد الضاربة لبيان جبر صولاغ، أو “باقر صولاغ غلام خسروي” الإيراني الذي تولى منصب وزير الداخلية، ونسب نفسه إلى قبيلة عربية كبرى.

وظهرت وثائق كثيرة عن تورطه في تعيين الميليشيات وقادتها في وزارة الداخلية بمناصب عليا، وارتبط اسمه بأبشع أعمال القتل والتدمير التي تعرض لها “السنّة” في العراق على يد ما سُمى بفرق الموت وقوات وزارة الداخلية (المغاوير) التابعة لبيان جبر شخصيا، ومنها لواء الذئب الذي تزعمه القرشي وأدار عملياته القذرة بنفسه.


لواء الذئب


لقد احتمت الميليشيا التي كان اللواء الركن القرشي يقودها بالقوات الأميركية التي كانت تقصف وتمهد الطريق لاعتقال عشرات ومئات الآلاف من العراقيين، وكان القانون الذي فُصّل حسب المصالح الطائفية، يحمي كل سلوك يقوم به القرشي ضد العراقيين هنا أو هناك، فصدّق القرشي نفسه، وقبله فعل المالكي، حين ظنّ أن انتصاراته على المدنيين الأبرياء، هي رصيد عسكري يمكّنه من أن يبلي بلاء حسناً في أرض المعركة، وبات الإعلام الرسمي الطائفي يتعامل مع “لواء الذئب” على أنه قوة مستقلة بذاتها، وهو في حقيقته جزء من تشكيلات مغاوير الشرطة الخاصة لوزارة الداخلية، تحت قيادة القرشي الذي يخضع شكلياً للقيادة العامة لعدنان ثابت، ولكن لا شيء كان يشير إلى ارتباط لواء الذئب بالجيش العراقي كمؤسسة بل ازدادت التسريبات التي تؤكد ارتباطه بالجهات الأمنية وتورطه في قتل المدنيين في بغداد العاصمة، وكان من أشهر جرائم قائد لواء الذئب عملية خنق عشرة عمال بناء في حاوية سيارة شرطة، وقد أكّد الشخص الوحيد الناجي من المجزرة حينها مسؤولية لواء الذئب عن تلك الجريمة، مدعماً شهادته بالتوثيق العيني، ونشرت صحيفة “الاوبزرفر بيومونت” تفاصيل الجريمة، التي اقتيد فيها العمّال إلى ساحة النسور، بقيادة قائد لواء الذئب أبي الوليد ذاته، بحكم كون مكتب تحقيقاته يقع في ساحة النسور.

بعد افتضاح سيرته وجرائمه، ضغطت الولايات المتحدة على حكومة المالكي، لتجميد عمل القرشي، وعزله وإبعاده عن الأضواء، لأن وجوده الفاحش بات يسبب الحرج لواشنطن التي لا يمكنها أن تستمر في الدفاع عن المجازر والجرائم الطائفية التي يرتكبها لواء الذئب، فقام المالكي باتخاذ قرار بالتوافق والتفاهم مع القرشي، فتم نقله وتجميد عمله وأصبح ضابطا دون تكليف بدءا من العام 2007


مأثرة المثقاب الكهربائي


كما تم توثيق ارتباط لواء الذئب بـ “فيلق بدر” الذي يرأسه هادي العامري وينتسب اليه جبر صولاغ وزير الداخلية كقيادي في المجلس الأعلى الاسلامي الذي اسس الفيلق في ايران ابان حربها مع العراق، والذي قرّر استخدام القرشي كستار رسمي ممثلا عن الدولة العراقية والجيش العراقي لممارسة الانتقام الطائفي والجرائم المذهبية. ولهذا فقد تحمّل لواء الذئب المسؤولية عن عمليات كبيرة تمّ تنفيذها في العراق، ومنها مذابح المستشفيات ومذبحة وزارة التعليم العالي حيث دخلت قوات المغاوير (لواء الذئب) واختطفت أكثر من 150 موظفاّ عراقيا سنياً عثر فيما بعد على جثثهم ممزقة بالرصاص، وتكرّر هذا في مجزرة ملجأ الجادرية حيث تم العثور على معتقلين تعرضوا لعمليات تعذيب وحشية عن طريق استعمال المثاقب الكهربائية وقلع العيون والحرق البشع بالأحماض الكيميائية.

وهكذا فبدلاً من خوض المعارك واكتساب الخبرات القتالية، تحوّل القائد العسكري إلى محقق شرس وزعيم فرقة للتعذيب في السجون، فكانت خبراته العسكرية هي تلك التي تزوّد بها واستعملها في الأقبية السرية ضد العزّل وليس ضد العسكريين في ساحات القتال.


تجميد القرشي وإخفاؤه وفراره


بعد افتضاح سيرته وجرائمه التي كشفت عنها القوات الأميركية بعد أن داهمت عددا من السجون السرية التي كان يديرها، ضغطت الولايات المتحدة على حكومة المالكي من أجل تجميد عمل القرشي، وعزله وإبعاده عن الأضواء، لأن وجوده الفاحش بات يسبب الحرج للولايات المتحدة التي لا يمكنها أن تستمر في الدفاع عن المجازر والجرائم الطائفية التي يرتكبها لواء الذئب، فقام المالكي باتخاذ قرار بالتوافق والتفاهم مع القرشي، فتم نقل أبي الوليد من وزارة الداخلية وتجميد عمله وأصبح ضابطاً دون تكليف، بدءاً من العام 2007. يومها اختفى الكثير من مجرمي الحرب الأهلية، إما عن تسهيل هروبهم إلى إيران أو عن طريق تكليفهم بمهمات سرية في انتظار اللحظة المناسبة التي تكون فيها خبرتهم الإجرامية نافعة.

لقد اعتقد المالكي أن السمعة السيئة التي تسلح بها أبو الوليد يوم كان يمارس مهماته القذرة ستسبقه إلى تلعفر وتكون كفيلة بزرع الرعب في قلوب المنتفضين ولم يكن قادرا بسبب عماه الطائفي على التمييز بين المواطنين الأبرياء العزل الذي كان لواء الذئب يبطش بهم وبين مقاتلين دفعتهم ظروف القهر والتهميش والعزل إلى رفع سلاحهم مطالبين بحقوقهم. لذلك لم يكن غريباً الانهيار السريع لقوات أبي الوليد وهروبه المبكر إلى كردستان مكللا بعار هزيمته.

في غضون يومين من القتال الحقيقي تحول الطاووس إلى أرنب. وهو درس بليغ للمالكي قبل سواه من الطائفيين الذين لا يزال عدد منهم يستعرض قوته في مواجهة المدنيين العزل.

8