أبوبكر البغدادي الخليفة المزيف بين ظهوره وغيابه

اختفاء "الخليفة" أبوبكر البغدادي المفاجئ لم يسبقه إعلان من أي نوع، ورغم ذلك فإن تنظيمه الذي تم اختصاره على هيئة ماركة تجارية، لا يزال عاملا بشراسة ولا يزال يتحرك بحرية.
الثلاثاء 2018/04/24
ممثل ثانوي

اختفى “الخليفة” أبوبكر البغدادي. ولأن الرجل الذي حمل ذلك الاسم المستعار بطريقة متقنة كان، كما قيل، من سامراء، فإن غيابه ليس بالحدث الذي يستغلق على الفهم. فإن صحت تلك الأقاويل فإن ذاكرة البغدادي تغص بالمرويات التي تتعلق بالإمام الغائب الذي حُرم سكان المدينة التي غاب فيها من ظهوره باعتباره إمام الزمان في مدينتهم حسب المرويات عينها.

تحت جبة الخليفة الغائب كان هناك في لحظة العرض المسرحي إمام غائب. وبالرغم من اختفاء الخليفة المفاجئ الذي لم يسبقه إعلان من أي نوع فإن تنظيمه الذي تم اختصاره على هيئة ماركة تجارية لا يزال عاملا بشراسة ولا يزال يتحرك بحرية، يظهر ويختفي حين يريد كما تزعم الدوائر الاستخباراتية والعسكرية المختصة بشؤون الإرهاب. وهو ما صارت وسائل الإعلام تنقله فيما تتلفت جيوش وميليشيات باحثة عنه في الصحراء مستعينة بصور جوية تلتقطها طائرات استطلاع متقدمة.

الحاجة إلى داعش

لم تعد هناك حاجة كما يبدو لزعيم بعد أن سقطت دولة الخلافة. بل لم تعد هناك حاجة لتنظيم منضبط، يتلقى أوامره من جهة مركزية.

 في العراق على وجه الخصوص صارت كلمة “داعش” صفة تطلق على كل جماعة معترضة أو متمردة أو غاضبة. داعش هي الإرهاب في كل تجلياته.

لقد ألهم البغدادي أجهزة القتل كلمة السر. فالذين يُقتلون في العراق عن عمد أو عن طريق الخطأ هم دواعش من وجهة نظر الحكومة التي جاءت الحرب على الإرهاب منسجمة مع ضياع بوصلتها الوطنية. فلا ترى تلك الحكومة العراقيين إلا في سياق معادلة، إما أن يكون المرء من خلالها مواطنا صالحا بعد أن يعلن عن ولائه الأعمى أو أن يكون داعشيا حين يقف على الضفة الأخرى.

لا تملك السلطات العراقية وقتا للبحث عن زعيم التنظيم الإرهابي. أول وآخر خلفاء الدولة الإسلامية في العراق والشام.

الرجل الذي يُفترض كما صار دارجا أنه كان مؤسس أعتى عصابة إجرامية مرت بتاريخ العراق المعاصر كانت جريمة تدمير الآثار الآشورية وحدها كافية لكي يشغل العالم نفسه في البحث عنه.

جريمة تدمير الآثار الآشورية وحدها تكفي لكي يشغل العالم نفسه في البحث عن البغدادي.
جريمة تدمير الآثار الآشورية وحدها تكفي لكي يشغل العالم نفسه في البحث عن البغدادي.

غير أن شيئا من ذلك القبيل لم يقع. سيكون على العالم الحر أن يحتفي بإقامة نصب لثور مجنح زائف في ساحة الطرف الأغر بلندن بدلا من الثور المجنح الحقيقي الذي هدمه مجاهدو داعش في لحظة عار تاريخي.

قبل تلك اللحظة احتفت وسائل الإعلام العالمية بخليفة مسلم، كانت على دراية نسبية بالمعامل التي انتجت مساحيق التجميل التي استعملت من أجل صياغة صورته الأخيرة. 

ولأن الجماهير تنسى في ظل الأزمات المعيشية الخانقة فإن أحدا لم يعد يذكر البغدادي كما لو أنه لم يكن. الرجل الذي دخل التاريخ حين ألحق تنظيمه هزيمة مخزية بالقوات العراقية من غير أن يطلق رصاصة واحدة هناك مَن يرغب في أن لا يتذكره أحد.

الدمية التي ألقت خطابا تسبب في ما بعد في هدم المسجد الأثري بمئذنته الحدباء انتقاما، تحول إلى شبح. هل علينا أن نبحث عن مصير شبح؟ لا يريد العالم أن يضيع وقته. الشعوب المنكوبة هي الأخرى لا ترغب في أن تضيع وقتها في مسألة هامشية من ذلك النوع.

لقد قرر البغدادي حين اختفائه أن يكون أمره هامشيا. يبدو ذلك القرار غريبا وملتبسا. فالبغدادي حسب التصنيف الأميركي هو إرهابي من الدرجة الأولى الذي ينبغي أن يكون رأسه مطلوبا.

غير أن أحدا لم يكلف نفسه عناء البحث عنه، وما من جائزة رُصدت لمَن يشي به أو يدلي بمعلومات تيسر عملية القبض عليه مثلما حدث من قبل حين طاردت القوات الأميركية أعضاء القيادة في النظام الوطني الذي أسقطته؟   

بالمقارنة مع مصير البغدادي الغامض فإن قرارا أميركيا كان قد اتخذ قبل سنوات قضى بقتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة. كان من الممكن أن لا يُقتل الإرهابي رقم 1 في حينه. إذ أن حياته كما يُفترض استخباراتيا ومعلوماتيا أهم من موته الذي سيكون بمثابة طي صفحة لن يُسمح لأحد بقراءتها.

غير أن هناك مَن قرر التضحية بزعيم تنظيم القاعدة لكي يظل لغزه أبديا. وفي ظل نقص وتضارب المعلومات عن الرجل الذي ألقيت جثته في مياه البحار البعيدة فإن هناك من يفسر لغز مقتله الذي لم يكن ضروريا وقهريا من جهتين.

من جهة، كان ذلك القتل ضروريا من أجل أن يتحول بن لادن إلى شهيد بالنسبة للجماعات المضللة جهاديا. من جهة أخرى كانت هناك رغبة لدى الدوائر الاستخبارية في أن يتحول بن لادن إلى رمز لعدو يُحتمل ظهوره في أي لحظة. وهي رسالة ذات أبعاد شعبوية عالمية.

[ رمزية بن لادن لم يحز عليها البغدادي. وإن كان ما اقترفه الأخير يفوق بكثير ما اقترفه سلفه القتيل.
رمزية بن لادن لم يحز عليها البغدادي. وإن كان ما اقترفه الأخير يفوق بكثير ما اقترفه سلفه القتيل. 

كان بن لادن وحده ظاهرة مزدوجة من جهة دلالاتها.

هناك في العالمين العربي والإسلامي مَن يعتبره شهيدا وهي الصفة التي يمر من خلالها فكره الظلامي وهناك في العالم مَن يروج لشخصية بن لادن باعتباره رمزا شريرا لكل ما هو عربي وإسلامي.

البغدادي ثانويا

بحجم غزوة نيويورك سيكون حجم بن لادن الذي أخفي أثره من العالم الواقعي ليكون جزءا من عالم افتراضي يمكن أن تمرر من خلاله المزيد من الحكايات والمرويات الشعبية التي تمزج الماضي بالحاضر في زمن غير مستعاد.

رمزية بن لادن لم يحز عليها البغدادي وإن كان ما اقترفه الأخير يفوق بكثير ما اقترفه سلفه القتيل. كان البغدادي مبشرا بولادة جيل من الجهاديين أسرتهم فكرة جهاد النكاح فيما أبقى بن لادن جيل مجاهديه في حدود العقيدة. 

لذلك كان ضروريا أن يُقتل بن لادن لتكتمل دائرة أسطورته التي تدور حول العقيدة التي تؤمن بالعنف. أما البغدادي فبالرغم من أنه أقام دولة الخلافة الإسلامية المزعومة ووضع العراق على مفترق طرق لن يغادره إلى الأبد ومن أجله شنت حرب عالمية على الإرهاب، قتلت الآلاف وشردت الملايين ودمرت مدنا كانت عامرة فإنه ظل خارج دائرة القتل ولم يطالب أحد بدمه.

لقد أشاعت الحكومة العراقية غير مرة أن السامرائي، وارث الغيبة، كان قد قُتل أو جُرح. غير أن تلك الأخبار سرعان ما يتم التراجع عنها بسبب عدم استنادها إلى دليل مادي. الأهم من ذلك أن الولايات المتحدة وهي المعنية بشؤون الحرب المفتوحة على الإرهاب لم تظهر حماسة تُذكر لمسألة البحث عنه وتصفيته كما فعلت مع بن لادن. وهو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام.

ألأنّ الرجل كان مجرد ممثل ثانوي تم غض الطرف عنه في حين كان بن لادن ممثلا رئيسيا، لذلك توجهت الأنظار إليه؟

ولكن ذلك التصنيف يحتمل تأويلا، غالبا ما تم القفز عليه بسبب استناده إلى التكهنات والأقوال السائبة والتوقعات. غير أن الخيوط كلها تقود إلى حقيقة أن تنظيم القاعدة الذي قاده بن لادن كان جزءا من الحرب التي شنها الغرب على الاتحاد السوفيتي عن طريق جماعات مسلحة اختير لها مبدأ الجهاد واجهة أما جوهرها فيكمن في آليات الصراع بين قطبي العالم.

أما بالنسبة لداعش فإن ذلك التنظيم كان وليد فكرة ساذجة عن إسلام عدو، جرى تسويقها من أجل أن يحل ذلك العدو محل الإسلام. كان اختراع ذلك التنظيم ضروريا فقط لملء الفراغ التصويري.

قبل ظهور تنظيم داعش كان قد جرى احتلال العراق. يومها مارست القوات الأميركية والشركات الأمنية الملحقة بها شتى صنوف القتل والتعذيب والإذلال في حق الشعب العراقي، أو على الأقل الجزء المناهض منه للاحتلال والحكومة الطائفية التي انبثقت منه.

[ العالم الحر، وبدلا من أن يفعل شيئا، يحتفي بإقامة نصب لثور مجنح زائف في ساحة الطرف الأغر بلندن بدلا من الثور المجنح الحقيقي الذي هدمه داعش.
العالم الحر، وبدلا من أن يفعل شيئا، يحتفي بإقامة نصب لثور مجنح زائف في ساحة الطرف الأغر بلندن بدلا من الثور المجنح الحقيقي الذي هدمه داعش.

غير أن ذلك كما يبدو لم يكن كافيا لإشباع غريزة الانتقام لذلك تم اختراع داعش في وقت متأخر لتكون الأداة الجهادية “الجهنمية” التي يتم من خلالها وبذريعتها الاقتصاص من العراقيين.

رجل الخاتمة الجهنمية

لم يكن مفاجئا أن يعلن البغدادي عن ولادة دولته من الموصل. أم الربيعين هي ثاني كبرى مدن العراق، المنبع الذي رفد الجيش العراقي بأكثر ضباطه كفاءة وأشدهم نزاهة ووطنية، وهي واحدة من المدن ذات الغالبية السنية النادرة التي لم يسمح سكانها للجماعات المسلحة بالتغلغل في نسيجها الاجتماعي.

غير أن القمع الذي مارسته ميليشيات وقوات الحكومة بعد الاحتلال الأميركي ضد السكان المدنيين دفع أولئك السكان إلى حافات موحشة من اليأس من إمكانية أن تستعيد الحكومة وعيها الوطني وتنظر إليهم باعتبارهم مواطنين.

كانت الموصل لا تزال عامرة حين دخل البغدادي إليها في عرض مسرحي ساهمت أطراف عديدة من ضمنها الحكومة العراقية في الإعداد له.

لا أعتقد أن خطابا حظي باهتمام العالم مثل ذلك الخطاب الذي ألقاه ذلك الممثل في تلك المسرحية الوضيعة.

كان أبوبكر البغدادي مجرد ممثل وضيع في مسرحية لم تكن في حاجة إلى بطلها في فصولها اللاحقة. كانت مهمة ذلك الرجل “النكرة” محصورة بإلقاء خطاب، كان بمثابة إعلان حرب انتظرته جهات عالمية كثيرة لتبدأ من بعده حربها على من وضعتهم في قائمة الأعداء. وفي ذلك تلتقي إيران والولايات المتحدة. 

أبوبكر البغدادي ليس لغزا إلا إذا قررنا أن نغمض عيوننا عما أحاط به من حقائق. تقف مسألة تدمير الموصل وإبادة سكانها في مقدمة تلك الحقائق.

13