أبوبكر القيسي مسرحي نذر حياته للأطفال

رائد مسرح الطفل في اليمن كان يؤمن أن الفن تغيير للواقع، ويرى أن المسرح أداة ثورية في عملية التحول الاجتماعي لصالح الطبقات الشعبية.
الاثنين 2018/03/19
أبوبكر القيسي أسس للمستقبل بالفن

“أبوبكر القيسـي: رائـد مسرح الطفل في اليمـن” عنوان الكتاب التذكاري للباحث نزار القيسي، صدر مؤخرا ضمن مشروع وزارة الثقافة اليمنية ومؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، وقد قدم له وزير الثقافة اليمني مروان دماج. والقيسي كتب البعض من أهم صفحات الحركة المسرحية اليمنية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، وقد وصل إلينا صوته، نحن أبناء ذلك الزمن المشغولين بالصراع السياسي وإهدار الوقت.

 وقال “مازلنا نتذكر عمله الدرامي التلفزيوني المقدَّم للأطفال (بشبوش وأبوالريش) والظروف التي رافقت إنتاج ذلك العمل الدرامي المقدم على مدار سنوات. يتمثل حرص القيسي على عمله المذكور في جوانب عدة منها أنه كتب مرة مقالا نشر في 19 أبريل من عام 1990 دعا فيه الوسطين الفني والثقافي للتوقف أمام هذا العمل بالنقد والتقييم وإلى المشاركة في تطوير هذه التجربة، وهنا ندرك أي ظروف كان القيسي يحاول أن يستمر في مشروعه فيها”.

الكتاب ضم مختارات من رؤى أبوبكر القيسي لمسيرة مسرح الطفل في اليمن، وبعض أعماله، وشهادات لفنانين وموسيقيين ومسرحيين ونقاد وصحافيين وتربويين حول القيسي وما قدمه لمسرح الطفل اليمني من أعمال وأفكار ورؤى، بالإضافة إلى عدة ملاحق منها ما يضم صورا لوثائق وشهادات تقدير وجوائز حصل عليها، وكذا ملحق لصور من أعماله.

يقول نزار القيسي في مقدمته للكتاب “قليلون هم أولئك الذين يأتون إلى الحياة، ويصنعون تاريخا تخلّد به الأمم، بما قدّموه من خدمات للإنسانية، وما يضيفونه من جديد في الحياة، ترفع من شأن أمتهم، وتجعلها في مصاف الأمم المتقدمة، انطلاقا من قاعدة إنسانية أرساها رائد أدب الأطفال في العالم الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، وهذه القاعدة هي: الكمال الفني يساوي الموهبة مع علم. إنها الفلسفة التي جعلت الفيلسوف والشاعر الهندي الكبير طاغور يخاطب أهل الدنمارك عندما زارهم يوما بقوله ‘لماذا تريدون أن يزداد السكان عندكم.. يكفي أن يكون أندرسن منكم'”.

ويضيف “في هذا الكتاب نلتمس الطريق إلى تخليد رجل نذر حياته لأطفال بلادنا، واتخذ من المسرح وسيلة لتربيتهم وتثقيفهم، متدرجا من المسرح المدرسي إلى مسرح الطفل والعرائس. ثم إنه لجأ إلى التلفزيون كوسيلة تواصل للأطفال، حتى أنه استحق منهم ألقاب ‘عمو بشبوش’ و’عمو شمسان’  و’عمو ميسور’.. إلخ، وهي مسميات في كلياتها تدل على شخص واحد أراد ـ بعمله ـ أن يكون رمزا أو قدوة للأطفال، وفي ظننا أنه حقق مبتغاه. ولذلك فقد قصدنا أن يكون هذا الكتاب تذكاريّا. بمعنى أنه أولا: مختلف عن كل الكتب التي يتم إصدارها في مناسبة كهذه شكلا ومضمونا، وثانيا: هو كتاب يذهب بالقارئ إلى تتبع التجربة الإبداعية للقيسي كما عبَّر عنها هو من خلال كتاباته ولقاءاته الصحافية والمتابعات النقدية لأعماله، ومن خلال نخبة من الذين ارتبطوا بهذه التجربة”.

تتبع التجربة الإبداعية للقيسي
تتبع التجربة الإبداعية للقيسي

في الحوار الذي أجراه عمر مكرم عنتر لمجلة الفنون (عدن) مارس 1984 يقول أبوبكر القيسي عن بداياته “في طفولتي ولعت بالمسرحيات التي كان يقدمها رواد المسرح في الخمسينات ومحاكاتي لهم أمام أقراني في المنزل، وكذا بعض المسرحيات لجيل ما بعد الرواد وأخص بالذكر مسرحية (روميو وجولييت) التي مثل بطولتها الفنان القدير أحمد قاسم، هذا إلى جانب ولعي بمسرح الأراجوز أثناء عرضها في زيارات الأولياء.

في عام 1965 أنشأت أول فرقة مسرحية للهواة بأسم المسرح الحديث وعند تقديم أول عمل لها (تقاليد جديدة) اعتقلت من قبل السلطات وألغيت المسرحية.. وفي السبعينات اشتركت والزميل فيصل بحصو في تكوين فرقة المسرح الوطني والمشاركة في أول أعمالها (الكنز) وأسهم في إخراج معظم عروضها الزميل فيصل عبدالله الذي كان لإسهامه أثر كبير في إحداث نقلة نوعية للمسرح اليمني باستخدامه الأسلوب البريختي كأسلوب جديد في المسرح.. بعدها قمت بتكوين عدد من فرق مسرحية أهمها فرقة المسرح القومي، فرقة أشيد وفرقة العاصمة”.

ويتابع “بداية السبعينات كانت تجربتي مع الإخراج وتخصصت في المسرح الغنائي وكونت ثنائيا مع الفنان الملحن أحمد محمد ناجي ابتداء من مسرح العرائس (الأسد والفأر) لأديب قاسم ثم مسرح الطفل (أروى والتاريخ) لزين عيدروس، فالمسرح المدرسي (زائر من الأرض) لمحمد سعد عبدالله ومسرح الشباب (القافلة) لأنور باجميل ومسرح الهواة (المسيرة) للقرشي عبدالرحيم سلام وانتهاء بمسرح المحترفين (الفتى منصور المنصور) لعبدالمجيد القاضي. كنت على رأس مؤسسي المسرح المدرسي ووراء بروز رعيل كبير من الموهوبين في التمثيل أمثال: أنيس شاكر، عمر مكرم ومن الفنيين عبداللطيف الحاشدي في الإضاءة ومحمد التمار في الديكور والرقص الشعبي. حاليا أقوم بإنجاز مسرح الطفل الذي يشمل عروضا عرائسية وبشرية ومن المقرر افتتاحه في الأول من يونيو”.

ويشير إلى أن المسرح أداة ثورية في عملية التحول الاجتماعي لصالح الطبقات الشعبية، وذلك بدراسته ومخاطبته لواقع هذه الطبقات، ولكون مجتمعنا يلتزم بهذه العملية الثورية منطلقا من مستويات شعبية فإنه يقف على هذه الطريق ومسرح بريخت هو الذي تمكن الاستفادة منه لتحقيق ذلك.. إذ أن المسرح البريختي وهو يلازم حركة التطور في عصرنا قد ظل يحمل أهم السمات للمسرح الشعبي منذ شكسبير.. كونه يقيم علاقات جدلية بين النص والخشبة والجمهور.. وبذلك نشأ المسرح التعليمي – أو كما يقال الذي يغلف أقراصه التعليمية بطبقة من السكر.. وهذا هو ما يحتاج إليه مسرحنا اليمني في الوقت الحاضر..

ويوضح أبوبكر القيسي في حواره “أعطني نصا جيدا أعطيك مسرحا.. وأعطني مسرحا أعطيك جمهورا مسرحيا.. ماذا تعطينا هذه المعادلة؟ هذا هو السؤال. نصا جيدا، فمسرحا لتحصل على جمهور مسرحي.. لماذا لا نريد أن نفهم ذلك؟ وأظن أن المسألة مقلوبة نحن عادة نقدم العربة على الفرس، وأنا أتساءل لماذا لا يكون المسرح أولا.. وعلى ذلك جرت العادة.. فالمسرح بمواصفاته الفنية.. بعناصره الشائقة، امتدادا من خشبة المسرح بقاعاتها الفنية وحتى طاقمه المتخصص وهي قافلة كبيرة من المهارات والتقنية وانتهاء بالموقع الذي يتم فيه بناء هذا المسرح.”.

ويرى أخيرا أن قضية المسرح العربي ليست قضية منصة المسرح، إنما قضية الساحة العربية كلها، هي قضية المصير العربي في الثلث الأخير من القرن الماضي، لذا فما أشد الحاجة في مسرحنا العربي إلى تخطيط مسرحي ضمن إطار تخطيط ثقافي، بل تخطيط اجتماعي شامل، يحقق لقاء الإنسان العربي على أرض النضال والمعاناة، وبهجة التفتح والتجدد والإبداع.. يحقق لقاء الإنسان العربي لقاء حميما واعيا بحقيقته وحقائق مجتمعه وعصره.

والتخطيط لا يعني فرض القيم والمفاهيم والأذواق، إنما يعني تنظيم المجالات وتوفير الوسائل وإتاحة الفرص أمام الطاقات المبدعة كي تعبر وتكتشف وتضيف وتسهم في التغيير والتنوير الفكري والوجداني، من هذه الرؤيا يحاول مسرحنا اليمني أن يقف بتواضع وبإمكاناته المتواضعة وبإصراره وبفعل توجهه الصائب مسهما إلى جانب بعض المسارح العربية في تحقيق تخطيط مسرحي ضمن تخطيط ثقافي اجتماعي شامل.

14