أبوبكر شوقي مخرج يتتبع قصص المهمشين والأقليات

المخرج السينمائي المصري أبوبكر شوقي يتخذ من مريض الجذام "بشاي" مدخلا لقضايا أعمق تتعلق بالمهمشين في المجتمع والأقليات الدينية والعرقية مرورا بالتطرف الديني وجمود الفتوى.
الخميس 2018/11/22
السينما الإنسانية أسلوب حياة

يمكن وصف المخرج السينمائي المصري أبوبكر شوقي بأنه المخرج الذي صنع شهرته من أول أفلامه، ووضع لبنات تيار جديد يتشكل في السينما المصرية، ليعود بها إلى القضايا الإنسانية، ويعلي رسالة الفن على الربح، وقوة الفكرة على إملاءات النجوم، والتعاطف الحسي والتضامن المعنوي فوق الضحك وشحنات العنف والإثارة.

التيار التجريبي في السينما المصرية الذي ينتمي إليه شوقي بدأ يشق طريقه نحو الجماهيرية، بعدما ظل طوال تاريخه جامعا لجوائز المهرجانات فقط، بسلسلة أفلام إنسانية. أصبح فيلم “يوم الدين”  أشهرها في التناول غير المألوف لقضايا المُهمشين والمظلومين، بداية من مرضى الجذام ونهاية بواقع الأقليات الدينية والعرقية.

ويواجه التيار الجديد مخاضا صعبا بحكم تفضيل الكثير من المنتجين للأفلام التجارية، والميراث السابق لفشل القصص التراجيدية، لكن تدعمه بوادر تغيير فكري للجمهور بجيل مغاير يبحث عن المختلف ولا يكتفي بالمشاهدة، بل يمارس النقد وينقل انطباعاته لصفحات التواصل الاجتماعي ويمارس الدعاية المجانية للأعمال الجيدة.

في قلب المستعمرة

 شوقي يتخذ من مريض الجذام “بشاي” الراغب في العودة لأهله بعد 40 عاما من الحياة داخل مستعمرة الخانكة بمحافظة القليوبية المتاخمة للقاهرة، مدخلا لقضايا أعمق تتعلق بـالمهمشين في المجتمع والأقليات الدينية والعرقية مرورا بالتطرف الديني، وجمود الفتوى التي لا تراعي الزمن وتطالب بالفرار من المجذوم كالهروب من الأسد، رغم تغيرات العصر واكتشاف دواء للمرض منذ الثمانينات.

{يوم الدين} يحرج المنتجين التجاريين ويؤكد أن العمل الفني الجاد يبقى عندما يحمل قيمة حقيقية ويلامس بقوة مشاعر الجمهور
"يوم الدين" يحرج المنتجين التجاريين ويؤكد أن العمل الفني الجاد يبقى عندما يحمل قيمة حقيقية ويلامس بقوة مشاعر الجمهور

السينما الإنسانية تغوص، حال تقديمها بطريقة مبتكرة دراميا، في أعماق البشر، وتهز مشاعر من يشاهدها، وأحيانا تهيّج ضمائرهم وتدفعهم لتجنب السلبية والتحرك للمساعدة، وربما يكون فيلم “يوم الدين” حقق ذلك فعلا، بعدما وجه رواد صفحة الفيلم على موقع فيسبوك أسئلة عن إمكانية مساعدة سكان المستعمرة مالياً.

لفظ المستعمرة ذاته غير إنساني لوصف من يعيشون فيها كمصحة علاجية تم تأسيسها عام 1933 بأمر ملكي في منطقة نائية يحيط بها حزام وقائي من الأراضي الصحراوية لعزل جميع المجذومين إجباريا، قبل أن يمتد العمران إليها، لتحمل اسمها من نمط بنائها الشبيه بالمستعمرات الإنكليزية في مصر، فعنابر المرضى أشبه بالثكنات ذات الأسطح المقوسة.

خيط رفيع

يقول شوقي لـ”العرب” إنه إذا لامس العمل قلوب الناس وظهرت الحقائق العلمية والقصص الإنسانية المأخوذة من الواقع، لن نستخدم مرة أخرى مصطلح المستعمرة وسيتم استبدالها بمستشفى، ولن نصرخ رعبا في وجه المجذومين أو نقذف بهم بكل قسوة خارج حياتنا التي قد يصبحون جزءا منها بفضل فيلم سينمائي واقعي.

فكرة تقبل الآخر التي يجعلها المخرج الثلاثيني ذو الملامح الغربية شعارا عريضا لحياته وأعماله مصدرها نشأته في أسرة ذات ثقافات متباينة تتبادل أطراف الحديث في ما بينها بثلاث لغات؛ العربية والألمانية والإنكليزية، فالأب طبيب مصري والأم نمساوية تعيش في القاهرة منذ أربعين عاما، وحتى أبوبكر نفسه أمضى خمس سنوات من حياته في نيويورك للحصول على ماجستير الإخراج من جامعة “إن واي يو” الشهيرة.

يربط بين القصة الإنسانية والأقليات والسياسة خيط رفيع يجعل التعرض السينمائي لها شائكا يخضع لمواءمات وتنازلات كي يرى العمل النور، لكن مخرج “يوم الدين” غاص بقضاياه الشائكة بعيدا عن الصدام، رغم تقديم بطل مسيحي وطفل من أصول نوبية وكلاهما يحلم بالعودة، ويواجهان في رحلتهما مشكلات مع متطرفين إسلاميين وواقعا مزريا لذوي الإعاقة وفقراء العشوائيات.

 وتنبع المراوغة السياسية التي انتهجها في النقد للبيروقراطية والفساد والتطرف بأسلوب الترميز، من منطلقات فكرية بحكم دراسته للعلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، والإخراج في معهد السينما، ليتخرج فيهما عام 2009، ويجمع بين ملكتي السياسة والفن.

“يوم الدين” لم يكن الفيلم الوحيد الذي ينتمي لسينما الإنسان في العام 2018. ففي الفترة ذاتها عرض فيلم “أخضر يابس″ لمحمـد حماد، الذي تناول قصة فتاة يتيمة تضحي بحياتها لتعليم وتزويج شقيقتها، و”زهرة الصبار” لهالة القوصي، ورصد اكتشاف الإنسان لذاته في رحلة شابة قروية وعجوز برجوازية للأمان بعد طردهما من المنزل، لكن “يوم الدين” هو الأشهر لاختياره فكرة غير مسبوقة.

يعتبر شوقي الموضوع الإنساني دافعا يجعل المخرج يغامر ويصبر للوصول لأقصى درجات الجودة، فغالبية المشاركين في فيلمه وقفوا أمام كاميرات التصوير لأول مرة في حياتهم وأمضى أربعة أشهر كاملة في تعويدهم على التعامل بأريحية وتلقائية، وتحفيظهم الأدوار مع جهل معظمهم للقراءة والكتابة وحتى إقناع بعضهم بأنه سينتج فيلما بالفعل وليس الأمر من قبيل الدعابة أو السخرية.

السينما الإنسانية لا تعتمد على النجوم، فمخرجوها يرفعون راية “الكومبارس″ والاستعانة بأشخاص عاديين لديهم الموهبة ولم يسبق لهم الظهور، وقد لا يمثلون مجددا كراضي جمال الذي لعب دور البطل “بشاي”، يرفعون مقولة إن وفاة مئة شخص “حادثة” يمكن لأي شخص التعبير عنها، لكن قصة كل واحد منهم مأساة لن يجيد تجسيدها إلا من عايشها وذاق مرارتها.

ولن يصل ممثل شهير مهما كانت قدراته لمشاعر “بشاي” بنقل وقائع عاشها في الحقيقة إلى السينما، بقسوة متابعة أصابع اليد تذبل وتتساقط، ولن يعرف كيف يتحاشى نظرات المجتمع القاسية، ولحظات هروب الأصحاء من الاختلاط بهم بسبب الجهل بالمرض.

رفض شوقي الاعتماد على مهارات الماكير وغامر باختيار ممثل من المجذومين، ليكسب الرهان فمشهد إمساك بطله بكوب الشاي ببطن يديه في غياب الأصابع كفيل بإثارة التعاطف والتركيز مع الصورة أكثر من تعبيرات وجه البطل، أو حتى الكلمات التي ينطقها، لتكون التلقائية مدخلا للمس القلوب مباشرة.

إلى جانب الأيقونات

الجانب الإنساني غاب عن السينما المصرية بعد نبذه من دور العرض لواقعيته المؤلمة، ففيلم “الحرام” المعروض عام 1956، لم تشفع له شهرة كاتب قصته الأديب الراحل يوسف إدريس وعبقرية السيناريست سعدالدين وهبة، وقدرات فاتن حمامة التمثيلية، ليخسر في شباك التذاكر بمصر بعد هجوم النقاد عليه بزعم تكريسه الفقر في تقديم قضية عمال التراحيل، رغم عرضه في مهرجان “كان”.

تكمن مشكلة السينما الإنسانية في تطرقها لحالات يمكن تعميمها، ليشعر المشاهد أن جزءا من حياته أو مشكلات أصدقائه وأقاربه موجودة أمامه من الفقر والمرض والتعاسة، ما يجعل البعض يرفض استكمال المشاهدة باحثا عن شيء يعزله عن الواقع بمشاهد الضحك، أو أن يفرغ في شرايينه نوبات من الفزع والعنف بفيلم مرعب أو آخر متشبع بالحركة.

[ السينما الإنسانية لا تعتمد على النجوم، فمخرجوها يرفعون راية “الكومبارس” والاستعانة بأشخاص عاديين لديهم الموهبة ولم يسبق لهم الظهور.
السينما الإنسانية لا تعتمد على النجوم، فمخرجوها يرفعون راية "الكومبارس" والاستعانة بأشخاص عاديين لديهم الموهبة ولم يسبق لهم الظهور.

كان معدو فيلم “يوم الدين” أكثر انتباها، ولم يجعلوه حزينا على طول الخط، وحاولوا انتزاع الضحكات ببعض المواقف، ففي النهاية المشاهد لا يريد أن يواصل فرجته وهو ممسك بمنديل لمسح دموعه، لتبدو القصة مأساة وملهاة في الوقت ذاته.

يردد شوقي، على هامش مهرجانات عرض الفيلم، مقولة متكررة بأن فيلمه “تجربة خاصة توحي بأن المضمون الإنساني الجيد يفرض نفسه، فلم يشهد تخصيص أي موازنة للدعاية واعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج، والدعاية الشخصية المباشرة بين المشاهدين لأصدقائهم أو معارفهم لمشاهدته”.

لن يكون “يوم الدين” الإنساني الأخير لشوقي بعدما ذاق حلاوة نجاح تقديم ذلك النمط الذي عاد بمصر لمهرجان “كان” السينمائي الفرنسي، أعرق مهرجانات السينما، بعد فترة غياب استمرت ست سنوات، ليصبح عاشر مخرج مصري يشارك في المسابقة، مضيفا اسمه بجانب رموز مثل صلاح أبوسيف وعلي بدرخان وهنري بركات ويوسف شاهين.

حصل شوقي في المهرجان ذاته على جائزة “فرانسوا شاليه” لسنة 2018، ليكون ثاني مخرج مصري يحصل عليها، بعد يوسف شاهين عام 1999 بفيلمه “الآخر”، وتمنح الجائزة للأفلام ذات المضمون الإنساني رفيع المستوى، وأصحاب الرؤى السينمائية التي تُعلي القيم السامية في الحياة.

وتلمح تصريحات المخرج الشاب وزوجته المنتجة دينا إمام، لوسائل الإعلام الغربية بأنهما سينتهجان السينما الإنسانية كأسلوب حياة، وهما لم يقدما شيئا غريبا حتى الآن، فالفيلم في الأصل كان مشروع تخرج، ويكفي عبارة أن “مصر مليئة بالقصص والأماكن التي لا يعرفها الناس وتصلح لنقلها إلى السينما” لتوحي بأن في جعبتهما الكثير لتقديمه.

سينما المشاعر

لدى شوقي ثلاث قصص يفاضل بينها بعدما نجح في خلق صدمة بفيلمه الأول، سيتم تقديمها جميعا بالطريقة ذاتها كإنتاج مستقل في الفكرة والتنفيذ بواسطة شركة إنتاج شكلها مع زوجته في نيويورك، لكن الاختيار معقد، فمن وجهة نظره “العمل الثاني للمخرج أصعب بكثير من العمل الأول”.

[ مهرجان كان يمنح شوقي جائزة “فرانسوا شاليه” لسنة 2018، ليكون ثاني مخرج مصري يحصل عليها، بعد يوسف شاهين.
مهرجان كان يمنح شوقي جائزة "فرانسوا شاليه" لسنة 2018، ليكون ثاني مخرج مصري يحصل عليها، بعد يوسف شاهين.

لا يعتد مقدمو السينما الإنسانية كثيرا بإيرادات شباك التذاكر، لكن بمدى بقاء العمل عالقا في العقول بعد سنوات من عرضه، فالتاريخ يذكر الجيد على مستوى الفكرة والتقديم، والكثير من الأفلام التجارية التي حققت الملايين تختفي بعد سنوات عديدة من عرضها بلا أثر.

حقق شوقي معادلة صعبة بعدما اجتذب الجمهور لصالات السينما لتنفد تذاكر عرض فيلمه “يوم الدين” بسينما الكوليزيه في تونس ضمن أفلام المسابقة الرسمية للدورة الـ29 في مهرجان قرطاج السينمائي.

بعد ترشيح الفيلم لتمثيل مصر في جائزة الأوسكار 2019، قد يتم تذليل الكثير من العقبات أمام شوقي، بعدما بات معروفا في أوساط المنتجين الذين رفضوا تمويله في الماضي ليأخذ رحلة في طرق أبواب لم يخجل في توصيفها بالتسول، على هامش فعاليات مهرجان الجونة السينمائي الثاني، ونال جائزة أفضل موهبة عربية في الشرق الأوسط وتقدمها مجلة “فارايتي” الأميركية.

ويظل التمويل المعضلة الأعقد أمام إنتاج فيلم إنساني لمخرج ومؤلف جديد، فالمنتجون يسألون عن الخبرات السابقة والنجوم الذين سيتم استقطابهم، فضلا عن الأجندات الخاصة التي يحاولون فرضها على القصة، بداية من الأحداث وحتى اختيار الممثلين.

توحي رحلة البحث عن التمويل التي قطعها شوقي خلال خمس سنوات، بأن المخرج عليه تطوير فكرته وفي النهاية سيجد الجهات التي تؤمن برسالته، وربما يكون إحجام المنتجين عن تمويله مبررا، فمن غير المعقول أن يضعوا أموالهم في خدمة شاب خبراته لا تتعدى العمل لبعض الوقت بشركة “زاد” التي يديرها الفنان عمرو واكد، قبل سفره للخارج للدراسة، ومع قصة غير تجارية تبعد عن الخلطات المعتادة من مشاهد الرقص أو الكوميديا أو الأكشن.

ما يزيد من المتفائلين بعودة “سينما المشاعر”، إن صحت التسمية، نجاح مواز لأفلام عربية، مثل فيلم المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي “كفر ناحوم” الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان “كان”، عن قصة لطفل سوري مهاجر يريد أن يرفع قضية في المحكمة ضد والديه لأنهما أنجباه، عارجة على قسوة حياة الأطفال المشردين بلبنان.

قد ينقل نجاح الأفلام الإنسانية في المهرجانات لمرحلة جديدة مع المنتجين المصريين لإحداث حالة من الحراك الفني بدلا من الحلقات الدائرية المفرغة التي يمرون بها ولا تخرج عن الأكشن والكوميديا والإثارة، فـ”يوم الدين” الذي كان مشروع تخرج، نجح في الوصول لجوائز كبرى لم تحققها الأفلام التجارية في مصر على مدار السنوات الماضية.

[ التيار التجريبي في السينما المصرية الذي ينتمي إليه شوقي بدأ يشق طريقه نحو الجماهيرية، بعدما ظل محصوراً في المهرجانات.
التيار التجريبي في السينما المصرية الذي ينتمي إليه شوقي بدأ يشق طريقه نحو الجماهيرية، بعدما ظل محصوراً في المهرجانات.

 

12