أبوة النص والولادة

الأحد 2017/10/01

هل هناك جدلٌ أو صراعٌ أو منطقةٌ فارغةٌ أو فرق مكانٍ بين المنتج والمتلقّي؟ إن الكثير من التعريفات التي درجت على موت المؤلف أو أحقية المتلقّي أو دلالة النصّ جاءت وكأن هناك صراعًا خفيًا على أحقية كلّ من المنتج والمتلقّي في التناول، ومعرفة خصائص النصّ من وجهة نظرٍ واحدةٍ، أو من وجهتين متعارضتين، كأن أحدهما يسابق الآخر في الحصول على غنيمة النصّ ذاته.

لذا فإن البديهية الأولى أن النصّ له أبوّةٌ أو خالقٌ أو منتجٌ، وهذا يعني قول موت المؤلف لا يعني لا أبوّة له سوى لحظة التلقّي، وإن كان بلا تلقٍّ فهذا يعني أن لا معنى له.

وكذلك فإن النصّ له لحظة ولادةٍ وعنايةٌ بهذه الولادة ومخيلةٌ وقدرةٌ على تنميتها لكي يكون النصّ قادرًا على السير والوصول إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من مساحات التلقّي.

وهذا يعني أن هناك معادلةً جذريةً مثلما هناك معادلة الجذب، ليس تلك التي جاء بها نيوتن بل التي جاءت بها العلاقة بين المنتج حيث يُنتج النصّ والمتلقّي حيث يستقبله، لأنه القطاف الأخير لاهتزاز معنى النصّ وتساقط الشذرات والقصد والتأويل والوصول إلى منطقةٍ وسطى تكون هي محصلة المعادلة القرائية لأن المنتج متلقٍ أيضا وهو فاحصٌ آخر للنصّ ومعوّلٌ عليه، وربما يكون أكثر بحثًا عن قصديّته وتأويله ومعناه، لأنه بعد إنتاج النصّ يتحوّل إلى متلقّ قادرٍ على إدراك الخطأ والصواب في النصّ مثلما يكون قادرًا على تنفّس الروح فيه.

إن هذه العلاقة لا بد أن تكون مبنيةً على الثقة الكاملة بأهمية النصّ واحترام منتجه، مثلما هي مبنيةٌ على تقدير متلقّي النصّ لأنه المحطّة التي يتم فيها بثّ الجمال إلى الآخر.. الجمال المتخيّل.. الجمال المبني على العقلية المخزونة التي هيأت وأنتجت القدرة على كتابة النص حتى لو تعدّد المتلقّون، فإن على المنتج أن يدرك أن المتلقّي دائماً أذكى منه لأنه متعدّد النوافذ في الرؤية ومتعدّد المدارك في التلقّي ومتعدّد المدارس في المرجعيات ومتعدّد الإحساس في الاستلام ومختلف الخضوع إلى الباطن والظاهر ومتنوّع في الوقوف على زوايا اللّحظة في القبول.

والمتلقّي أذكى لأنه مروّجٌ للنصّ في تعدّد الاتجاهات مقابل واحدية الآخر المنتج الذي سيكوّن لحظة الاقتراب من الماهية الوجدانية والعاطفية إلى الماهية الإدراكية العقلانية. وهو إذن مثل مروّج بضاعةٍ تجاريةٍ يجد حُسْنًا في أصالة الإنتاج، وحين يثق بالمنتج الذي لا يريد أن يغش المتلقّي المستهلك وإن تعدّدوا.

وما قاله الكاتب يحيى محمد في دراسته “الفهم الديني: سننه وقوانينه وقواعده ومستنبطاته” في الحوار المتمدن من أنه “إذا كانت الجملة النصية هي الوحدة التي يتشكل منها النص، فإن الأخير قد يعبّر عن هذه الوحدة فحسب، كما قد تكون له مجموعة من الجمل النصية المترابطة بلا تحديد” وهو قولٌ يحتاج إلى معرفةٍ أين يتشكّل النصّ في الجانب الآخر في معادلة ثقافة التلقّي للنصّ، لأن البديهية هي أن كلّ نصٍّ دينيٍّ أو أدبيٍّ مكوّن من جملٍ نصيّة وهي الوحدة الأصلية التي تشكّل باقي إنتاج وحدات النصّ، ولكن المتلقّي في معادلة الرؤية يحتاج ليس إلى فهم هذه الوحدات كونه يقف على أرضية مفهومه الخاصة من أنه أمام مجموعةٍ هائلةٍ من الجمل النصيّة، بل يحتاج إلى أن يكون متفاعلاً مع النصّ وقادراً على الوصول إلى نقطة الالتقاء التي توصله من خلال هذه الوحدات للجمل النصيّة، كي ينتج ليس نصّاً آخر كما يقال بل ينتج مفهوما آخر لما يمكن من حصاد التأويل، وهذا الحصاد قادر على إعادة زرع الأسئلة الحياتية التي يحتاجها هذا المكوث الضيّق في المعنى.

وكذلك قول الكاتب يحيى محمد في ذات الدراسة من أنه “يتأثّر فهم الجمل النصية بعضها بالبعض الآخر وبالتالي فما لم يتشكل فهم الكلّ على نحو الإجمال فإنه لا يمكن تحديد فهم الجزء” وتكون ليس بالمعنى الذي يراد منه إعلاء شأن النصّ بعيدًا عن التلقّي أو ترتيب الأشياء أمام المتلقّي بل إن المتلقّي هو الباحث عن جدلية ترابط تأثّر وتأثير هذه الجمل لكي يكون قريبًا من المنتج.

ولهذا فإن فهم النصّ يبدأ من فهم الجمل النصية ليكون في الإجمال أمام وحدةٍ تكامليةٍ، وهو أمرٌ مرتبطٌ بقدرة المنتج للنصّ على إيجاد سبلٍ مقنعةٍ لكي يكون نصّه أمام بوّابات تضخّ معنى الجمل النصيّة لتترابط مع الجمل المتلاحقة لتنتج المعنى الكامل وبالتالي إنتاج الفهم الأعمّ لجسد النصّ، فينفخ من وعيه وثقافته ليكون أمام نصٍّ متحرّكٍ يعيش معه في خلود تأويلاته، وهي منطقة توضح أهمية الولادة وأبوّة النصّ في ديمومة فهمه.

كاتب من العراق

13