أبوتريكة "تاجر السعادة" الذي تبتلعه دوامة السياسة

الأحد 2017/01/29
مصافحة المشير تكبد النجم الكروي خسائر باهظة

القاهرة - العلاقة بين الرياضيين والسّلطة في مصر من العلاقات المعقدة، التي من النادر أن تعود بالنفع على الطرفين، لكن ضررها الأكبر يقع على اللاعبين أنفسهم، في حال إذا اختاروا السير على عكس توجهات النظام، أو اتجهوا نحو تأييد ما لا يجب، في رأي السلطة، تأييده، وقد ينتهي بهم الحال إلى الوقوع في فخ الاتهامات، وصولًا إلى تهمة الإرهاب.

محمد أبوتريكة، لاعب النادي الأهلي المصري السابق، والنجم الأفريقي الشهير في ملاعب كرة القدم، واحد من أبرز الذين دفعوا فاتورة باهظة، بعدما لعب دورا سياسيا، وضعه في مأزق لم يخرج منه حتى الآن، بعد أن أصبح متهمًا بدعم جماعة الإخوان، وتم إدراجه ضمن الشخصيات الإرهابية.

معشوق الجماهير

لا يكاد يختلف مصري أو عربي أو أفريقي، على إنسانية ودماثة أخلاق أبوتريكة، لكن ألقاب “الساحر”، و”معشوق الجماهير”، و”القديس”، و”تاجر السعادة”، التي أطلقت عليه وقت أن كان سببًا في إسعاد الجماهير داخل مصر وخارجها، لم تفلح في أن تحميه من دوامة الانخراط في السياسة، عندما اختار تأييد فصيل سياسي معين.

الانقسام المجتمعي والسياسي والفنّي والرياضي، حول إدراج “تريكة” كما يحلو للمصريين أن يطلقوا عليه، ضمن الكيانات الإرهابية، لم تشهده مصر منذ سنوات، حتى بين الذين يناصرون النظام ويؤيدونه على طول الخط، نظرًا لأن اللاعب ترك وراءه سجلات حافلة بالعطاء الكروي والإنساني والاجتماعي، ولم يكن أيّ من محبيه يتوقع أن تتم معاملته كما يعامل من يرفع السلاح ويسفك الدماء.

كثيرون نظروا إلى إعلان القضاء المصري، أن “معشوق الجماهير” يمتلك شركة للسياحة، كانت تموّل أنشطة جماعة الإخوان، وساعدت على تقديم الدعم المالي والعيني لمعتصمي ميدان رابعة العدوية إبّان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، بمثابة انتقام سياسي من جانب دوائر في الحكم، على المواقف السياسية للاعب.

المفارقة، أن الناقمين على حكم القضاء تجاه الساحر تريكة، هم أنفسهم، من رفعوا القبعة للقضاء، بعدما قضى بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، اللتين تنازلت عنهما الحكومة للسعودية ضمن اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين البلدين، وهو ما جعل البعض يعتقد أن النظام فتح قضية تريكة لغلق الحديث عن الجزيرتين، مستغلا في ذلك شعبية اللاعب، للتغطية على جدل اتفاقية تعيين الحدود.

أبوتريكة يؤخذ عليه، أنه يمتلك سجلا حافلا من الصدام مع السلطة، سواء الموجودة حاليًا في الحكم، أو تلك التي تشارك في إدارة الحكم من خلف الستار، حيث بدأت توجهاته السياسية والثورية تتشكل مع ثورة يناير 2011، وخرج في مسيرات حاشدة إلى ميدان التحرير، للمطالبة برحيل حسني مبارك ومحاكمته ونظامه على ما ارتكبوه في حق الشعب.

بدأ خلافه مع الأنظمة بشكل صريح، مع تولّي المجلس العسكري شؤون الحكم في البلاد، عقب اندلاع ثورة يناير، حيث كان يطالب -بين الحين والآخر وعلى استحياء- بضرورة تولّي رئيس مدني للبلاد، بعيدا عن ثبات الأمر عند السلطة العسكرية، وقال آنذاك “نحن لم نطرد عسكريًّا لنأتي بآخر”، في إشارة للرئيس الأسبق حسني مبارك الذي كان قائدا للسلاح الجوي قبل تولي الحكم، ثم من بعده المجلس العسكري.

بلغ الخلاف مداه بين أبوتريكة والمجلس العسكري، عندما وقعت مذبحة بورسعيد، بين مشجّعي كرة القدم للنادي الأهلي والنادي المصري البورسعيدي، (شرق قناة السويس)، والتي راح ضحيتها 72 شابا من جمهور ناديه (الأهلي)، وأيامها رفض أبوتريكة مصافحة المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الحاكم آنذاك، الذي كان في استقبال اللاعبين بالمطار، وقال بعدها إن المجلس تراخى في حماية الجمهور برفضه التدخل سريعًا.

لم يتوقف دور أبوتريكة في تلك القضية عند ذلك الحد، بل قرر عدم المشاركة مع الأهلي، في المباراة الأولى له عقب أحداث المذبحة، كما رفض اللعب في مباراة السوبر المحلي أمام فريق إنبي، تضامنًا مع روابط مشجعي “الأولتراس” الغاضبين، والذين طالبوا بعدم استئناف النشاط الرياضي قبل القصاص لضحايا بورسعيد، وكانت هذه الروابط تعادي المجلس العسكري طوال فترة حكمه، ولا تتوقف عن تنظيم المسيرات والمظاهرات ضده.

رغم دماثة خُلقه، وهدوئه الشديد، وابتسامته الطيبة التي لا تفارق وجهه، فإنه عنيد، وجريء، ولا يخشى على شيء، وحتى بعد تحذيرات زملائه وإدارة النادي له من أن موقفه من “أزمة إستاد بورسعيد” قد تدمر مستقبله، إلا أنه أبى أن ينتظم في التدريبات بينما المتظاهرون -هناك خارج أسوار النادي- يهتفون عليه بأن يقف إلى جوارهم.

محمد أبوتريكة، لاعب النادي الأهلي المصري السابق، والنجم الأفريقي الشهير في ملاعب كرة القدم، يصبح بعد مشوار نجومية طويل متهما بدعم جماعة الإخوان، ويتم إدراجه ضمن الشخصيات الإرهابية

بلغ به الأمر حدّ قيادته مسيرات من أمام النادي الأهلي، للتنديد بالمذبحة، وتم رفعه على الأعناق أكثر من مرة على فترات متباعدة، وهو يهتف “يا نجيب حقهم، يا نموت زيهم” ما تسبب في توريط النادي الأهلي مع النظام المصري آنذاك.

لا يمكن فصل البعد الإنساني في شخصية أبوتريكة، عن البيئة الاجتماعية والأسرية التي نشأ وسطها وتشكلت منها شخصيته، فهو من مواليد نوفمبر 1978، في قرية ناهيا، بحي بولاق الدكرور، بمحافظة الجيزة، لأسرة فقيرة، لدرجة أنه امتنع عن اللعب عاماً كاملاً في نادي الترسانة، لأنه لم يجد وقتها ثمن الحذاء وملابس اللعب، ورفض أن يرهق والده وقتها بثمنها.

انضم إلى ناشئي نادي الترسانة في سن الـ14، ثم التحق بالفريق الأول وهو في الـ17، ليحرز لقب هداف دوري القسم الثاني في عمر الـ23، ليصعد بناديه إلى دوري الدرجة الأولى عام 2000، بعدها انتقل إلى الأهلي في عام 2003، ليتربع خلال أكثر من 10 مواسم على عرش قلوب وعقول جماهير الأهلي، وحتى جماهير غريمه التقليدي الزمالك.

نجح خلال مشواره مع ناديه الأهلي ومنتخب بلاده، في تسطير صفحات من نور في تاريخ الكرة المصرية، حيث ساهم في حصد العشرات من البطولات المحلية والإقليمية والدولية، وخاض تجربة احتراف خارجي مع نادي “بني ياس” الإماراتي، على سبيل الإعارة، وأحرز معهم بطولة الخليج للأندية لكرة القدم، ثم عاد مرة أخرى إلى الأهلي، ليحرز معه بطولة دوري أبطال أفريقيا، ثم اعتزل.

حصل خلال مشواره الكروي على العديد من الجوائز والأوسمة، منها جائزة أفضل لاعب أفريقي داخل القارة أربع مرات، وهو إنجاز لم يحققه أيّ لاعب آخر حتى الآن، كما حصل على لقب هدّاف الدوري المصري، وحصل على جائزة “بي بي سي” لأفضل لاعب كرة قدم في أفريقيا، وجائزة أفضل لاعب عربي في استفتاء جريدة الهداف الجزائرية.

تريكة الإنسان

يحسب للساحر المصري، قدرته على إجادة التعامل مع “الإنسانية”، والاستفادة منها لتحقيق شعبية جارفة على الصعيدين المحلي والعربي، فهو قارئ جيد للمشهد الإنساني والاجتماعي، وربما ساعده على ذلك تواضعه الشديد، وأعماله الخيرية، وتكوين شبكة علاقات قوية مع زملائه وكل المهتمين بالشأن الكروي، استفاد منها في دعم هذا التوجه الإنساني.

ولأنه مكافح ولا يعترف بالفشل واليأس، التحق للعمل في مصنع للطوب، ليحصل على البعض من الأموال التي تساعده على توفير احتياجاته ومتطلبات اللعب في كرة القدم، لا سيما وأن نادي الترسانة وقتها كان يرفض الإنفاق على اللاعب الملتحق إليه من الناشئين.

ولم ينس بعد أن اغتنى، كل الناشئين الذين يمرّون بمثل ظروفه، وكل الفقراء الذين يحتاجون لعون أمثاله، فأسس أكثر من جمعية خيرية، وخصص مبالغ مالية بشكل شهري لأسر شهداء مذبحة إستاد بورسعيد، وكان يداوم على التبرع للمستشفيات الصغيرة، وأنشأ ناديا لكرة القدم بالقرية التي نشأ فيها.

اعتزازه بعروبته، صنع منه معشوقا للجماهير العربية، وهو ما كشفت عنه الأحداث التي كانت محلّ جدال لدى البعض، وفي مقدّمتها إظهار قميص يحمل عبارة “نحن فداك يا رسول الله”،

خلال مشاركته مع منتخب بلاده في أمم أفريقيا 2006، ينتصر فيها للرسول الكريم، ويردّ بها على الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول، التي نشرتها الصحف الدنماركية.

وردًا على الهجوم الذي تعرضت له غزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، قرر اللاعب الخروج عن صمته بارتداء قميص، كتب عليه “تضامنا مع غزة”، عرضه للكاميرات إثر تسجيله هدفًا خلال مباراة مصر والسودان،، الأمر الذي دفع البعض من الصحف الإسرائيلية، للمطالبة بإيقافه، وفرض العقوبة عليه.

تم تلقيبه بسفير الكرة المصرية، بعد تدخله لإنهاء الأزمة التي نشبت بين مصر والجزائر، قبل انطلاق منافسات كأس العالم 2010، حيث سافر للجزائر في محاولة لتهدئة الأوضاع بين الشعبين الشقيقين عقب أحداث أم درمان، التي كادت تقضي على العلاقات بينهما، وأعلن دعمه وتشجيعه للمنتخب الجزائري في بطولة كأس العالم في جنوب أفريقيا.

بسببه أقرّ الاتحاد الدولي لكرة القدم، عقوبات صارمة على ممارسة اللاعبين للسياسة داخل أرض الملعب في البطولات القارية، لكنّه أصر على ممارستها خارج الملعب وحتى بعد اعتزاله، وما زال.

الهجوم الذي تعرضت له غزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، دفع بأبوتريكة إلى ارتداء قميص، كتب عليه “تضامنا مع غزة”، عرضه للكاميرات إثر تسجيله هدفا خلال مباراة مصر والسودان، الأمر الذي دفع البعض من الصحف الإسرائيلية للمطالبة بإيقافه وفرض العقوبة عليه

في مصيدة الإخوان

لأن أبوتريكة نجح في تكوين قاعدة شعبية واسعة، وأصبح المعشوق الأكبر للجماهير المصرية خلال فترة لعبه – قبل اعتزاله الملاعب في 2013 - فقد كان واحدًا من بين الكرويين الذين وضعت جماعة الإخوان عينيها عليهم، لاستخدامه كأداة لدعمهم في مشروعهم الرامي إلى حكم البلاد، ووقع “الساحر” في تلك “المصيدة”، ما عجّل بإنهاء مسيرته الكروية.

اللاعب الخلوق لم يدرك أنه تم استدراجه ليكون جزءًا من معركة سياسية، وأنه يجري استخدامه وتوظيف شعبيته من قبل الإخوان، ثم انجرف مع التيار، كما سبق وانجرف كثيرون غيره من نجوم الفن والرياضة والإعلام والسياسة.

مع كل تنبيهات زملائه المقرّبين، ومن إدارة ناديه، لخطورة ذلك المسار، إلا أنهم فوجئوا به يدعم محمد مرسي رئيسا للبلاد، وكان ذلك هو الصدام الثاني مع المؤسسة العسكرية، التي كانت تدعم المرشّح أحمد شفيق.

بلغت جرأته وعناده وموقفه السابق من المؤسسة العسكرية، درجة أنه استغل علاقاته في الوسط الكروي، وراح يروّج لمرسي رئيسا، حتى استطاع تجميع لاعبين مشهورين ذوي شعبية طاغية، مثل هادي خشبة، ومجدي طلبة، وإكرامي، ونادر السيد، وربيع ياسين، وحمزة الجمل، ومحمد حمّص، وعماد النحاس، وغيرهم، ليلتفوا حول الإخوان، وراحوا يصحبونهم في مؤتمراتهم الانتخابية بالعديد من المحافظات

المصرية.

عقب الإطاحة بمرسى، توارى غالبية هؤلاء عن الأنظار، أو أعلنوا تأييدهم لإجراءات 3 يوليو 2013، وما تلاها، إلا قلة قليلة منهم بقيت تواصل دعمها لمرسي، من فوق منصة رابعة العدوية، مقر اعتصام مؤيديه، ولعبوا مباراة ودية داخل الاعتصام، وقالت المحكمة إن أبوتريكة كان من هؤلاء.

عاجز عن الدفاع عن نفسه

تمثلت أزمة أبوتريكة طوال مشواره الكروي، سواء مع الأهلي أو المنتخب المصري، في أنه يمارس السياسة وهو لا يجيدها، بمعنى أنه ليس سياسيا أو محنّكا في التعامل معها أو معرفة دهاليزها، ولا يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، لتفادي الصدام، أو زيادة العداء مع الآخرين، لا سيما إذا كان هؤلاء الآخرون هم “الدولة ومؤسساتها الراسخة”.

دليل ذلك، أنه بعد الإطاحة بمرسي، عقب خروج الملايين الغفيرة إلى الشوارع، ضده، فوجئت تلك الملايين بمعشوقها، محمد أبوتريكة، يخرج فيتحدّاهم ويعلن تأييده لمرسي، رافضًا حراك الجيش ضدّه وعزله، ما وسّع من دائرة الصدام معه.

وكان أمرًا مستغربًا، أنه -وهو من هو- يعادي من خرجوا لإقالة مرسي، ويواصل تحدّيه المؤسسة العسكرية التي ساندت الشعب، ويضحّي بكل تاريخه، في وقت كان الجميع يلتزمون الصمت، ولا يفصحون عن توجّهاتهم المستقبلية، وتساءل الكثيرون: لماذا -يا كابتن- لا تترك مناصرة الإخوان.. أو تقفز من سفينتهم؟

الزعامة السياسية لمعشوق الجماهير، سواء سعى إليها أو جاءت إليه، لم تتوقف عند شخصه وحده، حيث وصل به الأمر إلى أنه تحوّل من “كرويّ سياسي”، إلى كرويّ ومحامٍ، يدافع عن كل رياضي تعرّض لمضايقات أو عقوبات بسبب موقفه المؤيد للجماعة، وكانت تلك هي المشكلة الأعمق بينه وبين مؤسسات الدولة.

دافع باستماتة عن أحمد عبدالظاهر، لاعب النادي الأهلي، بعد إحالته للتحقيق لأنه رفع “إشارة رابعة”، المعبّرة عن معارضي النظام، عقب إحرازه هدفًا بإحدى المنافسات الأفريقية في نوفمبر 2013، ورغم اعتذار اللاعب ذي المستوى الجيد، إلا أنه عوقب بالخروج من الأهلي بعد ذلك.

عدم قدرة أبوتريكة على الدفاع عن نفسه، أو بمعنى أدق، تقديم الأدلة الدامغة التي تثبت عدم ضلوعه في تمويلات إرهابية، أو التأييد المطلق لجماعة الإخوان، ستبقى من المنغّصات التي تواجهه في حياته، حيث أنه بطبيعته قليل الكلام، ولا يدخل في مواجهات إعلامية، ويتجنب وسائل الإعلام، التي يراها سلاحا للنظام ضد معارضيه.

إذا كان الكرويّون يتفهّمون عمله هذه الأيام، كمحلل رياضي على فضائية الجزيرة القطرية، باعتبار أن ذلك أمر عادي ومباح، فإن الساسة والبعض من دوائر الحكم، يرون أنه عناد من أبوتريكة، وتلاعب بالسياسة، ويقولون إن وصوله لمنبر الجزيرة، ليس صدفة، بل لعله من أمور المكايدة السياسية.

9