أبوجهاد الهاشمي وزير وزراء العراق

الظهور في وسائل الإعلام، أمر لا يفضله الهاشمي، فحس العمل السري الذي تشبع به، خلال وجوده في منظمة بدر، حصّنه من الحاجة إلى التواصل مع أي جمهور. 
الخميس 2019/08/15
رجل "بدر" وذراع إيران الضاربة

بغداد – بعدما تحول من زعيم ميليشيا مسلحة تنشط في الميدان، إلى مدير لمكتب رئيس الوزراء، وهو منصب، في نظام المحاصصة العراقية، ينافس رئيس الحكومة على بعض صلاحياته، بات أبوجهاد الهاشمي، أكثر الشخصيات التي يتردد ذكرها في كواليس السياسة العراقية منذ شهور.

ومنذ رحيل طارق نجم، السياسي الشيعي المقرب من إيران، عن منصب مدير مكتب رئيس الوزراء، بعد نهاية الولاية الأولى لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، العام 2010، لم تصل شخصية مهمة إلى هذا الموقع، حتى طرح اسم أبي جهاد.

لعب نجم أدوارا محورية في ضمان الولاية الثانية للمالكي بين 2010 و2014، بعدما رفض عرضا إيرانيا بترشيح نفسه لمنصب رئيس الوزراء، وفاء منه لزعيم ائتلاف دولة القانون، حينها.

يمنح نظام المحاصصة، مدير مكتب رئيس الوزراء، وهو بدرجة وزير وفقا للقانون العراقي، صلاحيات واسعة، كثيرا ما كانت موضع جدل، لكنه يستوجب أيضا أن يكون شاغل هذا المنصب من غير الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء، لضمان دور الرقيب. وبالرغم من أن المالكي حطم أسطورة

الرقابة خلال ولاتين متصلتين، إلا أن النموذج فرض نفسه في ولاية عبدالمهدي الحالية، بوجود أبي جهاد، الذي تجتاز صلاحياته كثيرا دور الرقيب الذي يفترض أن يلعبه.

يحمل أبوجهاد الهاشمي كنية قد تسبب الذعر في الولايات المتحدة والغرب، لأنها تذكر بالكنى التي كانت شائعة في صفوف قيادات منظمة التحرير الفلسطينية خلال حقبتها الأولى، التي تخللها الكثير من أعمال العنف والنضال الدموي، فضلا عن الكنى التي استخدمها تنظيما القاعدة وداعش لتسمية القادة والمقاتلين فيهما.

لعل أشهر من حمل هذه الكنية، هو الفلسطيني خليل الوزير، أحد الكوادر المرموقة في حركة فتح وجناحها العسكري، الذي اغتيل في تونس العام 1988، بعدما ارتبط اسمه بتنسيق عمليات دموية خلال النزاع العربي الإسرائيلي بشأن فلسطين.

وبخلاف الفلسطيني، الذي عرف قطبا سياسيا لامعا في زمنه، لا يتحلى أبوجهاد العراقي بخيال واسع. ومن تعامل معه عن قرب، يقول إنه ساذج في بعض تصوراته السياسية، لكنه يملك ما يكفي من ثقة إيران، لإمرار أوامره.

لحظة الصعود

الهاشمي يحتكر حق تزكية جميع المرشحين لشغل الحقائب الوزارية، بعدما قبض على منصب كبير مفاوضي عبدالمهدي مع الأحزاب السياسية، لتتجاوز صلاحياته كثيرا دور الرقيب الذي يفترض أن يلعبه.
الهاشمي يحتكر حق تزكية جميع المرشحين لشغل الحقائب الوزارية، بعدما قبض على منصب كبير مفاوضي عبدالمهدي مع الأحزاب السياسية، لتتجاوز صلاحياته كثيرا دور الرقيب الذي يفترض أن يلعبه.

لا يحمل الرجل الكثير من الشهادات الجامعية، على غرار بعض مجايليه من الساسة والمسؤولين العراقيين، الذين يستعرضون شهاداتهم الجامعية بسبب وبلا سبب، بالرغم من الحديث الواسع عن أن معظمها مشترى. ومع ذلك يجلس أبوجهاد خلف رئيس الوزراء، ويراجع الكثير من قراراته.

  معروف عنه أنه لا يفضل الظهور في وسائل الإعلام، فحس العمل السري الذي تشبع به، خلال وجوده في منظمة بدر، حصّنه من الحاجة إلى التواصل مع أي جمهور. وعندما تضع اسم هذا الرجل في محركات البحث على الإنترنت، لا تظهر لك الكثير من المعلومات والصور.

وبالرغم من أنه مواكب لتحركات رئيس الوزراء الميدانية، لم تظهر له صورة واحدة، أو شريط فيديو، منذ تسنمه مهام عمله، وحتى الآن.

لا تعرف بالضبط، اللحظة التي دخل فيها الهاشمي عالم السياسة و”الجهاد”، لكن أبا جهاد صار رقما صعبا مع دفع منظمة بدر، بقاسم الأعرجي، ليكون وزيرا للداخلية في الحكومة السابقة، بعد استقالة زميله محمد الغبان منها، في منتصف ولاية رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، تقريبا.

في تلك اللحظة، كانت المعركة ضد تنظيم داعش لم تحسم بعد، وكانت منظمة بدر التي ينتمي إليها أبوجهاد، تمارس أدوارا قيادية ضمن قوات الحشد الشعبي، التي تمارس إيران نفوذا كبيرا على بعض فصائلها.

في لحظة خروج الأعرجي، الذي يوصف بأنه القائد الميداني لمنظمة بدر، إلى النور وزيرا، صار المجال واسعا أمام الهاشمي، ليشغل منصب الرجل الثاني في منظمة بدر، بعد زعيمها هادي العامري، إذ يبدو أنه يجيد هذا الدور، والدليل حيازته صفة “الرجل الثاني” في مكتب رئيس الوزراء العراقي، بعد عادل عبدالمهدي نفسه، بنجاح كبير، حتى الآن.

تسويق عبدالمهدي

ضباط عراقيون كثر يقولون إن الهاشمي لديه تخويل من عبدالمهدي لتحريك أي قطاعات عسكرية في طول البلاد وعرضها، فيما يكشف مسؤولون في وزارة المالية أنهم يراجعون سياسة العراق المالية، مع الهاشمي وحده.
ضباط عراقيون كثر يقولون إن الهاشمي لديه تخويل من عبدالمهدي لتحريك أي قطاعات عسكرية في طول البلاد وعرضها، فيما يكشف مسؤولون في وزارة المالية أنهم يراجعون سياسة العراق المالية، مع الهاشمي وحده

استغل الهاشمي المنزلة الكبيرة التي حازتها منظمة بدر خلال الحرب على داعش، لتعزيز حضوره في الأوساط السياسية، وعندما قرر الحشد الشعبي أن عبدالمهدي هو المرشح الأنسب لتولي منصب رئيس الوزراء، كان أبوجهاد حاضرا لتسويقه.

في هذه اللحظة، فهم كل من له علاقة بلعبة السياسة في العراق، حجم الثقة التي تضعها إيران في الهاشمي، لتمنحه لقب “صانع الحكومة”.

لم يقتصر دوره على تسويق عبدالمهدي لدى مختلف الكتل، بل احتكر شخصيا حق تزكية جميع المرشحين لشغل حقائب وزارية، بعدما قبض على منصب كبير مفاوضي عبدالمهدي مع الأحزاب السياسية.

ويرى بعض المطلعين على كواليس السياسة في العراق، أن الهاشمي، ربما يكون هو رئيس الوزراء الفعلي في العراق، وأن عبدالمهدي يكمل المشهد العام، ليس إلا. يقول ضباط عراقيون في المؤسسة العسكرية، إن الهاشمي لديه تخويل من عبدالمهدي لتحريك أي قطاعات عسكرية في طول البلاد وعرضها، فيما يقول مسؤولون في وزارة المالية العراقية، إنهم يراجعون سياسة البلاد المالية، مع مدير مكتب عبدالمهدي، فحسب.

يرى كثيرون، أن وجود هذا النوع من الرجال في أعلى هرم القيادة العراقية، يشي بأزمة حقيقية، فكيف لمسؤول يوصف بأنه الرجل الثاني في الدولة، أن يتستر خلف كنية تعود إلى عصر العصابات السرية، ويقود عملية تصنيع سياسة الدولة في غرف سرية.

من الميدان إلى أجهزة الدولة

شهدت الأيام الماضية جدالا حادا حول دور الحشد الشعبي في العراق، بعد أن أكدت مصادر أمنية عراقية أن الانفجار الذي وقع في معسكر الصقر جنوبي بغداد قبل أيام، ناجم عن قصف نفذته طائرة مجهولة من خارج المعسكر الذي يضم أربعة مقرات لألوية تابعة للحشد الشعبي، من بينها منظمة بدر وجند الإمام وكتائب سيد الشهداء.

و كانت مخازن الحشد العشبي المستهدفة تحتوي على كميات كبيرة من الصواريخ والقنابل. وإثر الانفجار طالب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي محمد رضا آل حيدر بحصر السلاح في يد الدولة وإبعاد المعسكرات غير الرسمية الموجودة ضمن المناطق السكنية.

وشدد في بيان له على أن تتحمل الحكومة المسؤولية باتخاذ الإجراءات الكفيلة بنقل هذه الأسلحة المكدسة إلى خارج الأحياء السكنية، ليس فقط في بغداد وإنما في كافة المحافظات. وكانت وزارة الصحة العراقية قد أعلنت، الثلاثاء، عن ارتفاع حصيلة ضحايا حادثة الانفجار إلى قتيل واحد و29 مصابا، جراء انطلاق وسقوط قذائف هاون على مناطق آهلة بالسكان. وقال المتحدث باسم الوزارة سيف البدر في بيان إن “حصيلة ضحايا انفجار مخزن العتاد في معسكر تابع للحشد الشعبي بمنطقة الدورة ببغداد، ارتفعت إلى شهيد و29 مصابا”.

ولا يزال الحشد العشبي يشكل حالة استثنائية داخل كيان الدولة العراقية، وليس فقط ضمن المشهد العسكري العراقي، ففي أوائل يونيو 2014، أصدر المرجع الديني الشيعي آية الله علي السيستاني فتوى تدعو كل من يستطيع حمل السلاح إلى التطوع ضمن صفوف تشكيل عسكري غير نظامي يهدف إلى قتال تنظيم داعش الإرهابي، وأعلن السيستاني حينها، التعبئة الشعبية تحت بند “الجهاد الكفائي”. وهكذا ظهرت إلى الوجود فصائل عسكرية عرفت باسم “وحدات الحشد الشعبي”، أسبغت عليها شرعية العمل، مباركة من مكتب رئيس الوزراء العراقي.

وحتى خريف العام 2016 كان تنظيم داعش قد احتل مساحات كبيرة من العراق، تشمل مدنا ومحافظات عديدة، أبرزها مدينة الموصل التي أعلنت الحكومة العراقية وقتها شن حملة واسعة لاستردادها، وكانت تلك فرصة الحشد الشعبي للبرهنة على حضوره داخل الساحة العراقية. ويضم الحشد الشعبي فصائل مسلحة مختلفة، من بينها فصائل سنية وأخرى مسيحية، كما يضم قادة سياسيين بارزين من بينهم هادي العامري، الوزير السابق والأمين العام لمنظمة “بدر”، وأبومهدي المهندس رئيس هيئة الحشد الشعبي، وفالح فياض رئيس هيئة الحشد الشعبي ومستشار الأمن الوطني العراقي. ويبلغ عدد قوات الحشد الشعبي ما يربو على 130 ألف مقاتل، منتظمين في 45 فصيلا، ينتسب إلى منظمة بدر 24 ألف مقاتل منهم، بينما تشارك كتائب حزب الله العراقي بأكثر من 8 آلاف مقاتل.

أما سرايا السلام فتحضر بـ6 آلاف مقاتل، بينما تزيد “عصائب أهل الحق” على ذلك بـ10 آلاف مقاتل. ويعترض كثير من العراقيين على شرعنة الحشد الشعبي بقانون تم التصويت عليه، معتبرين أن ذلك كان تمريرا لقرار يفتح الباب أمام عسكرة العراق، لاسيما وأن الحشد الشعبي نسب إليه الكثير من الممارسات الطائفية ضد العراقيين السنة، على رأسها تعذيب وقتل المدنيين، ونهب القرى والمدن التي تم تحريرها من قبضة داعش، كما حدث في الموصل وتكريت والفلوجة والرمادي وغيرها. ومع نهاية شهر يوليو الماضي، انتهت المهلة التي حددها رئيس وزراء العراق عادل عبدالمهدي لانضمام فصائل الحشد الشعبي إلى القوات الحكومية.

وكان عبدالمهدي قد أمر بإغلاق جميع مقرات فصائل الحشد الشعبي في المدن وخارجها، وخيّر الفصائل بين الانضمام إلى قوات الأمن العراقية أو البقاء خارجها شريطة إلقاء السلاح، معتبرا أن الفصائل التي لا تعمل بتعليماته خارجة عن القانون. وبالفعل، تم الإعلان عن إلغاء مكاتب هيئة الحشد الشعبي في المحافظات كافة، وتحويل عناصرها وموجوداتها إلى الجهة المناسبة في الهيئة، وإزالة كل المسميات خارج سياق الأمر الديواني بما فيها مسمى الحشد العشائري. لكن يبدو أن الحشد الشعبي ينتقل الآن من كونه حالة عسكرية خارج سياق الدولة، ليصبح حالة سياسية تتغلغل ضمن أجهزة الدولة العليا ومراكز القرار، وهنا يبرز دور أبي جهاد الهاشمي كمثال ساطع.

 

12