أبوحالوب عراقي قضى أربعين سنة في مقهى دمشقي

لبيد رشيد أصبح حالة عراقية شهيرة الوسط الثقافي والاجتماعي العرقي والسوري معا حيث قضى أربعين سنة في مقهى الروضة بدمشق حتى صار جزءا من تاريخه.
الخميس 2018/04/05
أنا أنتظر كل شيء وأي شيء

دمشق- يداهمنا لبيد رشيد بشكلانيته الخاصة منذ اللحظة الأولى لمعرفته بجسمه الضئيل، ولهجته العراقية اللطيفة، التي مازالت طاغية على لسانه رغم مرور ما يقارب الأربعين عاما على وجوده في دمشق؛ فلا تكاد تغيب عبارة زين عيني عن لسانه، ولا تلبث الدهشة أن تتحول إلى حالة تشبه الهذيان بعد معرفة المزيد من جوانب حياة هذا العراقي، الذي دفع ثمنا غاليا في الغربة عن وطنه الذي غادره منذ عقود، “العرب” كان لها هذا الحوار مع المثقف العراقي لبيد رشيد في مقهاه الدمشقي.

سكن المثقف العراقي لبيد رشيد مقهى دمشقيا عريقا في قلب العاصمة، الذي يرتاده مشاهير الفن والسياسة والمجتمع في كل سوريا. ففي مقهى الروضة الدمشقي، الذي يبعد عشرات الأمتار عن برلمان سوريا، والقابع على باب أشهر سوق فيها؛ “الصالحية”، يجلس أبوحالوب (لبيد رشيد) أمام طاولته القريبة من باب المقهى، على يسار المدخل تماما، يدخل المقهى في التاسعة صباحا، ولا يغادره إلا في العاشرة والربع ليلا. ولا يخرج منه إلا ليتناول وجبة غدائه في مطعم قريب.

ذاكرة ثقافية

يعتبر أبوحالوب موعد قدومه للمقهى مقدسا، فلا يأتي متأخرا صباحا، ولا يذهب مبكرا ليلا. لبيد الذي أطلق على نفسه لقب أبوحالوب، بات حالة عراقية شهيرة في الوسط الثقافي والاجتماعي العراقي والسوري معا. فهو سفير كل العراقيين في سوريا، فما من زائر عراقي لدمشق إلا ويمر بطاولة أبوحالوب في المقهى الدمشقي العتيق، ليعرف منه بعضا من أخبار أهل العراق بالشام. فبعيد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وفد إلى سوريا وتحديدا دمشق، مئات الآلاف من العراقيين. والكثير منهم كانوا يزورون أبوحالوب. للاستفسار عن شخص أو مكان أو تأمين خدمة محددة. وكان أبوحالوب يخدم الجميع، ودون أي مقابل سوى مقابل كلمة “شكرا”.

عبر سنوات إقامته في دمشق والتي قاربت الأربعين عاما، لم تكن لأبوحالوب الرغبة في العودة إلى العراق أو مغادرة عن دمشق

أبوحالوب عراقي من ديالى، ولد عام 1958 ونشأ في بغداد، وكان وحيدا لأهله. والده ناشط يساري شيوعي ووالدته فنانة مسرحية عراقية، لقد نشأ مع جيل عراقي أمل في صناعة مستقبل جديد بوطنه، بعيدا عن التجاذبات والصراعات السياسية التي كانت فيه، وهذا ما دفعه إلى الانتساب مبكرا للحزب الشيوعي العراقي، وكان لتوتر الفضاء السياسي والأمني العراقي في تلك الفترة، تأثير كبير في حياته كلها، فقرر والداه خشية عليه من تبعات انتمائه السياسي وحراكه بين طلبة العراق، تسفيره إلى الاتحاد السوفييتي، عام 1975 لدراسة علوم الطباعة في مدينة لينينغراد التي صار اسمها لاحقا سان بيترسبورغ، وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. ومنذ ذلك التاريخ لم يعد إلى العراق، وبعد ثلاث سنوات من الدراسة في الاتحاد السوفييتي، توجه نحو سوريا، ليسكن في دمشق منذ عام 1979. وتبدأ روايته الشخصية في دمشق ومقهاها الشهير الروضة.

في دمشق، وفي مقهى الروضة تحديدا، صار أبوحالوب جزءا من تاريخ هذا المكان، الذي مرّ عليه مشاهير من العراق وغيره، ففي هذا المقهى مرّ يوما مظفر النواب، سعدون جابر، نصير شمة، جبر علوان، قيس الزبيدي، جواد الأسدي، كريم العراقي، فخري كريم، وأيضا صدام حسين وغيرهم. ولكن تبقى لأبوحالوب مكانة خاصة في وجدان رواد المقهى وخاصة من العراقيين.

لم يكن أبوحالوب زائرا للمقهى فحسب، بل كان أيضا مكتب خدمات متنقلا، للكثير من العراقيين الذين يبحثون عن شخص أو مكان، وكان محل أمانات، فكثيرا ما ترك أحدهم شيئا، أو مالا، أو كتبا أو أوراقا رسمية لكي يسلمها لعراقي آخر بمعية أبوحالوب في حال قدومه لاحقا. كذلك كان أبوحالوب متابعا نهما للحراك الثقافي في دمشق، فهو مرتاد دائم لكل المراكز الثقافية في العاصمة السورية؛ الأميركي والسوفييتي والإسباني والدانماركي والألماني.

أبوحالوب شخصية محببة للعراقيين الذين يقيمون أو يزورون دمشق، لذلك نجد كل المثقفين العراقيين والسوريين زوارا لطاولته، فهنا يمرّ محمد ملص، خليل صويلح، عباس النوري، سامر إسماعيل وسواهم. في جلساته العامرة بالشخوص والأحاديث، وعلى طاولته البسيطة، تحضر سير مشاهير الفن والسياسية، فبحكم موقعه الدائم في هذا المقهى كانت له ذكريات شخصية مع كتاب وسياسيين ومشاهير، فهو يتحدث عن جورج حبش، ونايف حواتمة، وخالد بكداش، ووزراء وكتاب وصحافيين من العراق وسوريا وتونس والجزائر، وغيرها. وتحفظ ذاكرته الكثير من القصص النادرة عن هؤلاء.

عن اسمه الذي اختاره يجيب أبوحالوب، كما يحب أن يُدعى، عن السبب في إطلاق هذا الاسم على نفسه، بأنه “اسم مرتبط بالخير، فالحالوب يسميه أهل الشام بحب العزيز، وفي اللغة العربية الفصحى البرد. الذي يهطل مع المطر أحيانا”.

وعن لبيد يقول “تابعت مرة معنى الاسم في قواميس اللغة العربية، فعرفت أن له أربعين معنى، بعضها أنه اسم للأسد وأيضا أشياء أخرى، ولكن المعنى الأقرب من اسمي هو من يلبد بشيء أي يتربص به”. يضحك، ثم يتابع “وأنا ألبد وأنتظر، أساسا ليس لدي شيء آخر أقوم به. فأنا ألبد منتظرا كل شيء وأي شيء”.

أبوحالوب شخصية محببة للعراقيين الذين يقيمون أو يزورون دمشق، لذلك نجد كل المثقفين العراقيين والسوريين زوارا لطاولته

السفر عن دمشق

عبر سنوات إقامته في دمشق والتي قاربت الأربعين عاما، لم تكن لأبوحالوب الرغبة في العودة إلى العراق أو مغادرة عن دمشق. ولكن يبدو أن الحياة تحمل دائما جديدها، فها هو يعلن وبشكل مفاجئ، أنه ينوي الآن السفر باتجاه أوروبا، قائلا “صار لا بد من التغيير، سأرحل على الأغلب إلى النرويج، ربما لبعض الوقت، سأجرب نمطا آخر من الحياة. هناك لي أهل سأذهب إليهم قريبا، وأجرب الحياة بينهم، علني أجد جديدا ما. وأتمنى أن أزور مجددا المدينة التي درست فيها منذ ما يزيد عن الأربعين عاما لينينغراد في روسيا، هي مدينة جميلة هادئة وديعة وناسها طيبون، كم أتوق إلى زيارتها مرة أخرى، وهي المدينة التي قضيت فيها أياما جميلة من عمري”.

بهذه البساطة، يريد أبوحالوب مجددا، حمل ذكرياته وما تبقى من أحلامه، ليطأ أرضا جديدة لينشأ فيها كما يقول طيفا جديدا من الذكريات. أما عن تفكيره بمسألة العودة إلى العراق، فهو يندفع بالجواب فورا “لا أفكر في ذلك الآن، لأن بغداد تغيرت، وتحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى تعود كعهدي بها، بغداد مدينة تضج بالجمال في ذهني، أخشى ألّا أراه كما كانت لو عدت إليها الآن، أنا الآن ابن دمشق، ولو سافرت فسأقصد أوروبا”.

كما حال معظم المواطنين العرب، لا يبدو أبوحالوب سعيدا بحال العالم العربي وما هو عليه من صراعات سياسية ودينية تجعله على صفيح ساخن، يدمّر فيه البشر والحجر. فالعالم العربي برأيه يعيش في ظل انتكاسات سياسية كبرى، ويرى أننا كمواطنين سوف نعيش في دهاليزها للعشرات من السنين القادمة. والخاسر الأكبر في هذه السياسات العقيمة والخاطئة، هي الأوطان بمجملها.

ويختم أبوحالوب بفكرة مباغتة “أوطاننا كانت خرائب جميلة، فصارت خرائب حقيقية. لذلك لا يفضل بعض الناس البقاء فيها ويلتمسون لأنفسهم آفاقا جديدة في بلدان أخرى، لأن أوطانهم لم تقدم لهم بسبب سياسييها المناخ الطبيعي لحياة طبيعية وكريمة”.

15