أبوظبي الشاعرة

الأحد 2014/05/04

تفتح أبوظبي عيون زائريها على شعريتها الفائضة بين البحر والرمال، تمنح قرائحهم فرصة للانطلاق نحو مجال فسيح من الأخيلة الجامحة، قلت لصديقي مساء: ألا ترى معي كم هي قريبة الكواكب من شاطئ الراحة؟ ثم أردفت: بل أعتقد أن العاصمة المذهلة هي التي ترتفع نحو النجوم لتعانقها في لحظة من العشق الحييّ المثقل بالأساطير الساحرة.

أعتقد أن كل من يزور أبوظبي يدرك معنى أن تُهَندَس مدينة في شكل قصيدة ذات تصوير باهر، وإيقاع ساحر منه ما هو ظاهر في العمران ومنه ما هو ساكن في قلوب الناس، ومن القصيدة تتسع دائرة بوح الشعراء في أبوظبي، بين نبطيّ وفصيح، من “شاعر المليون” إلى “أمير الشعراء” ومسابقة “البردة”، إلى أكاديمية الشعر، ووكالة أنباء الشعر، إلى استقبال المتنبي بعد طول سفر، إلى إحياء المعلّقات، ونشر “ديوان العرب”، وجمع تراث الشعراء المعمرين قبل الإسلام، إلى ترجمة الشعر العالمي ورصد التجارب الشعرية الإنسانية الرائعة، إلى ربط الأجيال بتراث الآباء والأجداد عبر النشر والتوزيع والتكريم وتنظيم الملتقيات والمهرجانات والمسابقات.

تتحوّل أبوظبي إلى حاضنة أصيلة للشعر خليجيّا وعربيا وإنسانيا، يتخذّ الشعر فيها ومنها وجوها وأشكالا ومنازل مختلفة، فحيثما هناك إلهام وإبداع وجمال هناك شعر، وهناك شاعرية، وهناك حبّ يزهر من عيون الناس، والحب كالشعر كالجمال: أبواب للجنّة المشتهاة، والجنّة لها طريق موصل من أبوظبي.

وعبر تاريخها الضارب في القدم ومنذ عنترة ابن شداد وقبله، كانت صحراء إمارة أبوظبي الممتدة مزرعة للنجوم والقصائد وصهيل الخيل، وقلّ وندر أن كان أحد حكّامها من غير الشعراء، ويكفي المرء أن يطّلع على ديوان زايد، ليدرك سرّ العلاقة بين أبوظبي والقصيد، وكيف أن الشعر لا ينفصل عن الفروسية والحكمة والبطولة والعطاء والإنجازات، وجميعها من مميزات العاصمة الشاعرة، العاصمة/ القصيد.

والشعر صنو المجد ورديفه، يجتمعان دائما في سجايا الفارس، ويتخذان من أبوظبي الخيمة والراية والشموخ.

24