أبوظبي تستعيد المتنبي ليملأ الدنيا ويشغل الناس

الاثنين 2014/04/28
احتفاء معرض أبوظبي الدولي للكتاب بالمتنبي احتفاء بهويتنا العربية

جاء اختيار معرض أبوظبي للكتاب الذي تنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة للشاعر العربي أبي الطيب المتنبي محورا رئيسا لدورته الـ24 اختيارا موفقا يحمل في طياته الكثير من الدلالات والأبعاد للحركتين الثقافية والإبداعية. وهو الأمر الذي نوّه بوجاهته كتاب ومبدعون عرب في هذا التحقيق.

المتنبّي الذي شكل علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي، لا يزال إبداعه محلَّ عطاء ثري للشعرية العربية الراهنة في مختلف أجيالها، بل إن قصائده ظلّت مثار اهتمام النقاد والدارسين. وهو أمر حفز منظمي معرض أبوظبي للكتاب لتكريمه، ومن خلاله يكرّمون الشعر العربي عموما. وحول هذه الالتفاتة من المعرض إلى شاعر العربية واختياره محورا رئيسا لفعالياته وتخصيص جناح لنقاش ديوانه، مع إقامة احتفالية فنية تُغنّى فيها بعض أشعاره وتقرأ، سعت “العرب” إلى تعرّف آراء الشعراء في هذه البادرة الثقافية.


احتفاء بالشعر


يؤكد الشاعر البحريني الكبير علي الشرقاوي أن اختيار شخصية المتنبي “هو أحد الأمور الثقافية التي كنا ننتظرها منذ أن تعلمنا القراءة وتعرفنا على هذه القامة الشعرية الكونية الهائلة، وأرى أن تكون هناك العشرات من الدراسات والأفلام للتحدث عن هذه الشخصية، بالإضافة إلى أن يكون هناك عمل درامي تلفزيوني يطرح تجربة هذه الشخصية العبقرية والمثيرة للجدل”.

فيما يرى الشاعر المصري سمير درويش أنه يحسب لمعرض أبوظبي اختيار شاعر بحجم المتنبي ليكون محورا لدورته، ليس -فقط- لأنه أهمّ شعراء العربية عند أغلبية النقاد والشعراء على مرّ التاريخ، ولكن -أيضا- لأن الاحتفاء به احتفاء بالشعر الذي ظلمه الإعلام والدارسون والقراء لعقود طويلة، حتى لم يعد يحتل مكانته على قمة الأنواع الأدبية كما كان دائما، فتراجع، سواء مع قلة جمهور الأمسيات أو قلة توزيع الدواوين، حتى لكبار الشعراء.

محمد خضر: رمزية المتنبي تتجاوز دائما الشعري إلى مجالات مختلفة

ولعل هذا الحدث يكون بداية لإلقاء الضوء على الشعر وجمالياته ودوره الكبير في تطوّر الحياة. كما أن الجزيرة العربية كانت أرض الشعراء، وما زالت، ولعل الشعر هو مساهمتها الحقيقية في الحضارة الإنسانية، ولا بأس من التأكيد على ذلك والحفاظ عليه، وإعادة النظر إلى الشعراء العرب الكبار كل فترة، ويستحق أبو الطيب المتنبي أن يكون الأول، لأنه كان الأفضل دائما.

ويلفت الشاعر التونسي زبير العكاري أن تكريم المتنبي هو تكريم للشعراء جميعهم حداثيين وقدامى، ويقول “أبو الطيب المتنبي الشاعر الذي عاش عصره مازال يعيش عصرنا ومازالت كتاباته تنحت في صلب تكويننا النفسي والاجتماعي وهذه أكبر خصائص هذا الشاعر حيث أنه يعكس مقولة الشعر ديوان العرب لتكون مع المتنبي الشعر ديوان الإنسانية فمع أشعار المتنبي يتسع ظرفا الزمان والمكان لأبعد من أي قيد”.


منبع الأسئلة


يشير الشاعر المصري عزمي عبدالوهاب إلى أن المتنبي أعظم شعراء العربية رغم التحفظات على أفعل التفضيل، لكنه يمثل الشاعر الذي عاش حياته “على قلق كأن الريح تحته” كما قال هو، وهذه التمثيلات التي يجب أن يكون عليها الشاعر، وهو مفهوم حديث سبق إليه المتنبي، وأكده عبر شعره ومسيرته، يستحق أن يكون المتنبي محورا رئيسا في معرض أبو ظبي، لأنه حفظ للشعر مكانته، حين خيّر بين شعره وحياته، فاختار الشعر، عندما واجه خصومه الذين قتلوه كما يقال بنصف بيت من شعره. المتنبي سيرة حياة مليئة بالدراما والشعر والطموح، ويستحق أن يحتفى به كل عام.

ويؤكد الشاعر السعودي محمد خضر أن رمزية المتنبي تتجاوز دائما الشعري إلى مجالات مختلفة، فهو كناية عن عبقرية اللغة وفن الكلمات وحكاية الشاعر، إن تجاوز المتنبي المبكر وصوته الواضح والذي قاس الأوجاع والهموم الإنسانية ببراعة وبقسوة أحيانا يجعله دائما مثيرا للأسئلة ويضعنا دائما أمام قراءات وتصورات جديدة وكأنها وليدة اللحظة. فشكرا لأبوظبي التي تستعيده مجددا ليملأ الدنيا ويشغل الناس.

دارين قصير: هذا اﻻحتفاء يأتي تقديرا لمكانة المتنبي واهتماما بما قدمه عبر الزمان

وتقول الشاعرة اللبنانية دارين قصير إن هذا اﻻحتفاء يأتي تقديرا لمكانة المتنبي واهتماما بما قدّمه للشعر عبر الزمان، كما أن إدارة معرض أبوظبي الدولي للكتاب تدرك أن العودة إلى المتنبي والاحتفاء به لا تحتاج إلى أي ذريعة أو مناسبة، فهذا الشاعر الذي وصف أبو العلاء المعري ديوانه بـ “المعجز” ما زال حاضرا بشدّة على رغم مرور أكثر من عشرة قرون على رحيله، بل هو يزداد حضورا شخصا وشعرا، وكأن كل الشروح التي تناولت ديوانه وهي تربو على الخمسين منذ القرن الرابع هجريا أو العاشر ميلاديا لم تتمكن من كشف معانيه كافة أو إضاءة الأسرار التي تكتنفها صفحات هذا الديوان. أما شخصيته فلا تزال ملغزة بما أحاطها من ملامح وخصال لا تخلو من الإبهام أو الغموض.

هكذا تبدو العودة إلى المتنبي استعادة لشاعر استطاع ان يخرق جدار الزمن وأن يتخطى القرون المتوالية، فارضا نفسه في المعترك الشعري الراهن، المعاصر والحداثي، ومرسّخا شعريته التي لم تتأثر بما تعرضت له من حملات عدائية وبما واجهت من مواقف نقدية.


المتنبي وأحفاده


ويرى الشاعر المصري علي عطا أن الاختيار طيب بالتأكيد، نظرا إلى حضور أبي الطيب الذي يتحدّى عامل الزمن، وهو حضور مرتبط بمنجز يضعه في صدارة شعراء العربية الكبار.

كما أن سيرة أبي الطيب المتنبي تثير بغرابتها دهشة متجدّدة جيلا بعد جيل، فضلا عن أن ذلك الاختيار يصبّ في مصلحة الشعر، ديوان العرب، الذي توارى في السنوات الأخيرة أمام جنس أدبي آخر هو الرواية التي أتخمت اهتماما على حساب القصيدة والقصة القصيرة وغيرهما من ألوان الإبداع الأدبي.

علي الشرقاوي: المتنبي قامة شعرية لم تأخذ حظها في مجال الإعلام البصري

ويثني الشاعر اليمني محيي الدين جرمة على هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة ويقول إنها دأبت على أن تستحدث عناوين وأفكارا كسمات احتفائية لتظاهراتها الثقافية وهذا أمر طيب.

وأضاف محيي الدين جرمة قوله: «أرى أن خياراتهم في الترجمة خطت بصورة نوعية في مشروع “كلمة” وفكرة اختيار شخصية أبي الطيب المتنبي محورا رئيسا للمعرض أجدها تتناسب وشخصية المتنبي في الثقافة العربية، وعلاقة ذلك أيضا بمفهوم مركزية الشاعر في علاقة الخيمة بالثقافة وتجربة المتنبي تمثل أيضا في سياقها عنصرا فاعلا كتأثير “الميديا اليوم”، فقد كان بمثابة وزارة إعلام وشاشة بصرية تصور لحظاتها التاريخية وتحولات وثقافة مجتمعها، إذا ما نظر إلى شعرية المتنبي من زاوية “البعد الاجتماعي الأنتروبولوجي” ولم لا يكون دور الشعر في تاريخيته قد أدّى دورا “كوحدة بحوث ودراسات” لطبيعة وظواهر المجتمعات وبيئاتها وفرحها وترحها؟».

وتختتم الشاعرة الليبية فريال بشير الدالي بالقول “في الوقت الذي أحيّي فيه الجهود التي تسعى إلى نشر العلم والمعرفة، والثقافة، وإنعاش الذائقة للأدب خصوصا، أقول إن الاحتفاء بالثقافة، وثقافتنا الخاصة ذات الصلة بإبراز هوّيتنا العربية شيء جميل، وجميل أن نسمي أعراس الثقافة برموز من تاريخنا العربي الأصيل، ولا شكّ في أن الشاعر أبا الطيب المتنبي هو أحد أهم الشعراء العرب؛ ولكن حبّذا لو يتم الاحتفاء بكل الرموز على مرّ تاريخنا العربي، والالتفات إلى تاريخنا المعاصر الذي برزت فيه عديد الأسماء الشعرية المهمة”.

15