أبوعبيدة يوسف العنابي قيادي منعزل بنظر الفرنسيين رأس ثمين عند الأميركيين

أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب يخلط أوراق الساحل والصحراء.
الأحد 2021/06/06
من الرعيل الأول للجهاديين

بات القائد الجديد لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من أغلى الرؤوس المطلوبة للولايات المتحدة بعدما أعلنت واشنطن عن مكافأة مالية قدّرتها بسبعة ملايين دولار، لمن يدلها على معلومات دقيقة تقودها للقبض على الإرهابي أبوعبيدة يوسف العنابي، مما يوحي إلى أهمية ودور ووزن الرجل في تهديد الأمن الإقليمي والدولي.

ويعود بذلك أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى واجهة الأحداث الأمنية والعسكرية في المنطقة، خاصة في ظل تدهور الأوضاع بدولة مالي، وإمكانية وقوعها مجددا تحت قبضة التنظيم الجهادي، الذي بات يركز نشاطه في منطقة الساحل والصحراء.

وبمثل هذه المكافأة المغرية يكون أمير القاعدة تحت عيون كثيرة قد تسقطه إحداها، كما سقط قبله أسامة بن لادن رغم تجربته الميدانية وحسه الأمني، حيث أفلت في العديد من المرات من كمائن مؤكدة للجيش الجزائري، خاصة وأن التنظيم خبر التضاريس الصحراوية، وعلاقات اجتماعية تتشابك فيها لوبيات الجريمة المنظمة والتهريب مع العقيدة الجهادية لتنظيم القاعدة.

ويعدّ العنابي واسمه “مبارك يزيد”، أحد أبرز الوجوه الجهادية في الجزائر والمنطقة عموما، فهو من الرعيل الأول للجهاديين الذين سافروا إلى أفغانستان، وعاد إلى بلاده مع مطلع تسعينات القرن ليلتحق بصفوف الجبهة الإسلامية للإنقاذ مع بداية التعددية السياسية في الجزائر.

مسيرة دموية

طروحات العنابي تفضح مدى استغلال التنظيم الجهادي لانتفاضة الشعوب العربية ضد الأنظمة التسلطية، وسعيها لإعطائها محتوى إسلاميا يتماهى مع أفكار ومبادئ الأيديولوجيا الجهادية.
طروحات العنابي تفضح مدى استغلال التنظيم الجهادي لانتفاضة الشعوب العربية ضد الأنظمة التسلطية، وسعيها لإعطائها محتوى إسلاميا يتماهى مع أفكار ومبادئ الأيديولوجيا الجهادية

كان من مؤسسي الجيش الإسلامي للإنقاذ العام 1993، بعد التطورات التي شهدتها البلاد في أعقاب تدخل الجيش لإلغاء المسار الانتخابي الذي استحوذ عليه الإسلاميون آنذاك، وهو أيضا من مؤسسي تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والذي أعلن ولاءه للقاعدة العام 2006.

العنابي يحسب من بين القيادات المتشددة في التنظيم ويعرف بميولاته الدموية في التعامل مع خصومه، فضلا عن أنه أحد العقول المدبرة للتنظيم، حيث كان وراء العديد من العمليات الاستعراضية التي عرفتها الجزائر على غرار محاولة الاغتيال التي استهدفت الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة بمدينة باتنة بشرق البلاد، والتفجيران اللذان استهدفا مبنى ممثلية الأمم المتحدة وقصر الحكومة العام 2007.

وكان من المقربين من الأمير السابق للتنظيم أبومصعب عبدالودود (عبدالمالك دردكال)، وخلفه على رأس القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي العام الماضي، بعد العملية التي استهدفته في شمال مالي من طرف الجيش الفرنسي، وهو أحد مهندسي صفقة صوفي بترونين التي استفاد التنظيم فيه بنحو 30 مليون يورو، مقابل إطلاق سراح رعايا غربيين، فضلا عن استفادته من تحرير أكثر من 200 عنصر جهادي.

وساد الغموض حول مصير التنظيم بعد مقتل زعيمه التاريخي، غير أن العنابي اقتنص فرصة شبكة علاقاته الاجتماعية في إطار رئاسته لما يعرف بـ”مجلس الأعيان”، إضافة إلى عضويته في مجلس شورى القاعدة، ووظف تزكيته من طرف الأعيان، ليعلن نفسه أميرا على التنظيم خلفا لأبي مصعب.

ورغم أن المباركة من طرف القيادة المركزية والروحية لتنظيم القاعدة لتسمية يوسف العنابي أميرا لفرع المغرب الإسلامي كان يلفها الغموض، مما يوحي بأن الرجل لا يحظى بالإجماع لدى القادة الروحيين في أفغانستان، إلا أنه لم يحدث العكس، ليفرض بذلك نفسه كأمر واقع يستند في شرعيته على تزكية أعضاء مجلس الأعيان، وهو هيئة توجيهية واستشارية قادت ونفذت بدورها العديد من العمليات في مالي وبعض دول الساحل.

العنابي يعدّ من أبرز الوجوه الجهادية في الجزائر، فهو من الرعيل الأول للجهاديين الذين سافروا إلى أفغانستان، وعاد إلى بلاده ليلتحق بصفوف الجبهة الإسلامية للإنقاذ. (الصور من السوشيال ميديا)

ومن الشرق الجزائري انتقل إلى مالي مرورا بتونس، ليتم تركيز نشاط التنظيم في منطقة الساحل والصحراء، في إطار إستراتيجية جديدة موروثة عن الأمير السابق تستهدف تهيئة المناخ لاستقدام جهاديي القاعدة في سوريا والعراق، وتحويل القطب المركزي للقاعدة إلى المنطقة، في ظل الشيخوخة البشرية والعملية التي أصابته في أفغانستان.

وجاءت المكافأة المالية الأميركية الضخمة لتؤكد حجم الخطورة التي يشكلها العنابي على الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما كان قد تكرس في حكم قضائي جزائري بالإعدام صدر العام 2017، فضلا عن مذكرات توقيف دولية في حق المجموعة التي كانت تتكون من يوسف العنابي وعبدالودود وأربعة وعشرين آخرين نفذوا العديد من العمليات الاستعراضية ذات الصدى القوي، كما أدرج من طرف الولايات المتحدة في لائحة الإرهابيين المطلوبين العام 2015، ومن طرف الأمم المتحدة في نفس الخانة لاحقاً.

وفضلا عن دهائه وخبرته الميدانية فقد عرف العنابي بتحكمه في إدارة شؤون العلاقات العامة للتنظيم، فإلى جانب شبكة علاقاته الاجتماعية عبر مجلس الأعيان، فهو دائم الحضور في المنتديات الإعلامية التابعة أو المقربة من التنظيم وحتى في وسائل الاعلام.

واقع جديد

نقل عنه في أحد حواراته ردا عن سؤال عن الواقع الجديد الذي فرضته ثورات الربيع العربي قوله إن “الأحداث التي استهل على وقعها العام الجديد 2011 لهي بحق أحداث غير مسبوقة في عصرنا الحاضر من تاريخ أمتنا، فلم يتفق أن تزامنت في آنٍ واحد عدة ثورات في البلاد العربية، ومعلوم أنّ هذه الثورات هي صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تميزت به أمتنا المسلمة عن بقية الأمم، وهو فرض على كل مسلم”.

وأضاف قوله “لقد دلت هذه الثورات على أمور عدة منها أن ظلم هذه الأنظمة وفسادها وطغيانها قد بلغ مداه فصارت لا تطيقه حتى الشعوب المشهود لها بالصبر والقدرة على الاحتمال، فلم يعد ثمة ما يخشاه الناس بعد زوال الدين والدنيا، ومنها أن الأمة صار عندها من الفهم والوعي والإدراك ما يجعلها صعبة الانقياد على من أراد أن يستعبدها أو يعتدي على حقوقها”.

ويرى العنابي أنه إلى جانب بداية تبدّد الوهن من قلوب المسلمين، فإنهم خرجوا، حسب قوله “يبحثون عن الموت لتوهب لهم الحياة، وهم ينادون في ليبيا (ننتصر أو نموت)، وفي سوريا (الموت ولا المذلة)، فقد تبين للناس الآن أنّ الثورة على الظلم والظالمين وجهاد هذه الأنظمة وإسقاطها بكل الطرق المشروعة هو الحل، وأن الأمة إن لم تختر هذا السبيل عن طواعية، فرضته عليها هذه العصابات الإجرامية التي لا تتورع عن ارتكاب المجازر وعمليات الإبادة وإشعال نار الفتنة الطائفية والعرقية والتسبب في عودة الاحتلال”.

هل أخطأت فرنسا؟

واشنطن تعلن عن مكافأة مالية ضخمة لمن يدلها على معلومات تقودها للقبض على العنابي، مما يعكس دور الرجل في تهديد الأمن الإقليمي والدولي
واشنطن تعلن عن مكافأة مالية ضخمة لمن يدلها على معلومات تقودها للقبض على العنابي، مما يعكس دور الرجل في تهديد الأمن الإقليمي والدولي

يظهر من طروحات العنابي مدى استغلال التنظيم الجهادي لانتفاضة الشعوب العربية ضد الأنظمة التسلطية، وسعيها لاعطائها محتوى إسلاميا يتماهى مع أفكار ومبادئ الأيديولوجيا الجهادية، وهو ما حدث في تصريحات مماثلة حول دعم قادة التنظيم للحراك الجزائري في خطوة لأسلمة الاحتجاجات السياسية المستمرة في البلاد، ومنح ذريعة مجانية للسلطة لتضفي عليها الطابع الإرهابي، رغم أنها تتمسك بعدم الأدلجة ورفض كل محاولات الاستغلال والتوجيه.

وتزامن العرض الأميركي الضخم مع تطورات متسارعة في المنطقة أمنيا واستراتجيا بعد الانقلاب الذي نفذه العسكر المالي ضد السلطات الانتقالية، والارتباك الذي تعيشه فرنسا في المنطقة، وتهديدها بسحب جيشها في ظل مخاطر عودة الجهاديين للواجهة في باماكو، وغموض الموقف الجزائري، من إمكانية ارسال وحدات من جيشها للمنطقة في إطار مهام رسمية تشرف عليها الهيئات الإقليمية والدولية.

وحسب تقارير إعلامية متخصصة فإن لجوء واشنطن إلى دق ناقوس الخطر بحثاً عن العنابي لم يأت إلا بعد أن أثبت قدرة فائقة على إعادة إحياء فرع تنظيم القاعدة بمنطقة الساحل بشكل بات يهدد المصالح الأميركية في المنطقة المضطربة، لاسيما وأن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي تمكن من التمدد إلى دول أخرى ووصل إلى النيجر وبوركينا فاسو منذ تولي العنابي قيادة التنظيم الإرهابي، رغم التواجد الكثيف للقوات الأفريقية المحاربة للإرهاب بقيادة فرنسا.

وتضيف تلك التقارير بأن نجاح العنابي في إعادة جمع فروع التنظيمات الإرهابية المنتشرة في شمال مالي تحت لواء القاعدة، وتكثيف عملياته الإرهابية ضد جنود من جيوش المنطقة بالأشهر الأخيرة، وبناء علاقات اجتماعية مع لوبيات الاتجار في السلاح والمخدرات والهجرة السرية التي يستحوذ عليها كبار القبائل في المنطقة، كل تلك المعطيات راوغت قراءات سابقة، وصفته بـ”القيادي المنعزل” و”رجل الدين الزائف” وذكرت بأن علاقات العنابي مع سلفه ربما كانت متوترة، وهي علامة أخرى محتملة لانقسامات إستراتيجية في صفوفه، ويعقد علاقات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مع حلفاء له في المنطقة، وأبرزهم الأقرب إياد أغ غالي أحد قادة الطوارق الذين ثاروا ضد حكومة مالي في تسعينات القرن الماضي ولديه جماعة متطرفة.

ولفتت إلى أن توترات دائمة تدب بين المقاتلين على الأرض في شمال مالي، وبين أمير منعزل للغاية من تنظيم القاعدة، وأنّ تحركات العنابي الأولى ستكون أساسية لتحديد كيفية رغبته في تموضع جماعته، في وقت تواجه فيه الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة مقاتلي تنظيم داعش الذين يتنافسون أيضاً على النفوذ.

8