أبوعمر.. من محام يدافع عن الفقراء إلى قناص بعيني نسر

مسلسل مقتبس عن رواية دون التصريح بذلك، وأبوعمر المصري شخصية عجيبة استخرجتها الدراما من رواية عزالدين شكري فشير المثيرة.
الجمعة 2018/06/29
مصير مجهول في الصحراء

يعتبر مسلسل "أبو عمر المصري" الذي تابعناه خلال شهر رمضان الماضي، واحدا من الأعمال التفلزيونية المقتبسة بشكل صريح عن جنس أدبي، تحديدا الروائي، رغم ذلك لم تشر صراحة تترات العمل إلى الرواية التي اقتبس منها والتي عنونت بنفس العنوان، ولا يعرف المشاهد سببا لذلك، إلا أن معظم الحوارات واللقاءات التي أجريت سابقا ولاحقا مع صّناع العمل، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن مرجعيته تعود إلى رواية “أبوعمر المصري” للكاتب عزالدين شكري، ولا يتوقف الأمر على مجرد التشابه في العنوان فحسب.

اقتباس مخفي

لسنا هنا بصدد المقارنة ما بين العمل الأدبي والدرامي، سواء من حيث البناء أو المعالجة التي اقتربت إلى حد كبير من الرواية وشخصياتها وتفاصيلها الدرامية. وقد ظهر سيناريو المسلسل أمينا إلى حد كبير للرواية، رغم الاختلاف الواضح في بعض النقاط التفصيلية والتي من شأنها ان توجه دفة العمل الدرامي وبطله إلى مكان مختلف عما أراده الكاتب من روايته، ولكننا أمام الرواية ذاتها التي تعتبر واحدة من سلسلة رويات للكاتب الذي ذاع صيته لدى الأوساط الأدبية المصرية وخاصة عند شريحة الشباب.

سيناريو المسلسل ظهر أمينا للرواية، رغم الاختلاف الواضح في بعض النقاط التفصيلية والتي من شأنها ان توجه دفة العمل
 

فعزالدين شكري فشير كاتب وروائي مصري، ولكنه قبل كل ذلك رجل سياسة ودبلوماسي، تسنى له عبر رحلة عمله الدبلوماسية أن يشغل منصب المستشار السياسي لمبعوث الأمم المتحدة في السودان، تحديدا خلال فترة مفاوضات السلام بين الشمال والجنوب، ومن خلال ذلك المنصب تابع ملف دارفور.

الأمر الذي شكل له في حدّ ذاته فرصة كبيرة كسياسي بالدرجة الأولى وككاتب وروائي بالدرجة الثانية للاطلاع على ملفات وبيانات صادرة عن بعض التنظيمات العربية المقاتلة حينها في السودان وأفغانستان، لتكون مصدرا ملهما له في كتاباته الروائية، ولكن عزالدين شكري لم يشر إلى ذلك صراحة، بل حصل العكس، حيث أشار في نهاية روايته “أبو عمر المصري” إلى أن الأحداث في مجملها قائمة على خيال محض، باعتبار أنه يكتب رواية لها علاقة بالواقع، لكنها ليست بالتأكيد توثيقا لأي من الوقائع التي اقتربت منها.

إن رواية “أبو عمر المصري”، التي كتبها فشير في العام 2009 ونشرتها دار الشروق في العام 2010 أي قبل ثورة يناير في مصر 2011، واعتبرها البعض رواية سياسية، لم تكن الرواية الأولى التي يتطرق فيها عزالدين شكري إلى موضوع التنظيمات الإرهابية، فقد سبق له وأن كتب عن فخرالدين رواية بعنوان “مقتل فخرالدين” ونشرت في العام 1995، والروايتان فيهما خطوط تماس كبيرة على اعتبارهما يدوران حول نفس الشخصية، فمن هو أبوعمر المصري الذي شغل بال الروائي لأعوام، وأصبح بطلا لعمل درامي من 30 حلقة؟

المصير المجهول

قصة محام تروى على التلفزيون
قصة محام تروى على التلفزيون

هو فخرالدين، الشاب المحامي الذي يعمل برفقته ثلة من أصحابه المحامين في الدفاع عن قضايا الناس المساكين، وهذا الأمر يدفع أحد أجهزة الأمن لاغتياله، ولكن الرواية تقول إن عيسى ابن خاله الذي خرج من المنزل بدلا منه هو الذي اغتيل، ليبقى فخرالدين طليقا، رغم أنه ليس حرا، ولينتحل شخصية ابن خاله ويسافر بدلا منه إلى فرنسا، في إشارة واضحة من الكاتب، إلى ما حدث سابقا زمن النبوة حيث نام علي كرم الله وجهه في سرير النبي محمد، لكن المشركين المتربصين به لم يقتلوه بعدما اكتشفوا هويته، بينما في حالة فخرالدين، استطاع النجاة عبر الخدعة.

يسافر فخرالدين هاربا، إلى فرنسا أو بلجيكا حسب العمل الدرامي، ولكنه يفشل في الدراسة ويخسر المنحة، وحين يلتقي بحبيبته السابقة هناك، تعود لتنشأ بينهما علاقة حب من جديد، ويرزقان بابنه عمر الذي تشاء الأقدار أن تفارق والدته الحياة حتى قبل أن تراه، ومنذ تلك اللحظة تبدأ رحلة فخرالدين إلى السودان، ليصبح واحدا من أعضاء التنظيمات الإرهابية، يشارك في عملياتهم كقناص بعيني نسر.

 يعود فخرالدين لاحقا إلى مصر ليعمل كسائق تاكسي وقد سوّى أموره مع الأمن وأصبح مراقبا تحت أعينهم، ولكنه في المقابل مازال رجلا حاقدا على كل الأشخاص الذين كانوا سببا في دماره وملاحقته وموت أقرب الناس إليه، ابن خاله والبعض من أصحابه، فينتقم منهم واحدا تلو الآخر.

قسم الكاتب نهاية الرواية إلى سبعة فصول هي على التوالي “النسر، بين السرايات، سان دوني، العمارات، وادي بانجيشير، الخط الأحمر وصحراء النسر”، على أساس ارتباطها بحياة البطل فخرالدين، أو أبوعمر المصري كاسم حركي له، لكن هذه النهاية لم تأت كما هي متوقعة، وخاصة أن الكاتب بدا متعبا هو الآخر، مثل أبوعمر وابنه، في رحلة عودتهما التي لم يشأ خياله أن ينهيها، بل وأكثر من ذلك بدا متطرفا إلى درجة أنه اعتبر إحدى الشخصيات النسائية الرئيسية هند التي مرت بحياة فخرالدين وكانت العقل المدبر له في عملياته الانتقامية بمصر، مجرد خيالات لا وجود لها، وترك نهاية الرواية مفتوحة، بحيث يتساءل القراء هل وصل أبوعمر إلى شاطئ الأمان وبرفقته ابنه، أم أنهما تاها في تلك الصحراء وماتا، أو مات أحدهما؟

 الرد على هذا السؤال يأتينا بعد سنوات وتحديدا في العام 2017، عبر رواية عزالدين التي نشرتها له دار الكرامة بعنوان “كل هذا الهراء” والتي تدور أحداثها حول عمر ابن فخرالدين، والتي يشير في مقدمتها إلى أن عمر اتصل به في إحدى ليالي صيف 2016، ليخبره عن حكايته التي يودّ نشرها كرواية، والتي تعتبر وسيلة استخدمها الكاتب ليس فقط ليعرفنا بمصير أبوعمر وابنه، بل ليحكي لنا عن مصر ما بعد 2011.

14