أبومازن: الخروج السالم مع نهاية مسار السلام

الظروف والسياقات وطبيعة الفاعلين الجدد في عواصم القرار الأميركي لم تعد مواتية لبقاء أبومازن على رأس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.
الجمعة 2018/03/09
أبومازن اختار الانسحاب الهادئ

هناك سياسيون يختارون مغادرة الساحة السياسية رويدا رويدا، ويجتابون إغلاق مرحلتهم النضالية على غرار ستائر السينما والمسرح التي تنغلق بهدوء مع إتمام الفصل الفني.

يختار اليوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الانسحاب الهادئ والآمن من مشهدية سياسية معقّدة التفاصيل ومتداخلة الملفات وكثيرة الاشتباكات. وسواء اختار أبومازن بوابة المرض أو مبرر الطعن في السن، فإن حقيقة واضحة للعيان قوامها أن الظروف والسياقات وطبيعة الفاعلين الجدد في عواصم القرار الأميركي، لم تعد مواتية لبقاء أبومازن على رأس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

والحقيقة أن مرض التيبّس والشلل ضـرب القضية الفلسطينية في الصميم، وعضال السكتة القلبية اخترق مسار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية والتي عادت اليوم جثة هامدة ممدودة على سرير الموت، يستنكف القريب قبل البعيد إعلان وفاتها، ويرفض البعيد قبل القريب نزع آلات الشحن والدفق العاملة على الإلهاء بأوهام الحياة.

كانت كلمات أبومازن في اجتماع المجلس المركـزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، أقرب ما يكون إلى “خطب الوداع” السياسي وتوديع الرفاق والأصدقاء، أكثر منها خطابات سياسية تقدم الحرير وتلوح بالحديد، وترمي بذكاء بالمضامين والرسائل السياسية للفاعلين الإقليميين والدوليين، وتشير بطرف خفي إلى “الغرماء” من أبناء الوطن الذين استوطنوا غزة، بدل محاربة الاستيطان الزاحف على الضفة الملتهم للقدس الشرقية.

فلأوّل مرة تقريبا، يفتح الدبلوماسي الذكي والحصيف والأكاديمي المتوازن، (حاصل على الدكتوراه في التاريخ) النار على تل أبيب وواشنطن، ولأول مرة يتحدث بجرعة زائدة عن الضغوط الإقليمية، ولأول مرة أيضا يحرق قوارب العودة مع البيت الأبيض، فلا لقاءات علنية أو سرية مع المبعوث الرسمي لدونالد ترامب أو مع مبعوثيه السريين وما أكثرهم.

وفي الوقت الذي كانت فيه مندوبة واشنطن في منظمة الأمم المتحدة، نيكي هايلي، تعلن فيه عن قرب إتمام صفقة القرن كان الرئيس أبومازن يعلنها باللكنة الفلسطينية “إلي موش راضين بيه موش حنوافق عليه”.

ربط أبومازن دوره السياسي والتاريخي بإنهاء إبرام اتفاق تسوية مع إسرائيل على ضوء حدود 1967، وفي التوقيت الذي تيقن فيه أن العواصم تغيرت تفكيرا وسياسة عن تلك التي وقعت اتفاق أوسلو 1993، وأنّ رجالات أوسلو ذهبوا حقيقة ورمزا، اختار أن ينزوي عن المشهد بذات الهدوء الذي دلف به القضية الفلسطينية.

حافظ أبومازن على تمايزه عن كافة الأطراف المتقابلة والمتضادة والمستثمرة في القضية الفلسطينية، شعارا أو لصيقة من حيث الخطاب، تمايز عن "محور المقاومة"

منذ سنة تقريبا دق المستشار السياسي الأردني والسفير السابق مروان المعشر ناقوس الخطر حيال مسار التسوية وحيال الأردن أيضا التي تحتوى ويتحمل جزءا من تعقيدات القضية الفلسطينية ديموغرافيا ودينيا.

ما أعلنه المعشر أمس استشفه أبومازن اليوم، فالنخبة السياسية في إسرائيل تمثل “تطرّف التطرّف” والخيارات صارت بين يمين ديني ويمين قومي، وثلاثية نتنياهو وليبرمان وليفينت، من الواضح أنها ثلاثية الإجماع السياسي والعمق المجتمعي الإسرائيلي.

وحيث أن الترويكا الحاكمة في الكيان الصهيوني تتحدث بكل صفاقة عن خيار “الدولة النصف” و“الدولة الفلسطينية الناقصة”، عوضا عن حل الدولتين، وحيث أن هناك رباعية لا تقل تطرفا عن مثيلاتها في إسرائيل موجودة في واشنطن من خلال مايك بينس وجريس غرينبلات وديفيد فريدمان وجاريد كوشنير، لم تكلف نفسها عناء تضمين عبارة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 أو ذكر متلازمة “حل الدولتين” في خطابها السياسي والدبلوماسي، وبالتأكيد فإن خيار تصفية التسوية بات الأقرب إلى عقول وألسنة ساكني واشنطن وتل أبيب.

غير أن الخروج الهادئ لعباس، صار فرضية راجحة بعد أن جال في عواصم القرار الأوروبي والأفريقي والآسيوي مستجلبا فاعلين جددا ومستدرا بدائل للوسيط الأميركي. جاء الرد الروسي ضعيفا، حيث أنّ فلاديمير بوتين يريد سوريا أولا ويتفادى الصدام مع واشنطن في شرق نهر الفرات، فما بالنا بدخول على ملف تعتبره واشنطن عمقها الاستراتيجي.

مثل موسكو تحدثت باريس وبرلين بلسان واحد، انتظروا منا دعما سياسيا ولوجيستيا ولكن دون ضغط على تل أبيب أو مكاسرة في وجه واشنطن، فقضايا التباين الأوروبي الأميركي كثيرة وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، وإن خاضت بروكسل اليوم حرب إدامة الاتفاق النووي ضد أميركا فلا داعي لجلب ملف ثان يحوّل الخـلاف إلى تناقض وتضـاد أوروبي أميركي.

أمّا أفريقيا التي تحدّث إليها أبومازن في قمتها الأخيرة، فلم تعد أفريقيا جمال عبدالناصر ولا هواري بومدين بعد أن تغلغل الوجود الإسرائيلي في الكثير من عواصمها وباتت الأسواق الإسرائيلية ورجال الأعمال الصهاينة قوة تغيير ناعمة للسياسات والتوجهات.

في مقابل ذلك، كان الأداء العربي الضعيف والعاجز عن اتخاذ موقف حقيقي ضد إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، بل واختيار شهر مايو شهر النكبة العربية والاستقلال الصهيوني لتدشين السفارة، أبرز رسالة لساكن رام الله أنّ جزءا كبيرا من العرب قلوبهم مع الفلسطينيين وسيوفهم مع ترامب.

مكامن اللوم على أبومازن أكثر من أن تعد، ولكن الحقيقة أن الرجل كان منسجما مع أدائه وتفكيره وخطابه طيلة نصف قرن من العمل السياسي. فالرجل كان ولا يزال مؤمنا بالتسوية وبمسار السلام وبخيار المقاومة الشعبية غير العنيفة، ولا أدل على كلامنا من رفضه الانخراط في محور “طهران دمشق بيروت الجنوبية”، في زمن اللابدائل واللاخيارات أيضا وتفصيله الانسحاب بهدوء.

حافظ أبومازن على تمايزه عن كافة الأطراف المتقابلة والمتضادة والمستثمرة في القضية الفلسطينية، شعارا أو لصيقة من حيث الخطاب، تمايز عن “محور المقاومة” فـرفض السـلاح ومعه التنـاقض الاستراتيجي مع إسرائيل، واختلف عن “محور تل أبيب وواشنطن” فرفض الانصهار مع مقولة الدولة الموهومة والتسوية الملغومة. وبمغادرته يطرح ألف استفسار عن خليفته في المسيرة والمسار، وعن التوجهات المقبلة للسلطة الفلسطينية في ظل تعدد الخيارات وكثرة الوكلاء.

9