أبومازن وأفريقيا.. رحلة البحث عن بدائل

الثلاثاء 2018/01/30

إن كان لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل من إيجابيات على الفاعل الرسمي الفلسطيني، وعلى الطبقة السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فهو دفعه بالتفكير خارج المنظومة والمظلة الأميركيتين بعد أن ثبت لكافة الرأي العام العالمي أن واشنطن هي أبعد من أن تكون راعية للسلام، ناهيك عن أن تكون نزيهة في وساطتها بين منظمة التحرير الفلسطينية وتل أبيب.

منذ تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار نقض قرار ترامب، والسلطة الفلسطينية تطرق أبواب التكتلات الإقليمية والدول الكبرى استدرارا لتوازن في عملية السلام التي لا تزال شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين الفلسطينيين في رام الله خاصة تؤمن بها وتعتبرها الخيار الاستراتيجي والوحيد.

أبرق الفلسطينيون برسائل استحثاث دور فرنسي أوروبي في عملية السلام، تأسيسا على الدور الاعتباري الرصين الذي لعبته فرنسا شارل ديغول، ومن بعده جاك شيراك، لصالح القضية الفلسطينية والعلاقات المتميزة التي ربطت في وقت سابق الرئيس الراحل شيراك بالزعيم الشهيد ياسر عرفات، إلا أن أبواب الإيليزيه بقيت نصف موصدة في وجه الفلسطينيين لا فقط لأنّ باريس لديها من المشاكل الإقليمية سواء في القارة الأوروبية أو على السواحل الجنوبية في ليبيا وعلى طول حزام الساحل الأفريقي ما يفرض عليها أولويات دبلوماسية، بل أيضا لأنّ باريس لا تريد انخراطا في عملية التسوية أقرب ما يكون إلى التناطح والمنافحة ضد واشنطن من التعدد والتكامل في مسارات دفع عملية السلام.

التردد الفرنسي في الانخراط صلب الحيز الاستراتيجي الأميركي، بعد أن تـوهم البعض من العرب أن واشنطن تمتلك 99 بالمئة من مفاتيح الحل والربط في الشرق الأوسط، لم يختلف كثيرا عن الرد الروسي على مطالب رام الله بدور أشد وضوحا وتأثيرا، فموسكو مستغرقة في الأوضاع السورية وفي ترتيب أوراق التسويات وفي تأثيث جغرافيا سياسية وعسكرية سورية لا تغضب تل أبيب ولا تثير دمشق وطهران ولا تقلق أنقرة ولا تقلب الطاولة على أحفاد عبدالله أوجلان.

ولئن كانت العلاقات الأميركية الروسية في أوكرانيا وجورجيا محكومة بمنطق الغلبة الروسية، والمشهدية في سوريا محكومة أيضا بمنطق التسويات والتوازنات، فإن موسكو لا تريد فتح جبهة جديدة من الصراع مع واشنطن في فلسطين المحتلة خاصة وأن هناك حساسية إسرائيلية مطلقة من أي فاعل دولي غير واشنطن في ملف التسوية.

وبانحسار باريس عن تاريخها ورصيدها، وبحصر موسكو مفهوم التأثير صلب الجغرافيا السورية، وبانحصار العرب جامعة وعواصم عن دعم القرار الفلسطيني إلا في بيانات تنديدية وقمم عالية سقف الوعيد منخفضة سقف الفعل والإنجاز، بدأت السلطة الفلسطينية في البحث عن حواضر وحواضن سياسية وإقليمية جديدة.

خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة الاتحاد الأفريقي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا يتنزل صلب سياق التنقيب عن فاعلين مؤثرين جدد لعملية السلام، في تربة أصيلة أصّل مقارباتها البكر جيل من الزعماء انطلاقا من جمال عبدالناصر وليس انتهاء بهواري بومدين وأحمد بن بلة.

صحيح أن دعوة أبومازن الصريحة للاتحاد الأفريقي إلى الانخراط صلب عملية التسوية من خلال آلية دولية متعددة الأطراف عبر الأمم المتحدة، جاءت متأخرة حيث أن عددا لا بأس به من العواصم الأفريقية لها علاقات دبلوماسية واقتصادية متقدمة مع إسرائيل، بل إن رؤساء الحكومات الإسرائيلية الجدد يعمدون إلى القيام بجولات أفريقية مباشرة عقب زيارة واشنطن.

وصحيح أيضا أن القرار الأفريقي خاضع لتوازنات القوى الإقليمية الأفريقية بين دول الجنوب والشمال، وبين التكتلات العربية وغيرها، وأن التكتلات العربية بدورها غير منسجمة إذا أخذنا بعين الاعتبار قضية الصحراء المغربية ومثلث حلايب وشلاتين.

إلا أن الأصح أن الفاعل الرسمي الفلسطيني يبرق رسائل واضحة المعالم بأنه لن يضع مرة أخرى كل بيضه السياسي في سلة واحدة أيا كانت الوعود وطبيعة “السلة”.

ذلك أن عبارة “الآلية الدولية متعددة الأطراف” تحمل في طياتها الكثير من الدلالات والمقاصد، ليس أقلها أن زمن الوكالة الحصرية الأميركية على التسوية انتهى بلا رجعة، فإما أن تعود واشنطن عن قرارها حول القدس، وإما أن تقبل بتعدد الأقطاب الإقليمية والدولية في هذا الملف.

لم يصدر القرار النهائي للاتحاد الأفريقي حيال دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ونتصوّر أنه لن يصدر بشكل رسمي إلا عقب القمة العربية القادمة في المملكة العربية السعودية، والتي تتلوها مباشرة القمة العربية الأفريقية، إلا أن المهم في هذا المضمار أن الفلسطينيين بدأوا رحلة البحث عن بدائل حقيقية لواشنطن وهي رحلة ستقودهم لا محالة إلى دول البريكس ودول عدم الانحياز وأميركا اللاتينية ودول أوراسيا.

وهي رحلة يؤكـد من خلالها الفلسطينيون أنه لا تسوية من دون قدس، وأن التسوية تبدأ من القدس، لا من أبوديس.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8