أبومصعب البرناوي خليفة سفاح أفريقيا الذي جاء تعيينه من الموصل

الأحد 2016/08/28
خطوات تعكس البنية المتحولة داخل تنظيم داعش

بروكسل - على وقع النزال الذي يخوضه عناصر تنظيم داعش على جبهات متعددة، وفي خضم البيانات المتلاحقة التي تصدرها آلته الإعلامية حول المواجهات العسكرية وتحديد مناطق النفوذ الخاضعة له على جغرافيات متنوعة، فاجأ التنظيم المراقبين ببيان لا يتعلق بسوريا أو العراق، بل يتضمن الإعلان عن تعيين زعيم جديد لفرع داعش في غرب أفريقيا.

الولاية الخاضعة بحكم السلاح لما يُعرف بجماعة “بوكو حرام” باتت اليوم تحت قيادة المتحدث السابق باسمها وزعيم المنشقين عنها ومؤسس جماعة الأنصار ضمنها، الكيان الموازي للجماعة “أبومصعب البرناوي” الذي تم تنصيبه عقب الإطاحة بأبي بكر شيكاو الذي استلم قيادة القتال منذ عام 2009 بعد وفاة المؤسس محمد يوسف الذي اتخذ في عام 2004 من كناما في ولاية يوبه الشمالية في نيجيريا مركزا له.

تلك المنطقة شهدت في ما بعد انطلاق جماعة أهل السنة والجهاد لتطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة مناهج التعليم الغربية وأساليبها، وأمام هذه العناوين في منطقة تعاني الكثير من المشاكل التنموية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجد التنظيم ضالته في شباب فقدوا أسباب السعي إلى المستقبل فانخرطوا في ما أسماه محمد يوسف “الحرب طويلة الأجل”.

في نهاية التسعينات انضم إلى الجماعة شاب سيكون أحد أخطر إرهابيي العالم في ما بعد، هو الذي اشتهر كثيرا بظهوره المهزوز القريب إلى الكوميديا، وهو الذي دعا مرارا إلى اغتيال رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارغريت تاتشر وبابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني. وهو الذي سيذهب بالجماعة ذات الطموحات الأفريقية لتكون فيلقا ضمن ما بات يُعرَف واقعا، بالدولة الإسلامية في العراق والشام، ذلك الشاب لم يكن سوى أبوبكر شيكاو الذي وضعت الولايات المتحدة الأميركية سبعة ملايين دولار ثمنا لرأسه.

صراع قيادات التنظيم

في الفترة ذاتها انخرط شابٌّ آخر في التنظيم الوليد، ذلك الذي عرِف في ما بعد بأبي مصعب البرناوي، ظهر الشاب الذي صار قائدا للجماعة في أغسطس الجاري بحسب تكليف بيان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وما رشح من أخبار ترسم ملامح الزعيم الجديد الذي ظهر ملثّما غير مكشوف الوجه في تسجيل بثَّته صحيفة أنباء التابعة للتنظيم، فإنه حبيب بن محمد يوسف البرناوي، الابن الثاني لمؤسس هذا الفكر في نيجيريا، وهو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من العائلة التي تمَّت إبادتها عقب الإطاحة بالوالد واعتقاله ثمَّ إعدامه على يد قوات الجيش النيجيري في عملية أمنية واسعة استهدفت أماكن نفوذه.

خط البرناوي يعطي مؤشرا على مراجعة داعش لفكرة العالمية التي استقاها من خصائص فكر الإخوان المسلمين، والتي بدأت تجلب الخصوم بشكل يومي، وتؤدي إلى خسارة الأرض والعتاد وانفضاض المقاتلين من حول قياداتهم

ينتمي أبومصعب كوالده إلى قبائل البورنو الناطقة بلغة الهاوسا والمُتَّخِذة من مدينة مايدجوري شمال شرق نيجيريا مقرا لها، برز نجم الشاب في بنية التنظيم مع نهاية التسعينات من القرن الماضي وباعتبار أن قبيلة البورنو هي العمود الفقري لجماعة أهل السنة والجهاد استمر الشاب قائدا عسكريا تحت سلطة أبوبكر شيكاو الذي خلَف المؤسس في إدارة شؤون القتال. شيكاو الذي استبدل اسم التنظيم ليكون جماعة بوكو حرام ومن ثم ولاية غرب أفريقيا بعد مبايعته لأبي بكر البغدادي، ظلَّ زعيما لكتائب بوكو حرام منذ عام 2009 وحتى 2016 حيث تم الإعلان عن تولية البرناوي قائدا عاما جديدا، قبل هذا الانقلاب الداخلي قام البرناوي بتأسيس فصيل الأنصار أو ما يعرف باللهجة المحلية “أنصارو” ليكون كيانا موازيا للجماعة التي يتزعمها شيكاو، هذا الخلاف ما لبث أن ظهر إلى العلن مع بدء ظهور نجم البرناوي في عام 2015 متحدثا عن العمليات العسكرية للجماعة في نيجيريا رغم إصرار شيكاو في كل ظهور له على التأكيد أن المتحدث الرسمي للجماعة هو “أبوزنيرة” لنزع شرعية ظهور البرناوي.

كيف تفكر إدارة التنظيم

الخلاف الذي بدأت جذوره منذ سنوات على ما يبدو بين الرجلين وجد أصداءه الواسعة في أرجاء الجغرافيا التي يسيطر عليها مقاتلو تنظيم داعش في سوريا والعراق فجاء الحسم من الموصل عبر بيان إعلامي يؤكد الإطاحة بشيكاو وتولية البرناوي قائدا جديدا، وفي ذات الساعة أصدر شيكاو بيانا صوتيا يؤكد قيادته لبوكو حرام وبأنه الزعيم الشرعي للولاية.

عجلة التاريخ لا تعود إلى الخلف، وشيكاو صار من الماضي في نيجيريا. فالرجل اليوم بات متخفياً عن الأنظار يدعي سيطرة تنفيها قوة البرناوي التي تستند إلى قاعدة شعبية في مناطق تواجد أنصاره. أما البرناوي فيختلف عن شيكاو بأنه لا يقوم بمهاجمة المسلمين المدنيين ولا يجبر النساء والأطفال على القيام بمهمات التفجير والانتحار بل تبدأ الضرورة عنده في محاربة الجيش النيجيري ودك أماكن تواجده بدلا من استهداف المراكز المدنية على عكس شيكاو الذي انتهج من مهاجمة المدنيين وإشراكهم بالقوة في مناطق النزاع أسلوبا للقتال عنده.

النظرة البانورامية لتلك المنطقة تؤكد أن صراعا سار على مسارين بين اتجاهين مختلفين في الولاية التابعة لداعش في غرب أفريقيا، المسار الأول سياسي يتركّز في الاختلاف بشأن إدارة أمور الجماعة ومنهج عملها، والثاني اقتصادي يتعلق بمصادر الدخل فيها وإدارته في مناطق النفوذ على حدود نيجيريا مع الكاميرون وخصوصا ما يتعلق بصفقات السلاح والبعض من الموارد الطبيعية.

التنظيم يجد ضالته في شباب فقدوا أسباب السعي إلى المستقبل فانخرطوا في ما أسماه مؤسسه ووالد البرناوي محمد يوسف "الحرب طويلة الأجل".

الصراع الداخلي حسمه بيان التنظيم بترجيح كفّة البرناوي على حساب شيكاو أخيرا. طبعا في هذا الخلاف لا يظهر البرناوي كحمامة سلام إلى جانب شيكاو المعروف إعلاميا بسفاح أفريقيا، بل كلاهما يستقي فكره من منبع واحد، إلا أن البرناوي يشتغل على تصدير صورته بوصفه الأكثر اعتدالا من سابقه بصورة خاصة ومن قيادات التنظيم عامة.

في تحليل الخطاب الإعلامي للزعيم الجديد لبوكو حرام من خلال ظهوره اليتيم حتى الآن، يمكن القول إنه كان واضحا في طرحه ومنهجه في فكرة البقاء ضمن عباءة تنظيم داعش المركزي في العراق والشام مع اختلاف الأولويات بينه وبين شيكاو، فحاول أن يُبعد شبح الصورة الدموية التي طبع بها شيكاو الجماعة المقاتلة، مُوحيا بعدم السير على ذات النهج في استهداف مقرات الأمم المتحدة وأماكن العبادة والمدنيين، وهو بالتالي يضع جنود ولاية داعش في أفريقيا في موقع المحلية بعد أن نقلهم شيكاو إلى العالمية بعد مبايعته لأبي بكر البغدادي.

رفض الديمقراطية

يحمل البرناوي أفكار والده في جوفه. فهو يبني خطواته على أيديولوجية تقوم على رفض مبدأ الديمقراطية وحكم الناس للناس، فشؤون الحكم هي للخالق، وهو بذلك يتقاطع مع البغدادي ومع شيكاو في هذا التفصيل الذي تنطلق منه أي محاكاة بين الجبهتين في الشرق والغرب، إذ ليست الجهة الشمالية جغرافيا وحدها ما يجمع تنظيم دولة العراق والشام الذي أقام نفوذه على الجهة الشمالية الشرقية من سوريا وحركة بوكو حرام التي تتخذ من شمال نيجيريا مساحة لها في عملياتها ونفوذها، بل يتعدى الأمر إلى أخوة في المنهج والتفكير والأسلوب رغم ما حاول البرناوي الإيحاء به من خلال الاختلاف مع شيكاو، فالبرناوي اتَّخذ من شيكاو عتبةً ليؤكد دون أن يدري استمرار التبعية للتنظيم، أتى ذلك بعدم الإعلان عن فك الارتباط مع داعش.

غياب مراحل مهمة من حياة هذه الشخصيات التي تتصدر واجهة التنظيمات الراديكالية يضعها دائما موضع تساؤلات حول خلفياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فأبوبكر البغدادي وأبومصعب البرناوي وأبوبكر شيكاو يتقاطعون في غياب الأصل وغياب الاسم الواضح، ما خلا تسريبات لا يمكن لأحد الجزم بصحتها بشكل نهائي، أيضا يتقاطعون في استجلاب العداء الخارجي لمناطق نفوذهم سواء من خلال السلوكيات أو التصريحات أو النشاطات الإرهابية التي يقومون بها.

البرناوي يختلف عن زعيم بوكو حرام السابق شيكاو بأنه لا يقوم بمهاجمة المسلمين المدنيين ولا يجبر النساء والأطفال على القيام بمهمات التفجير والانتحار. بل تبدأ الضرورة عنده من محاربة الجيش النيجيري ودك أماكن تواجده.

الثقافة المحلية وعالمية داعش

اللافت أن البرناوي ظهر في التسجيل متحدثا بلغة الهاوسا المحلية وليس بالعربية كما كان يفعل شيكاو. ربما يحمل ذلك إشارة إلى نيَّته إرجاع الجماعة إلى نشاطها المحلي، فالصورة التي ظهر من خلالها في مقطع فيديو مُصوَّر أتت محصورة في مكان جغرافي كان أشبه بغرفة أو أستديو تصوير يوحي بنيَّة الرجل إعلان اكتفائه بمساحات معينة، دون التمدد خارجيا على النقيض من شيكاو الذي كان يظهر في تسجيلاته محاطا بمقاتلين في أماكن مفتوحة ومكشوفة.

لقد استخدم الرجل توصيفات مباشرة واضحة في سياق واحد. فهو ملتزم بقتال أعداء بوكو حرام.

يمكن التكهُّن بجوهر هذه الخطوة التي أتى عليها التنظيم عبر الإطاحة بشيكاو الذي يحمل باعا طويلا بتحويل بوكو حرام إلى داعش أفريقيا، بأن التنظيم الذي يتلقى ضربات مكثّفة على جبهات عديدة في المشرق العربي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى كوادر جديدة تكون رديفة له سواء على صعيد رأس المال البشري أو على صعيد البنية الفكرية.

لسبب كهذا تم دعم البرناوي باعتباره صورة جديدة قد تتكفَّل بتبييض سيرة داعش بين جهاديي أفريقيا، خاصة لما عُرِف عنه من قدرة على بناء علاقات واسعة ضمن شبكات معقّدة مع تنظيم القاعدة في المغرب العربي، فضلا عن أنَّ الانشقاقات التي تصيب التنظيم في مقر نفوذه بين سوريا والعراق والضربة التي يتلقاها في ليبيا نتيجة تعقيدات الملف العسكري بين أطراف متعددة هناك، دفعته على ما يبدو إلى البحث عن أرضية ثابتة تضمن له وجودا مستقرا بقيادات تحظى بالدعم الشعبي ضمن الجغرافيا التي يقوم عليها في نيجيريا. لتكون منطلقا في حال تعرَّضت تلك المناطق بين الموصل والرقة إلى انكسارات عسكرية متتابعة نتيجة المواجهات العسكرية.

كل هذا يعطي مؤشرا على مراجعة داعش لفكرة العالمية، التي استقاها من خصائص فكر الإخوان المسلمين، والتي بدأت تجلب الخصوم بشكل يومي، وتؤدي إلى خسارة الأرض والعتاد وانفضاض المقاتلين من حول قياداتهم.

8