أبو أنس الليبي وحكاية إرهاب لا تنتهي

الثلاثاء 2013/10/08

لا يوجد عاقل، يقبل فكرة الإرهاب، رغم أنها فكرة قديمة، تستبدل بضعة أفراد جهاديين، بشعب خامل، أو لا يجد سببا للثورة ولقلب نظام الحكم، فيقوم الإرهابيون بفعلتهم تلك، ولنقل يحاولون ذلك. طبعاً الإرهاب يحدث كذلك حينما تكون الثورات مشتعلة. وأغلب أعمالهم تفشل وتشوّه الثورات، وهي عرضة لتدخلات استخباراتية بشكل مباشر، ويندر وجود مجموعة إرهابية دون أن تتدخل فيها أجهزة مخابرات هذه الدولة أو تلك.

تأتي العملية الأميركية لخطف الليبي أبو أنس، كتتمة عمليات مستمرة، ومنذ 2011، حيث تقوم أميركا، بحربها الكونية ضد الإرهاب، مدّعية أنّ أخطر مجموعة إرهابية تواجه العالم، هي تنظيم القاعدة، وأنها تستهدفها في أي دولة كانت. وبالتالي لا بد من اجتثاثها. أميركا وجدت لعبة حقيقية لتعمي أنظار العالم بها، إنه تنظيم القاعدة، وهي تبتز العالم بدماء أبنائه، من أجل تأمين مصالحها، وفرض الهيمنة عليه بسببه. أميركا، لا تفعل بعملياتها تلك، سوى خلق البيئة الحقيقية المستمرة والحاضنة للحركات المتطرفة والجهادية، والأخيرة تقف خلفها، تيارات إسلامية متشددة، ويشارك تنظيم الإخوان المسلمين في الحفل القاتل، حيث يعمل كغطاء أممي لكل أشكال التسييس الطائفي في العالم. ولا يقدم أي نقد ذي معنى لتلك الحركات. وينسق أعماله مع الإدارة الأميركية مباشرة، وهو ما فعلته في مصر وتونس وفي سوريا. ولكن تعقّد الوضع السوري، ربما خلق تباينا معينا، ليس مع الإخوان بل ومع دولة قطر كذلك.

أي أن موضوع الحركات الجهادية الإرهابية موضوع فيه تنسيق بين الأميركان والإخوان؛ فإخوان سوريا، لم يتوقفوا يوماً عن التنديد بكل من ينتقد جبهة النصرة أو داعش، بحجة توجيه كل السلاح ضد النظام، ولكن داعش ترفعه ضد الشعب الثائر، لتكون النتيجة أن الإخوان ينفذون سياسة النظام بالضبط، وها هو الغرب يستخدم ذريعة الإرهاب لإبقاء دعمهم بأدنى حالاته وبالتالي يساندون النظام.

عمليات أميركا المستمرة، لم توقف إنتاج الحركات الجهادية، وتنتقل من دولة لأخرى، وها هي تزداد شراسة في سوريا، وفي الصومال تقوى شوكتهم وفي مختلف الدول القريبة من ليبيا.

أميركا تعرف طريق الحل، ولكنها وفي حقيقة الأمر لا تريد الانتهاء من الإرهاب، وربما لأن الأمر شبه مستحيل، هي سلاح مانع لأي استقرار وهمي، لا يكلفها شيئا، ويحقق المصلحة الأميركية العالمية. قدمت الأمم المتحدة، وكتب المثقفون ومن كل دول العالم، أن التخلص من الإرهاب أمر ممكن فقط عبر التخلص من الواقع الذي يشكل الإرهاب، أي عبر إنهاء الفقر وخلق بنى صناعية وزراعية تدمج ملايين الناس فيها، وتحاصر كل الدعوات نحو الطائفية، بدءاً من إنصاف الفلسطينيين في استعادة أراضيهم، وتشكيل دولة تحل الصهيونية وتعيد الفلسطينيين وتبقي اليهود الراغبين بالبقاء، وانتهاءً بإنهاء كل عنصرية طائفية، تبنى عليها الدول، وتشكل مظلوميات كبيرة لطوائف كاملة، ودمج المنظمات السياسية الدينية، في إطار الدولة الجديدة وبما يتوافق مع المواطنة؛ ما نقوله هنا، ليس أمر جديداً أبداً، إنه يتردد لدى كل باحث لم يفقد عقله بعد.

ولكن هل هذا ممكن؟ أظن الأمر شبه محسوم بجواب: لا. فما يشهده العالم الإمبريالي من أزمات اقتصادية عنيفة، يمنع أي تفكير إضافي، نحو رؤية جديدة للعالم في ظل الرأسمالية نفسها، ويبقي كل دول العالم مساحة مفتوحة، أمام ثورات متتالية، وكل أشكال الاحتجاج، السلمي منها والمتطرف، وسيكون للبلاد الأكثر تخلفاً النصيب الأكبر من الحركات الأكثر ظلامية وتخلفاً وجهلاً، ومن هنا تكثر الجماعات الجهادية الإرهابية في كل من أفغانستان والصومال واليمن والباكستان. وكذلك في البلاد التي تنهار فيها الدولة تماماً، وإضافة للدول السابقة، فهناك العراق، وشمال سيناء، والمناطق المحررة في سوريا، والمناطق الأكثر حرمانا في تونس وسواها. هذا الواقع يشير وبوضوح شديد، إلى أن الإرهاب يرتبط مباشرة بانعدام التنمية بكل أشكالها، وبالتالي إنهاء الإرهاب متعلق بإطلاق عجلة التنمية بكل أشكالها؛ ويشكل انعدام إمكانية ذلك، بيئة خصبة لنشوئه.

الدور الاستخباراتي للدول العميقة، وتحديداً باستخباراتها، يجعلها تعمل على خلق المنظمات الإرهابية، لإدخال المجتمعات بمشكلات ثانوية وكارثية بكل معنى الكلمة. وقد نُسبت كثيرٌ منها لدول بعينها، وفي سوريا كثير من الباحثين نسب النصرة وفتح الإسلام وسواها للنظام مباشرة، وهناك الكثير من التسريبات تتكلم عن معرفة عميقة للنظام بتنظيم القاعدة، وتأمين تسهيلات كثيرة له، للدخول إلى العراق عام 2003 والآن داعش لا تفعل شيئاً سوى احتلال المناطق المحررة من النظام، وخلق سلطة قروسطية فيها، والامتناع عن محاربة النظام ومحاربة الجيش الحر والأكراد، والقيام بعمليات دموية وعنيفة وذات بعد طائفي أو تكفيري للمجتمع برمّته، وتدمير تماثيل إسلامية ومسيحية وسواها ضاربة في القدم. هذه الأفعال، تدفع الشعوب للكفر بالثورات، أو بأية أشكال من المعارضة، والصمت إزاء ممارسات الأنظمة الشمولية.

قوة التنظيمات الجهادية تتمركز في الباكستان مثلاً، وفي المناطق الأكثر فقراً في البلاد الأكثر التحاقاً بالسياسات الأميركية، ومناطقها تلك لا تزال خاضعة لقيادات شبه إقطاعية. الدول والمناطق التي تواجدت فيها التنظيمات الإرهابية، ستتوالى فصولها تباعاً، ولن يتوقف أبداً، ما لم تنطلق عجلة التنمية.

ما ذكرته أعلاه، عن السبب المركزي للإرهاب، لا يلغي دور الشعوب والدول والقوى السياسية العقلانية، في الحد من تلك الجماعات، ولكن ذلك، يعتمد حصراً على ما ذكرناه، ومحاربة الفقر والطائفية، وتجاوز المظلومية الدينية، وإيجاد الأنظمة الديمقراطية، وإشراك المرأة في كل مفاصل الدولة، والنهوض بالتعليم، ومنع كل تعليم طائفي وتكفيري للأخر، وإغلاق القنوات التلفزيونية والإذاعية وسواها التي تساهم بخلق مناخ القوى الإرهابية.

أبو أنس الليبي الآن، معتقل إضافي لدى الأميركان، ومقابل أبو أنس هناك ألاف مثله في سوريا واليمن والصومال وفي جنوب سيناء وتونس وليبيا وغيرها، عدا عن معتقلي سجن غوانتانامو كذلك. وبالتالي سياسة الحرب على الإرهاب فاشلة بالكامل.


كاتب سوري

8