أبو الأمة

الخميس 2013/12/19

أثناء متابعتي لمراسم تأبين “نلسون مانديلا” بالتلفزيون، في ملعب “أف. أن. بي” ببلدة سويتو بجوهانسبرغ، التي حضرها قرابة 95 ألف شخص، وحوالي 90 من رؤساء العالم، شق “شعدون” الجماهير وخرج من الشاشة، وقف أمامي محييا، ثم حمل جهاز التحكم عن بعد ليخفض صوت التليفزيون، والتفت إليّ يسألني: لماذا مانديلا؟ نظرت إليه: ماذا تقصد؟ أجاب: لماذا نجح مانديلا بتحرير سود بلاده من العبودية والتمييز، بينما لم ينجح العرب خلال ثورات الربيع العربي في تحرير أنفسهم من أنفسهم؟

تلعثمت، وتنفست عميقا، لأعطي نفسي مجالا للتفكير بالإجابة، ثم قلت: لأنه عمل بوطنية، وترفّع عن مصالحه الشخصية، وعمل من قلبه، ولم تكن ثورته بتأليب من الغرب، إنما تأليب عليهم.

أيدني مخاطبا: وهناك أسباب أخرى؛ إن جنوب أفريقيا كانت دولة ديمقراطية، صحيح بين البيض فقط، لكنها كانت كذلك منذ اتحاد ولاياتها، بعد خروج بريطانيا منها، في بداية القرن الماضي، لكنها تبنت أسلوب التمييز العنصري عام 1948، حين وصل الحزب الوطني البويري للحكم، ممّا أدى إلى أن يدفع مانديلا 27 عاما من حياته في السجن، يناضل من داخله، بينما أميركا مولد الديمقراطية وموطنها، دفع فيها مارتن لوثر كنج حياته ثمنا لمبادئه، ولم تتحقق حقوق السود إلا بعد وفاته بسنوات طويلة. استوقفته قائلة: أضف أن السود لم يعتلوا السلطة مباشرة في أميركا، بالرغم من حصولهم على حق المساواة، لكن مانديلا حصل على السلطة بمجرد تصالحه مع الحكومة.

قال: لا، هو حصل عليها نتيجة للانتخابات، وهذا طبيعي جدا، أن يحصل على أصوات بفارق كبير، فلقد كان زعيما للسود، ومن الطبيعي أن ينتخب السود زعيمهم، هذا أولا. وثانيا السود أكثرية في جنوب أفريقيا، عددهم 29 مليون نسمة، بينما البيض أقلية لا تتعدّى 4 مليون، ولا تنسي أن حقيقة أنهم أغلبية تحكمهم أقلية كان من أهمّ مطالب ثورة مانديلا، بينما لا يعدّ السود أكثرية في أميركا.

مانديلا يا أسماء -هكذا ناداني شعدون، وتلك المرة الأولى التي يناديني فيها باسمي- حين وصل للسلطة عرف كيف يتسامح مع سجانيه، بالرغم من أنهم من سحنة غير سحنته، وكان منتقد لعنصرية السود، وازدراءهم للنشطاء البيض المناهضين للفصل العنصري، لذلك عرف كيف يُنسي شعبه من الطرفين -الأبيض والأسود- فكرة الثأر، ويبدأ من جديد، بلا دم جديد، ففي كل الأحوال هناك أثمان تدفع لنصرة الأوطان، والدم واحد منها على مر التاريخ، لذلك عُدتّ قصة جنوب أفريقيا من أروع قصص النجاح الإنسانى، وفقا لقول مانديلا شخصيا ناصحا القادة الجدد لدول الربيع العربي.

مانديلا يا أسماء -قال اسمي ثانية- لم يحلّ الجيش أو يُقيل قائد الجيش، ولم يفرق الشرطة، ولم ينتقم منهم؛ أتدرين لماذا؟ ابتسمت: لماذا؟

أجاب: لأن الجيش والشرطة ينفذون واجب الوطن، حين يطيعون أوامر القائد، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم ينتقمون من المواطنين، الجيش والشرطة هم من يُحكِم نظام أيّ بلد، ولو حُلّت هاتان المؤسستان، لحُلّ النظام في الدولة، هذا غير حقيقة أن تكلفة إقامة جيش وشرطة جديدين مكلفان، وقد يقوم أولئك المسرّحون بأعمال شغب تقوّض سلام الدولة، إنما فكك مانديلا جيشا من الأفكار الأكثر فتكا، مثل نظام الفصل العنصريّ والثأر بين متناحرين قدماء. فهدف مانديلا يا أسماء -قال اسمي للمرة الثالثة، هل لاحظتم!- هو تحرير قومه والمطالبة بحقوقهم، وليس قلب نظام الحكم في بلده، وهذا هدف نبيل، قليل من قادة الثورات الربيعية وملحقاتها يستطيعون أن يصلوا إليه، لذلك لا يمكن المقارنة بينه وبين أيّ منهم، فهم ليس لديهم حتى أدنى صفات القيادة، بينما لمانديلا “كاريزما” الرجل القائد، وهذه تبدو وراثية، فهو ابن زعيم قبيلة “الثمبو” Thembu، وماديبا -كما يدعى في بلده- سليل عائلة مالكة.

تدخلت: بحقيقة جذوره هذه، وحقيقة رعيه الأغنام، تشبه نشأتهُ نشأة نبيّ أمتنا -صلى لله عليه وسلم- لكن محمدا كان مسالما طوال مسيرته، ومانديلا اضطرّ أن يؤسس جناحا عسكريّا لحزبه ليقضي على فساد السلطة.

أكمل: مانديلا يا أسماء -إنها الرابعة في جلسة واحدة- تمتع بالاحترام العميق من العالم كافة، ووصفه شعبه بأنه “أبو الأمة”، وامتنع عن الترشح لولاية ثانية، وهذه حتى الرؤساء الأميركان لا يفعلونها، فما بالك بغيرهم.

تنفس ليكمل: جنوب أفريقيا ولاّدة لدعوات التحرير الفعلي والفكري، فلقد ولدت وفقدت غاندي، وديدات، قبل فقدها لمانديلا.

ختمت: ما يقلقني يا شعدون، معرفة أنه لم يزر الاتحاد السوفياتي الذي أيّد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بعد خروجه من السجن، بينما زار معظم الدول الغربية، وأن هيئة الإذاعة البريطانية أقامت احتفالا موسيقيا بعيد ميلاده الـ70 في استاد ويمبلي بلندن في يوليو 1988. لقد صرت أشك في كل شيء يقوم به الغرب من أجل غيرهم منذ أن التقيتك!

16