أبو العلاء المعري حبيس السجون الثلاثة من أجل الحرية

السبت 2014/03/08
المعري.. أديب لا مثيل له في زمنه

يعدّ حالة فريدة في تاريخ الأدب العربي القديم حتى أننّا لا نكاد نعثر على مثيل له لا في زمنه، ولا قبله، ولا بعده.

فهو يقف وحيدا، وبجلال، بعيدا عن أفواج الشعراء الآخرين الذين لا يزال العرب يفخرون بهم إلى حدّ اليوم، باحثين في قصائدهم عن أمجادهم التي ولّت، وأفلت، أو عن كلّ ما يتعلّق بحياة أجدادهم في الأزمنة الغابرة.

أبو العلاء المعري الذي عاش ما بين (973-1057) الذي لا تتجلّى قراءته فقط في الأسلوب الصّارم الذي اختاره في الحياة، والمتمثّل في عزلة شبه تامّة بدأت في سنّ الثلاثين، واستمرّت حتى وفاته وهو في سنّ الثمانين، بل وأيضا في مواقفه الجريئة بخصوص الدين تحديدا.

وفي أعماله الأدبيّة التي سعى أن تكون جميعها مرآة تعكس نفسه المفعمة بالسوداويّة، والتشاؤم، واليأس من البشر، ومن أنظمة الحكم في عصره، والمسكونة بالشكّ، والارتياب من كلّ ما يمتّ بصلة للثوابت والمسلّمات.

بالإضافة إلى كلّ هذا، كان أبو العلاء عكس أغلب الشعراء الآخرين، يحتقر المال والشهرة، ولا يسعى إليهما البتّة. فهو متوحّد بذاته، منصرف انصرافا كلّيّا إلى اللعب بالكلمات بطريقة مدهشة تدلّ على معرفته بأسرارها، وبشواردها، طارحا الأسئلة التي تخيف، وتزعج أهل السكون، والجمود، غائصا في ظلمات الوجود بحثا عن الحقيقة الهاربة دائما وأبدا، والمغيّبة من قبل من يخشونها، ممتحنا نفسه بأسلوب في العيش قاس، وشديد، خال كليّا من المتعة واللذّة، ومن مباهج الحياة بمختلف أشكالها وألوانها.

في صباه ابتلي أبو العلاء بفاجعتين سوف يكون لهما تأثير حاسم على مساره الفكري. فقد أصيب بالعمى وهو في الرابعة من عمره بسبب مرض الجدري، وفي البداية أوجعه هذا الحدث الفاجع، وأفسد بهاء طفولته، وحرمه من نور الحياة ليجد نفسه في ظلمة بلا نهاية.

ولكن شيئا فشيئا، تحوّل هذا السجن المظلم الكئيب، الذي هو العمى، إلى نعمة حقيقيّة. أمّا الفاجعة الثانية التي ألمّت بأبي العلاء المعري في مرحلة الطفولة فهي وفاة والده وهو في سنّ الرابعة عشرة.

وطبعا أحزنه هذا الفقدان كثيرا خصوصا وأنه حدث وهو لا يزال في حاجة إلى العون، والعناية الأبويّة. غير أنّ أبا العلاء لم يلبث أن وجد في تلك المصيبة مفتاحاً لفهم البعض من خفايا الوجود.

الراهب المعري

التفكير في الموت كحقيقة مطلقة هو الذي سوف يقود أبا العلاء المعري إلى اكتشاف آخر سرعان ما أصبح عنصرا أساسيّا في تفكيره، وفي فلسفته، وهو أن الجسد سجن لروح الإنسان فهي تدخله مكرهة، وتخرج منه مكرهة، فلا يسأل صاحبها ولا يستشار.

ولكي يتحرّر من هذا السّجن، الذي هو سجن الجسد، عاش أبو العلاء المعري وكأنه روح محلّقة في الفضاء، فارضا على جسده نظاما حياتيّا قاسيا، لا يتقيّد به إلاّ كبار الزهاد والمتصوفة، معرضا عن الزواج، وعن النسل إعراضا تامّا، مكتفيا في أكله بشيء من الخبز، والعسل ، والدّبس فقط لا غير، فلا لحم إطلاقا فكان بذلك أحد روّاد النباتيين!

ومبكّرا، ألمّ أبو العلاء المعري إلماما كبيرا بالأدب، وعلوم اللغة، وحفظ القرآن، وأشعار الأقدمين فبات مرجعا أساسيّا لآثارهم وهو دون سنّ العشرين.

وقد ساعده العيش في سوريا الواقعة على حدود بلاد الروم، والتي كانت تتعايش فيها أقليّات مسيحيّة ويهوديّة، على معرفة الديانتين السماويتين السّابقين للإسلام، وعلى التشبّع بمكوّناتهما.

لم يتحمس المعري للثورات التي اندلعت في عصره، أو في العصور السابقة له، والتي زعم قادتها أن هدفهم منها هو مقاومة الاستبداد، والفروق بين الناس، لذلك لم يظهر أي تعاطف لا معها ولا مع قادتها

فكان ذلك سببا في ظهور نزعة الشكّ عنده بشأن بعض الحقائق الكبرى المتعلّقة بالإسلام ليكون ذلك سببا في تؤلّب الفقهاء عليه ليتهموه بالكفر والإلحاد، ومتيقّنا من أنه ليس هناك دين أفضل من دين آخر، وأن كلّ الأديان لها سماتها الخاصة، لجأ أبو العلاء إلى العقل تماما مثلما سيفعل سبينوزا بعده بستة قرون.

وبالنسبة إليه ليس العقل فقط هو أعدل قسمة بين البشر، بل هو أيضا أفضل ما في وجودنا، ويكون في كماله خيرنا ألأقصى.

لذا حكّم أبو العلاء عقله في أغلب الأحداث السياسيّة والدينيّة في عصره الموسوم بالاضطرابات والقلاقل، وفي إحدى قصائده الشهيرة، يقول: “لا إمام سوى العقل”، فالعقل وحده وهو الذي يشير “للإنسان في صبحه ومسائه”.

والعقل هو الذي لجم المعري فلم يتحمّس للثورات التي اندلعت في عصره، أو في العصور السابقة له، والتي زعم قادتها أن هدفهم منها هو مقاومة الاستبداد، والفروق بين الناس لذلك لم يظهر أيّ تعاطف لا معها ولا مع قادتها، بل أدانهم بشدّة قائلا بأن المطامع الحقيقية لهؤلاء هو الوصول إلى سدّة الحكم، والتمتع بملذّات الدنيا. لهذا السبب لم ينقطع الظلم والاستبداد من الحياة البشريّة عبر مختلف مراحل التاريخ.

وقد جاهر أبو العلاء المعري بآرائه الجريئة بخصوص الدين الإسلامي في أغلب مؤلفاته، خصوصا في مؤلفه الشهير “رسالة الغفران”، وفيه يأخذنا مع واحد من أدباء عصره، وهو ابن القارح، في رحلة عجيبة إلى الجنّة والنّار.

فعل ذلك قبل دانتي أليجري بأزيد من قرنين. وقد كانت لأبي العلاء أهداف عدّة، معلنة وغير معلنة من خلال هذا المؤلف منها أنه كان يرغب في السخرية من أدباء عصره، المتحذلقين منهم بالخصوص، والباحثين عن غرائب الكلمات، والعاشقين للفخامة البلاغيّة، محاولين من خلال ذلك التستّر على خوائهم، وبلادتهم الذهنيّة، لذا كان عليه أن يلجأ إلى نفس الأساليب التي يلجأون إليها ليثبت لهم قدرته ومهارته في التقاط شوارد الكلمات، ومعرفته الدقيقة بأسرار اللغة وخفاياها بحيث يبدون في النهاية “صغارا” أمامه فلا أحد منهم يقدر على مقارعته في هذا المجال.

في النّار حشر أبو العلاء المعري الشعراء الذين كان من المنتظر أن يكونوا في الجنّة ،أي أولئك الذين كانوا ملتزمين بقواعد الإسلام، متجنّبين الفسق والمجون. وحتى النهاية ظلّوا متمسّكين بعقيدتهم فلم يحيدوا عنها أبدا، وتعتمل النار بالحركة والنشاط بحيث يمكن القول إن الحياة فيها محتملة بل لعلّها أكثر احتمالا من الحياة في الجنّة حيث السّكون والرتابة.

وبذلك تمكّن أبو العلاء المعري بلباقة، وبطريقة ساخرة وطريفة من أن يولّد الشكّ في كلّ ما يتّصل بذلك. فمثل سبينوزا هو يريد أن يقول لنا بان تغييب العقل يؤدّي في النهاية إلى ظهور الخرافات، والأوهام فإذا ما سادت هذه كما هو الحال عند المسلمين بشأن ما يتّصل بالجنّة والنّار، مات العقل، وبطل دوره.

ويتّفق أغلب النقّاد، القدماء والمحدثون، على أن كتاب “رسالة الغفران” كتاب استثنائيّ في تاريخ الأدب العربي إذ أن صاحبه مضى بنا بعيدا، مخترقا الحواجز، والممنوعات، والمحرّمات، ليتطرّق إلى مسائل ومواضيع لم يجرؤ أحد في عصره، ولا في العصور التي سبقته، على الاقتراب منها.

فالقرآن حدّد رؤية الإسلام للجنّة والنّار، والعدالة الإلهية تحديدا واضحا لا لبس فيــه.

غير أن أبا العلاء لم يقبل بهذه المسلّمات، وأبى إلاّ أن يرسم رؤيته الخاصّة للمسائل التي ذكرنا معتدما على الخيال وليس على المصادر الدينيّة أو الفقهيّة وكان ذلك بمثابة البدعة بالنسبة للفقهاء إذ أن الخيال، خصوصا إذا ما كان جموحا، يمكن أن يحيد بصاحبه عن الطريق الصحيح ليؤدّي به إلى ما تحمد عقباه.

وربّما لهذا السبب، أهملت “رسالة الغفران” لأمد طويل، ولم تلق حظّها من الانتشار والرواج والتعريف إلاّ في مطلع القرن العشرين.

وقد يكون الناقد المغربي الكبير عبد الفتاح كيليطو على حقّ عندما قال بأن دانتي هو السبب الأساسي في ذلك إذ أن “رسالة الغفران” باتت عند البعض، أحد الروافد التي غذّت “الكوميديا الإلهية”.

غير أن عبد الفتاح كيليطو نفى نفيا قاطعا أن يكون دانتي قد اطلع على “رسالة الغفران”حيث أنها لم تكن قد ترجمت إلى أيّة لغة، بل هي لم تحــدث لا عند تأليــفها ولا بعد ذلك، نقاشا أو جدلا في الأوساط الأدبية من شأنهما إثارة فضول لــدى ثقافات أخــرى.

غير أن عمليّة التقريب بين “الكوميديا الإلهية”، و”رسالة الغفران” أنقذت هذه الأخيرة بحسب عبد الفتاح كيليطو من الإهمال والنسيان اللذين عانــت منهــما فترة مديــدة من الزمــن، ورفعت منزلتها لــدى فئة واسعة من المتأدبين العرب، وغير العــرب.

وعند بلوغه سنّ الثلاثين، ارتأى أبو العلاء المعري ترك بلدته الخاملة الكسولة قاصدا بغداد، عاصمة العالم في ذلــك الوقت. ولعل السبب الحاسم في ذلك القرار هو أن أبا العلاء المعري أراد أن يمتحن نفسه، وقدراته الفنيّة، والأدبية واللغويّة في أشهر مدينة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتي كانت تعجّ بأعداد هائلة من كبار العلماء، واللغويّين، والشعراء.

وفي ظرف زمنيّ قصير، تمكن صاحب “اللزوميّات” من أن يجد لنفسه مكانة بارزة في الأوساط الأدبية البغداديّة، فأحاط به الناس معجبين بعبقريّته التي أشاعت في عاصمة الخلافة الإسلامية الكثير من الغبطة المعرفيّة.

عزلة المعري

أبو العلاء المعري هو الآن في العزلة التي اختارها لنفسه، والتي يبرز معناها العميق في بيت شعريّ فيه يقول: توحّد فإن الله ربّك واحد/ ولا ترغبنّ في عشرة الرؤساء، الآن لم يعد يخرج الشاعر- الفيلسوف من بيته مطلقا، ولا يبدي أيّ اهتمام بالعالم الخارجــي.

لم يتحمس المعري للثورات التي اندلعت في عصره، أو في العصور السابقة له، والتي زعم قادتها أن هدفهم منها هو مقاومة الاستبداد، والفروق بين الناس، لذلك لم يظهر أي تعاطف لا معها ولا مع قادتها

والعالم الداخلي الذي اختار التوغّل فيه كان أوسع وأرحب من أيّ عالم آخر. وبما أن تجاربه في الحياة أقنعته بأن البشريّة فاسدة، ولا يرجى منه خير، وبأن الحياة هي “ما جناه عليه أبوه”، فانه قرّر أن يهب ما تبقّى له من العمر للغة العربيّة التي تولّه بها صبيّا، وظلّ البحث في أسرارها وألغازها، اللعبة الأثيرة إلى نفسه حتى الرمق الأخير من حياته.

لكأنّه ذلك الأعمى في قصيدة خورخي لويس بورخيس التي يقول فيها: “انا سجين كون ناعس/ لا الفجر يوقفه ولا الغروب” وخلال عزلته الطويلة تلك، ألّف أبو العلاء كتابين مهمّين الأوّل كان ديوانا شعريّا سمّاه”اللزوميّات”، والثاني نثريّ هو “الفصول والغايات”.

وفي الكتابين حافظ على نفس الجرأة القديمة في تناول المواضيع المحرمة التي كان أدباء عصره يخشون التطرق إليها.

فقد كانت الكتابة عنده بحسب عبد الفتاح كيليطو “صراعا عنيفا مع ما لا تجوز كتابته، وما لا يجوز قوله، ومجهودا شاقّا متواصلا لصدّ ما يتعارض مع الصواب، وإقامة سدّ منيع دونه”.

وكان من الطبيعيّ أن يثير الكتابان سخْط الفقهاء، وفئة كبيرة من أدباء عصره فشنّوا عليه هجومات عنيفة متّهمين إياه بالإلحاد والكفر.

وكان في النزع الأخير لمّا خان أقرب الناس إليه حريته الفكريّة. فقد ذُكرَ أنه أملى وهو على فراش الموت، على أبناء عمّ له جاؤوا لعيادته، نصّا قد يكون بمثابة الوصيّة، غير أن هؤلاء أتلفوه لأنهم وجدوه “مناف للصواب”، ولعل أبا العلاء المعري تناول في ذلك النص مفهومه للوجود، متعرّضا فيه إلى مسائل تتصل بالديــن، لذا سارعوا إلى إتلافــه.

ويعلّق عبد الفتاح كيليطو على هذا الحدث قائلا: “لعلّ ذلك الكتاب الغريق هو المفتاح الذي نفتقده للخروج من متاهات آبي العلاء المعري”.

13