أبو القاسم محمد كرو تونسي كان جسرا حضاريا بين المغرب والمشرق

السبت 2015/04/18
أبو القاسم محمد كرو حزمة ثقافات عربية في رجل واحد

برحيل أبي القاسم محمد كرّو عن سنّ تناهز التسعين عاما، في الرابع من أبريل الجاري، تكون تونس قد فقدت واحدا من أهمّ من أرّخ لثقافتها خصوصا خلال القرنين، التاسع عشر والعشرين، معرّفا برموزها الكبيرة من أمثال أبي القاسم الشابي، والطاهر الحداد، وزين العابدين السنوسي، والطاهر الخميري، والشيخ الفاضل بن عاشور، والشيخ عبد العزيز الثعالبي وغيرهم من الأعلام المنتصرين للحداثة والإصلاح.

الفضاء الثقافي

أزاح أبو القاسم محمد كرّو الغبار عن فترات تاريخية ظلّت مجهولة وغامضة ومبهمة في التاريخ التونسي المعاصر، في الآن نفسه دأب طوال مسيرته الطويلة على ربط تونس بمحيطها الثقافي والحضاري، مادّاً جسورا وثيقة مع بلدان المشرق العربي مثل مصر ولبنان وسوريا والكويت والعراق التي دَرَس فيها خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.

وعلى مدى مسيرته الطويلة، لم يتوقف أبو القاسم كرو عن مدّ يد المساعدة لكل الأدباء الشبان الذين يقصدون مجالسه في مقاهي العاصمة لطلب السند والمعونة والنصيحة الثقافية. وأعترف أنني كنت واحدا من هؤلاء، وهو أول من سمح لي وأنا أخطو خطواتي في عالم الأدب بإلقاء محاضرة عن الشابي في مسقط رأسه توزر طالبا من الإذاعة الوطنية التونسية إذاعتها كاملة ضمن برامجها الثقافية.

قفصة ابن منظور وكرو

ولد أبو القاسم محمد كرّو في فاتح شهر يوليو 1924 في مدينة قفصة الواقعة في جنوب غربي البلاد، والتي أنجبت علماء في الدين واللغة من أمثال ابن منظور صاحب “لسان العرب” والتيفاشي القفصي وغيرهما.

كما اشتهرت قفصة التي تقع فيها مناجم الفوسفات بنضالاتها السياسية والنقابية خلال الفترة الاستعمارية وبعدها، ومبكرا، تابع الفتى أبو القاسم ما كان يدور من حوله وهو صغير يتردد على الكتاتيب لحفظ القرآن من أحداث سياسية واجتماعية وغيرها، وكانت الحرب العالمية الثانية من أبرز الأحداث التي عاشها وهو طالب في فرع جامع الزيتونة بمسقط رأسه.

حدث ذلك عام 1942، فبعد نزول جيوش الحلفاء في شمال أفريقيا، شرع الجيش البريطاني بقيادة الجنرال مونتغومري في مطاردة قوات المحور من “العلمين” إلى ليبيا. وكان هدفه تطويق هذه القوات من الخلف، لكن لإعاقة تقدم الحلفاء، أنزل الجيش الألماني قواته في الجنوب التونسي.

كرو يروي أن أهل مدينته قفصة استيقظوا صبيحة يوم 12 نوفمبر 1942، ليجدوا المظليين الألمان يطوفون في الشوارع، وهو لا يخفي أنه كان رغم صغر سنه من بين الذين تحمسوا لمجيء الألمان

وكانت قفصة إحدى النقاط الاستراتيجية التي تمّ اختيارها لذلك الهدف العسكري. ويروي أبو القاسم محمد كرو أن أهل مدينته استيقظوا صبيحة يوم 12 نوفمبر 1942 ليجدوا المظليين الألمان يطوفون في الشوارع، وهو لا يخفي أنه كان رغم صغر سنه من بين الذين تحمسوا لمجيء الألمان اعتمادا على المثل المشهور الذي يقول “عدو عدوّك صديقك”.

وفي نفس اليوم الذي دخل فيه الجيش الألماني قفصة، دخل الجيش الأميركي التراب التونسي. عندئذ اضطرّ المظليون الألمان إلى الهروب. لذلك تمكنت الحامية الفرنسية من العودة إلى المدينة، ومنذ البداية، أبدت رغبتها في الانتقام من مواطني قفصة باعتبارهم “عملاء” للنازية. وبسرعة وبطريقة وحشيّة، أعدمت 25 شابا من شبان المدينة.

وقد حزّ هذه الحادث الأليم في نفس الفتى أبي القاسم الذي كان آنذاك في الثامنة عشرة من عمره. وفي نفس الوقت، كان الحادث بمثابة الشحنة التي غذّت فيه المشاعر الوطنيّة التي لن تفارقه بعد ذلك أبدا. وعندما انتقل الى العاصمة لمواصلة تعليمه في جامع الزيتونة، انخرط في العديد من الجمعيات الثقافية مثل جمعية “الإخوان الزيتونيون”.

الهجرة إلى المشرق

في العاصمة تونس كان يعيش مثقف سوري يدعى يوسف بسام وكان يدير صحيفة اسمها "المرآة"، ويوم صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947، صدرت تلك الصحيفة وهي مجللة بالسواد. وعندما قرأ الشاب أبو القاسم العدد لم يتمالك نفسه من البكاء، بعدها قام ورفاقه الطلبة بتنظيم إضراب عام احتجاجا على المظلمة التي ألحقت بالشعب الفلسطيني. ولم يكتف بذلك، بل قرر الهجرة إلى الشرق حالما بأن يكون من بين المساهمين في تحرير فلسطين.

وعندما انتشرت في أوساط الشباب التونسيين، وخاصة الشبان منهم، فكرة التطوع لمحاربة العدو الصهيوني، أخذت أفواج المتطوعين تتدفق باتجاه ليبيا مشيا على الأقدام ومن دون جواز سفر، ومن بلدة جرجيس الواقعة جنوب شرقي البلاد ركب الشاب أبو القاسم زورقا نقله إلى التراب الليبي. وبعد عناء طويل، وصل إلى مدينة بنغازي حيث مكنه الكاتب الكبير يحي حقي الذي كان يعمل آنذاك قنصلا من تأشيرة دخول إلى مصر. وفي القاهرة، اتصل بمكتب المغرب العربي الذي كان يجمع بين زعماء المقاومة من أمثال المغربي عبدالكريم الخطابي، والتونسي الحبيب بورقيبة وآخرين.

في القاهرة يرتبط كرو بعلاقة وثيقة بالمناضل التونسي الحبيب ثامر الذي توفي في العام 1949 في حادث تحطم طائرة فوق الأراضي الباكستانية. بعد أن شجع كرو على مواصلة رحلته المشرقية نحو العراق

ويشير أبو القاسم محمد كرو إلى أنه ارتبط بعلاقة وثيقة في القاهرة بالمناضل التونسي الكبير الحبيب ثامر الذي توفي بعد ذلك، وتحديدا عام 1949 في حادث طائرة فوق الأراضي الباكستانية. وهو الذي شجعه على مواصلة رحلته المشرقية باتجاه العراق. وعند وصوله إلى هناك، انتسب إلى دار المعلمين العليا لدراسة الأدب العربي.

وفي ظرف زمني قصير، تمكن من التعرف على الحياة الثقافية في بغداد من خلال شعرائها الجدد الذين سيكونون من المشاهير في ما بعد مثل عبدالوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وعبدالواحد لؤلؤة، وعدنان ناجي، وكاظم جواد، وبدر شاكر السياب الذي أهداه كل مجموعاته الصادرة حتى ذلك الوقت.

في ما بعد وتحديدا بعد وفاة السياب، سوف يكتب عنه دراسة عنوانها “المغرب العربي في شعر بدر شاكر السياب”. ولكي يكون أكثر قربا من الأجواء الثقافية، اختار أبو القاسم محمد كرّو أن يكون عضوا في البعض من النوادي والجمعيات. كما انتخب كاتبا عاما لجمعية الثقافة العربية التابعة لدار المعلمين. وفي المجلات نشر قصائد ومقالات بينها مقال عن والدة نازك الملائكة التي كانت شاعرة هي أيضا.

كما كتب مقالا عن الشاعر والكتاب التونسي عبدالرزاق كرباكة الذي كان أول من عرف بالرصافي في تونس، بل ربما في بلاد المغرب كلها. ولما بلغه أن الرصافي يتعرض إلى مضايقات خطيرة في بلاده، نشر في العام 1929 قصيدة يندد فيها بالظلم المسلط على الشعراء من المحيط إلى الخليج، وفيها يقول مخاطبا الرصافي:

فيم فرارك والعراق كما ترى

زين البلاد وأهله زين الورى

إني أقاسمك الحياة مريرة

وتضيق بي هذي المدائن والقرى.

وكان أبو القاسم محمد كرو من بين من ساهموا في إقامة احتفالية تكريمية للرصافي. وفي بغداد أصدر كتابا حمل عنوان “ماي، شهر الدماء والدموع”. وهو كتاب نضالي سياسي فيه يروي أحداثا مأساوية وقعت في بلدان المغرب العربي، تونس والجزائر والمغرب في الشهر المذكور، وفي سنوات مختلفة.

من ذلك مثلا أن تونس احتلت في شهر ماي 1881، وتم خلع المنصف باي من قبل الفرنسيين في شهر ماي 1943، وصدر الظهير البربري في المغرب في ماي 1930، وتم الإعداد لاحتلال الجزائر في شهر ماي 1830، وفي ماي 1945 عرفت مدينة ستيف الجزائرية أحداثا دامية أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى.

بعد الاستقلال يعود كرو إلى تونس ليؤسس سلسلة "كتاب البعث"، الشبيه بسلسلة "اقرأ" في مصر. تناول فيها بالبحث العديد من القضايا السياسية والفكرية والاجتماعية، معرفا بالخصوص برموز الإصلاح في تونس من أمثال الطاهر الحداد. غير أن التوجهات السياسية لنظام بورقيبة، والتي كانت معادية للاتجاهات القومية، سارعت بتعطيل تلك السلسلة

وفي السادس عشر من شهر يونيو 1952 غادر أبو القاسم محمد كرو بغداد مُنهيا فيها دراسته العالية، وتاركا خلفه سنوات طويلة حافلة بالنضالات السياسية الثقافية، وأصدقاء سيظلون أوفياء له، وبعد أسبوع امضاه في دمشق، انتقل الى بيروت لإتمام زواجه من فتاة لبنانية كان قد تعرف عليها خلال سنوات الدراسة الجامعية.

في الآن نفسه، أشرف على طباعة كتابه “الشابي ـ حياته وشعره” الذي سيظل مصدرا أساسيا للتعرف على مسيرة صاحب “أغاني الحياة” في مختلف جوانبها، كما أصدر كتابا آخر بعنوان “كفاح وحب”، وهو مجموعة من النصوص النثرية الشبيهة بقصائد النثر. وقد نوّه بهذا الكتاب نقاد معروفون من أمثال عيسى الناعوري وأحمد زكي أبو شادي ورضوان إبراهيم ومحمد المرزوقي.

ومن القاهرة انتقل أبو القاسم محمد كرو وذلك بعد شهر واحد من حصول الثورة المصرية التي أطاحت بالنظام الملكي، متوجها إلى طرابلس ليمضي فيها بضع سنوات مدرسا في مدارسها الإعدادية.

بورقيبة والقوميون العرب

بعد الاستقلال عاد إلى تونس ليؤسس سلسلة “كتاب البعث”، الشبيه بسلسلة “اقرأ” في مصر. ومن خلال تلك السلسلة، تناول بالبحث العديد من القضايا السياسية والفكرية والاجتماعية، معرفا بالخصوص برموز الإصلاح في تونس من أمثال الطاهر الحداد الذي كتب عنه الكثير من الدراسات القيمة. غير أن التوجهات السياسية لنظام بورقيبة، والتي كانت معادية للاتجاهات القومية، سارعت بتعطيل تلك السلسلة.

مع ذلك لم ينقطع أبو القاسم محمد كرو حتى النفس الأخير من حياته عن النضال من أجل أفكاره، ومن أجل التعريف بالمجهولين وبالمظلومين من أهل الثقافة والفكر. وفي السنوات الأخيرة من حياته، صدرت عن دار المغرب العربي ببيروت ستة مجلدات احتوت على جميع مؤلفاته في جميع المجالات تاركا للمكتبة التونسية والعربية ما يساعد الباحثين والمؤرخين والأجيال القادمة على التعرف على صفحات مشرقة من التاريخ التونسي والعربي عموما.

14