أبو القعقاع.. راسبوتين المجاهد الذي تلقفته المخابرات السورية

الثلاثاء 2013/09/24
"النصرة" وأخواتها.. تنظيمات جهادية صنعها نظام الأسد لتشويه الثورة السورية

اليوم إذ تظهر مكوّنات مثل جبهات الحرب المتطرفة ودولة الشام والعراق الإسلامية وفروع جبهة النصرة، والممارسات اليومية، المريعة التي صارت تجابه الشعب السوري في المناطق السورية المحرّرة أكثر من مجابهتها لقوات النظام، ووصل بها الأمر إلى اعتقال الناشطين السلميين وتوزيع كتيبات تشرح كفر الديمقراطية ومرجعياتها الإلحادية!، لا يجب أن يغيب عن الذهن دور المخابرات السورية في التواصل المستمر مع تلك التنظيمات منذ سنوات عدّة، وسيظهر ذلك الدور في مناطق مختلفة من العالم، في العراق ولبنان وباكستان وغيرها من الدول المتوتّرة، وليس بعيدا أن ينفّذ نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي تهديده الذي أصدره، قبل ثلاث سنوات بالتوجّه إلى الأمم المتحّدة لتقديم شكوى ضد بشار الأسد بسبب التفجيرات المتكرّرة الدامية في الأحياء والمناطق الشيعية والسنّية على حد سواء.

في هذا الملف، يظهر شبح ما تزال تربة قبره رطبة في حلب مدينة الطرب والفنون والتصوّف المسالم، كان له دوره الخطر والحسّاس في اللعبة المخابراتية الدينية السورية، التي اكتشف من خلالها نظام الأسد قدرته على مقايضة ملفات عدّة، مع دول العالم، تحت بند التعاون الأمني، وصارت سجون دمشق، المكان المفضّل لإدارة سجن غوانتانامو إذا أرادت نزع اعترافات من نوع خاص، وبطرق لا يجرؤ عليها إنسان متحضّر، مهما بلغت وحشيته.

أجريت هذه اللقاءات، التي ستقرؤون مقاطع منها في هذه الشهادة، قبل سنوات في دمشق وحلب، ونشرت أجزاء منها في صحف ومجلات عدة، وضمنتها كتابي «يوميات يهودي من دمشق» في خط إنساني مجاور يمضي بالتوازي مع خط الحديث عن يهود الشام المحور الرئيس في الكتاب، وسأحتفظ بأجزاء أخرى حتى يأتي وقتها، وقد كانت مغامرة كبيرة أن تتعامل كصحفي مع رجل تعرفه قبل ذلك بسنوات، قبل أن يتحوّل إلى ما صار عليه، ولا تستطيع الإفصاح عن أهدافك من تلك اللقاءات الصحفية التي ستخرج من بين يديك، ولكن لم يكن لمن يريد توثيق ظاهرة على هذه الدرجة من الخطورة، في سوريا، من طريقة سوى أن يلتقط الظواهر، ويسبق في الحديث عنها مستشرفا ما يمكن أن تقود إليه بعد سنوات، أو أن يدسّها بين ثنايا كتاب أدبي، مستعملا اسما مستعارا للشخصية المثيرة «أبو محجن»، وكان من اللافت أن تعثر على رجل بهذه الهيئة والمواصفات والتقاطعات الخطرة والحساسة، في بلد مثل سوريا، أقل ما يوصف به أنه كان كهفا للشيطان، مليئا بأسرار الشر وتشابكاته.

في الطريق إلى أبي القعقاع

نُشرت المقابلة الأولى في جريدة «المبكي» السورية المستقلة التي كنت أدير تحريرها في العام 2005، وقد نفدت نسخها الثمانية آلاف خلال ساعتين من طرحها في الأسواق، وكانت أول لقاء يجرى مع أبي القعقاع. وبعد أيام طلبت قنوات فضائية عدّة إجراء لقاءات مع أبي القعقاع. ثم اتصل بي الصحفي العراقي الأميركي حسن فتّاح، المراسل الإقليمي لنيويورك تايمز من دبي، طالبا الأمر ذاته.

التقينا حسن فتّاح وأنا في العاصمة دمشق، بعد حضوره إليها، لإجراء المقابلة لصالح الصحيفة الشهيرة مع زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الشام، ورئيس ومؤسس جماعة «غرباء الشام»، بعد أن اشتدّ عليه الحصار من قبل الأجهزة الأمنية السورية، وشعر بأن نهايته دنت، وشعر فتّاح بأنه أمام كنز ربما أكبر من مجرّد إسلامي سيحدّثه عن العراق والمجاهدين. وعبّر لي عن قلقه الكبير من الطريقة التي جرى بها ترتيب اللقاء، حيث حملتنا سيارات مختلفة في طريقنا إلى مكان اللقاء المجهول. وقام مرافقو الرجل الهدف، بتبديل تلك السيارات أكثر من مرة خلال الساعتين اللتين سبقتا اللقاء، ثم تم تحديد الموعد في قمة جبل قاسيون، في مكان عام. وقد أخبرني أبو القعقاع حين وصلت بأنه قام بحجز المطعم كاملا لضمان هدوء المقابلة وكي لا يقاطعنا أحد. وسألني صحفي الجريرة الأميركية عن دوافعي للاهتمام بهكذا شخصية، فكان جوابي هو وصف أبي القعقاع بعبارة ستكون عنوانا لموضوعه في صفحات النيويورك تايمز «الإرهابي ما بعد الحداثي Postmodern Terrorist.

أصل الشيخ الشاب

محمود قول أغاسي، الشاب السوري تركماني الأصل، وكنيته تعني بالتركية القديمة «النقيب العسكري» ذا الطول الفارع، الذي يتجاوز المترين بعشرة سنتمترات وزيادة، والذي يلهب الحاضرين في خطبه خلال دقائق معدودات، بفضل نبرته فوق العادية، في استحضار العواطف وشحن النفوس، والذي سرعان ما ابتعد عن هدفه الأصلي المتمثل في دراسة الشريعة الإسلامية في الجامعة للتدريس في المدارس الشرعية، إلى استخدام الشرع في الدور الوظيفي الخطير الذي يلعبه نظام الأسد.

في العام 1973 ولد في أطراف حلب، وسيصبح ظاهرة، بعد سنوات، ويكون وجوده في سوريا العلمانية البعثية المحكومة من نظام يشتغل بكل آليات المكر المخابراتي، نافرا وغريبا، ففي حين استعرت الحرب على الإرهاب في العالم، بعد أحداث سبتمبر-أيلول 2001، وتفجير مبنيي مركز التجارة العالمي في نيويورك، كان بإمكانك أن تجد في حلب، وفي ملعبها البلدي، والملعب الذي أطلق عليه اسم باسل الأسد، ابن حافظ الأسد، مجموعة من المقاتلين، يعصبون رؤوسهم بعصابات خضراء وسوداء، كتبت عليها عبارات استشهادية جهادية، على مرأى ومسمع الأمن السوري، وبرعاية تامّة من أجهزة الدولة.

تجلس مع الشيخ الشاب، فلا تجد ما يجده فيه مريدوه، وتبحث في العينين والوجه والالتفاتات، فلا تعثر على ما عثروا عليه، ولا ترى ما رأوه، ولكن يمكنك تلمّس الروح العميقة المنكمشة على ذاتها داخل رجل حوّلته أقداره إلى متعهّد للإرهاب ومروّج له، باسم الجهاد والتعاليم الدينية، والقدس والأعراض، بلا ضالة شخصية؟ بل بالكثير من الزهو بالسلطة التي مكّنته منها تلك الأدوات، هدوؤه الخاص، وضياعه السريع في المهمّة، وانخراطه اللاواعي في شخصيته المهيمنة.

راسبوتين السوري… الصعود

درس أبو القعقاع في الجامعات السورية، وانتهى بعد دراسته إلى مزاولة الخطابة، متصلا مباشرة مع من يعطون تراخيص الخطابة في سوريا ولم يكن هؤلاء سوى كبار ضباط الأمن في المخابرات الجوية والعسكرية والسياسية وأمن الدولة وغيرها من فروع وتنويعات العقل المخابراتي السوري، مستعملا كل أدوات التأثير الشعبي ومبتدئا بما يهزّ القلوب «إليكم المسلمات فاحفظوها وافهموها، لن نوقّع أبدا على شهادة وفاة قضية فلسطين، لن نوقع لو هدّدونا ولو قتّلونا ولو ذبحونا، علموها للأجيال، فليكن الأقصى على لسانكم موجودا، ليكن في أذهان صغاركم قضية يتكلم فيها وحليبا يرضع منه الصغار وينشأ عليه الكبار» في انسجام كامل مع طرح المقاومة والممانعة المزعوم السوري الإيراني الرسمي، ضاغطا على نقطة ضعف الشارع السوري والعربي، المتمثلة في الجرح الفلسطيني النازف. ثم لا يوفّر حديثا عن سراقة بن مالك وكيف حاول اللحاق بالنبي محمد بعد خروجه من الغار مع أبي بكر، ثم ما دار بينهما، ووعد النبي لسراقة بأن يلبس سواري كسرى على أن يدعهما يمضيان في طريق الهجرة. وقد زار محمود قول أغاسي العديد من بلدان العالم الإسلامي والعربي، باحثا في التنظيمات الإسلامية، متصلا مع قادتها، ودارسا لتطوّرها، ومطلعا على خفاياهتلقّفت المخابرات السورية، الخطيب المفوّه، والشاب المهيب، الذي طاب له أن يتخذ الهيئة الأفغانية، مكحّلا عينيه في ارتداد شكلي ربما، إلى زمن يقول عنه السلفيون إنه زمن الرسول، وقامت بصناعته بعناية، وفيما بعد حين غيّر أبو القعقاع هيئته، سألته عن هذا فكان جوابه «الهيئة الشرعية لا تكون إلا في زمن التمكين، ونحن لسنا في دولة إسلامية، وحين تقوم الدولة نعود إلى الهيئة الشرعية بكل معانيها، الشكلية والتنظيمة!».

مال الدم… وملاك الموت

أخذت تتدفق على أبي القعقاع التبرعات من العالم الإسلامي، في سبيل دعم المقاومة المسلحة في العراق، بينما كان اللواءان ديب زيتون ومحمد منصورة، وهما من كبار الضباط في المخابرات السورية، يرتبان مع غيرهما، الطريق الممهّد لوصول تلك المساعدات، وكانت مشاهدة شوالات الربطات النقدية بالعملات المختلفة، أمرا عاديا في بيت محمود قول أغاسي، والبيوت التابعة له، وكان مال الدم، يمرّ أمام أعين العلمانيين البعثيين، ذاهبا لتفجير الأوضاع في العراق «أقسم لك أني قاتلت مع عدي وقصي صدام حسين في العراق في إحدى المعارك» هكذا يقول أبو القعقاع، ساردا أخبار قتاله في بلاد الرافدين، مع مريديه وإخوته من المجاهدين، وكان العام 2004 ذروة نجاح الشيخ في إشعال العراق، وتحويل سوريا إلى طريق الحرير الدامي باتجاه مقاومة «الصليبيين الجدد».

أبو القعقاع تحول من جهادي متشدد إلى داعية "مودرن"
محمود قول أغاسي.. أبو القعقاع السوري
في العام 1973 ولد في أطراف حلب لأصول تركمانية. درس في الجامعات السورية، وانتهى بعد دراسته إلى مزاولة الخطابة. زار العديد من بلدان العالم الإسلامي والعربي، باحثا في التنظيمات الإسلامية، متصلا مع قادتها، ودارسا لتطوّرها، ومطلعا على خفاياها. ذاع صيته في نهاية التسعينات، حيث استقطب بدعواته الجهادية الشبان المتدينين والمتحمسين وأطلق على تلك الجماعة اسم «غرباء الشام». أثناء الحرب الأميركية على العراق ساهم قول آغاسي في إرسال المتطوعين للدفاع عن العراق، لكنه فيما بعد أطلق مفهوما جديدا للجهاد لتمييز جماعته عمن اعتبرهم انحرفوا بالجهاد عن أصوله الشرعية. لقي حتفه سنة 2007 بعدما أطلق عليه النار أطلق مسلح في العشرينات أثناء خروجه من جامع الإيمان الواقع في حي حلب الجديدة.

تأثير «أبو القعقاع» على الجمهور الشاب أكبر بكثير مما يمكن تخيّله، كان يقول «جماجم وأشلاء ودماء لابد أن تُقدّم في سبيل الله الواحد الديّان، ولا تُفتح خزائن النصر، إلا بالأرواح التي تغادر الأجساد في ساحة الاستشهاد» وكانوا مستعدين أمام تلك الكلمات أن ينخرطوا في مشروعه دون تفكير،.

وكان يطيب لمحمود قول أغاسي، التنقّل متوهّما أو متقصدا إضفاء غموض مافيوي على حالته، يشعره ببعض الحقيقة في ما تزعمه شخصيته، فيتصرّف وكأنّ الخطر يلاحقه، قبل أن يلاحقه فعلا… بعدها بسنوات.. يأتيك هاتف في ليل شتاء حلب الماطر العام 2005، «مرحبا، هل تعلم لماذا غبتُ عنك هذه الفترة؟» لعلّه خير! «كنتُ أسيرا لدى قوات التحالف الكافرة» أين كنت أسيرا؟ «سأرسل بعض الإخوة لمرافقتك وأحكي لك ما حصل»…. تمرّ دقائق، قبل أن تصل سيارتان، إلى منطقة حلب الجديدة، حيث كنت، فيها مريدوه المكلفون بمرافقتي إلى المكان المجهول، في قلب حلب العتيقة، وأحيائها الفقيرة، حيث بيت صغير، بأدراج عالية تقودك إلى السطح، في مكان تحلّق فيه حول الشيخ أكثر من مئة شخص، يحدّثهم وهم يصغون إليه وكأن على رؤوسهم الطير، أو هم في غيبوبة، «لهذا حرّمتُ الجهاد في العراق!» تنظر إليه وهو يغيّر أقواله، ويصبح الداعي الأول للجهاد مفتيا بتحريم الجهاد! «لسنا نحن من يحاكم أولئك اليهود والنصارى، الله يحكم بينهم، نحن علينا أن نكتفي بالإصلاح، وهو مشروع يقوده في سوريا اليوم الدكتور بشار الأسد، وحين نصلح أنفسنا فنحن نقوم بالجهاد الأكبر، جهاد النفس»، يسأله أحد المريدين وهو رجل عجوز من أهل حلب بلحية بيضاء جاثيا على ركبتيه أمامه «مولانا ما حكم التعامل مع الكفار من النصارى السوريين؟!» فيجيب «خسئتم…تقولون عن أهل الكتاب كفارا؟! هم أهلنا وهم أهل ذمة رسول الله»!

ما الذي تغيّر يا دكتور محمود؟ سألته «أسروني وأنا عائدٌ من زيارة دعوية للدار البيضاء، توقفت الطائرة في مطار الرياض، وقاموا بإنزالي ووضعي في سجن الحائر، بقيت أكثر من خمسين يوما أنهيت فيها قراءة البخاري ومسلم من جديد».

ولكن ما الذي تغيّر؟ لماذا أصبح الجهاد حراما اليوم؟ «تم استبدالي بثلاثين من المجاهدين الكبار، ظفر إصبع واحدهم برقبتي، كانوا في السجون السورية، والسيد الرئيس لم يقبل ببقائي في السجن السعودي، فسلّم هؤلاء مقابل إطلاق سراحي! لم أكن موافقا، ولكن لا حيلة لي…الجهاد طريقٌ إلى قتل الناس بلا ذنب» وهل تعرف أحدا من هؤلاء المجاهدين؟ «أعرفهم جميعا وهم رفاق سلاح، ومنهم أبو ناصر القحطاني» وقد نشر إعلام القاعدة وقتها الخبر التالي : «اعتقال الأخ المجاهد أبو ناصر القحطاني في سجن باغرام ومن ثم ترحيله إلى معتقل الحاير في السعودية» بينما نشر الإعلام العالمي ما يلي: «تسلمت السعودية القيادي البارز في تنظيم القاعدة بأفغانستان وكان قد تسلل برا إلى إيران ثم أفغانستان، عبر ذلك الممر السري الغامض» ولم يكن ذلك الممر سوى سوريا، (الممر الذي تسلل من خلاله إلى أفغانستان ومن ثم إلى العراق وغيرها من دول المنطقة عشرات من ناشطي القاعدة).

بدأ الشيخ في التحوّل، وقد فوجيء به مريديوه وكثر عليه اللغط، وتعالت أصوات تتهمه علانية بالعمالة للمخابرات السورية، وتردّد اسمه كثيرا في الزنازين والمعتقلات السورية، حيث كان من له صلة بأبي القعقاع يدخل ولا يخرج، وكأنما كان الشيخ طويل القامة، ملاكا للموت الإسلامي، يرسلهم إلى الجهاد ثم يرسلهم إلى المعتقلات ضمن نظرية قاعدة البيانات التي يحلو له شرحها وتفسيرها، فلم يكن الأمر أكثر من تسليم قاعدة بيانات، هي معلومات، وأرواح.


أبو القعقاع واقتراب النهاية


المرحلة التالية هي الأكثر خطورة، مرحلة ما بعد عودة محمود قول أغاسي من سجنه (المفترض)، فقد بدأ بذكائه الحاد، يستشعر خوفا رهيبا من عواقب انتهاء دوره، «أشعر أن أبا القعقاع يموت».. «هل سأودّع صاحبي الذي رافقني كل تلك السنوات؟» ..كان يهذي «والدعوة؟»..»والبيوت المفتوحة ومئات الأسر التي تعيش في كنفنا؟ ماذا سيحصل لها؟».

زيارة خاطفة لكولن باول وزير الخارجية الأميركي لدمشق يوم الجمعة 2 أيار 2003، في اليوم التالي لإعلان الرئيس جورج بوش على ظهر بارجة حربية أميركية أنّ «المهمة قد أُنجزت في العراق»، وعند عودة باول إلى واشنطن أوضح أكثر ما جرى في دمشق: «ما قلته للرئيس الأسد هو أنك تستطيع أن تكون جزءا من مستقبل إيجابي، أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها… الخيار لك» (السفيرـ 3 ـ 5 أيار 2003) وأصبحت أمريكا (دولة جوار) وبات على الأسد أن يدرك هذا جيدا، ولكنه أدركه بطريقته الخاصة، فاستعمل حاجة الولايات المتحدة إلى نظام الأسد لضبط الأمور في العراق، ورقة ضغط كبيرة على واشنطن، مدعوما بالعقل الإيراني الذي أراد أن يرث الأرض ومن عليها في عراق ما بعد صدام حسين، مستغلا الهلع الأميركي من تنظيم القاعدة، ولم يكن أمام الأسد سوى خلق الظروف المناسبة للأميركيين، كي يعدّوه أحد أهم محاربي القاعدة في المنطقة، وما الظرف المناسب إلا التغلغل أكثر في التنظيم ذاته، وتقديم الدعم اللوجستي والمخابراتي له، والعدّة والعتاد، والرجال الذين عبروا الحدود السورية العراقية بالآلاف، وسط احتجاج الأميركيين، الذين صرّحوا مرات ومرات، بأن على الأسد أن يضبط الحدود، وكان لا يتردّد في محاججتهم بأنهم عاجزون عن ضبط حدودهم مع المكسيك، فكيف يطلبون منه ضبط قرابة الثمانمئة كيلومتر إلى الشرق من دمشق.

اغتيال الحريري وذعر أبي القعقاع

كان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، تغييرا إيرانيا سوريا لشكل المنطقة، بمحاولة إزاحة الزعامة السنّية المعتدلة من المشهد السياسي للشرق الأوسط، تلك الزعامة المدعومة بشكل مباشر من السعودية والولايات المتحدة وفرنسا، وكان لابدّ من تنظيف المنطقة من ظاهرة الحريري، وقد أخطأ من اتخذ قرار الاغتيال بتقدير رد الفعل الدولي، فكانت أولى الخسائر قرار مجلس الأمن بسحب الوجود العسكري السوري في لبنان يوم 26 نيسان 2005، وتطبيق قرار مجلس الأمن 1559 الذي ينص على انسحاب جميع القوات الأجنبية من على الأراضي اللبنانية وتفكيك المليشيات وبسط سلطة الدولة على جميع الأراضـــي اللبنـــانية.

الضربة الأولى التي تلقاها أبو القعقاع، كانت بالانتحار الغامض لوزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان المتورّط كليا في الملف اللبناني، في 12 أكتوبر تشرين الأول من العام 2005 والذي كان قد أصبح أهمّ رعاة الشيخ المجاهد، وكنت إذا أردت لقاء محمود قول أغاسي في دمشق، ستضطر إلى الذهاب إلى نادي الشرطة في دمشق، في حي مساكن برزة، حيث كان اللواء غازي كنعان يعطي تعليماته للنادي والفندق التابع له، بحجز طابق كامل لأبي القعقاع ومرافقيه، حفاظا على أمنه! وبدأ محمود قول أغاسي يستشعر أخطارا قادمة، بدأت بالتتالي بالفعل الواحدة إثر الأخرى.

وفي صيف العام 2006 كان لدى أبي القعقاع مفاجأة من العيار الثقيل، فقد عثرت المخابرات السورية، على اسطوانات لخطبه مع مجموعة جهادية حاولت احتلال مبنى الإذاعة والتلفزيون السوري، وعرضت نشرة الأخبار السورية والصحف والمواقع الإليكترونية التابعة للنظام وقتها، صورا من حقائب أولئك الجهاديين الذين تم قتلهم أثناء إحباط محاولتهم احتلال المبنى الأهم في ساحة الأمويين بجانب رئاسة الأركان السورية، وكانت الصور تظهر وجه أبي القعقاع على أغلفة الأشرطة المسموعة والمرئية التي كان يخطّط الإرهابيون لعرضها على الشاشة السورية ، حسب ادعاءات النظام وإعلامه.

سألته إن كانت له علاقة بهؤلاء، فأجاب «لا علاقة لي بهم، ومن الصعب أن أصدّق أن شبابنا يمكن لهم أن يصلوا إلى مبنى التلفزيون، هذه خديعة» ولكن من يقف خلف تلك الخديعة؟ «الأمور معقدة، وهناك من لا يريد لنا الخير، من خلال التنقلات الأخيرة التي حصلت في الأجهزة الأمنية وتبديلات الضباط وتسريح بعض الشرفاء»!

صقور أبي القعقاع…ونهر البارد

التقينا بعد اتصاله بي هاتفيا، في أحد مقاهي حيّ المزة الراقي في دمشق، حيث كان أبو القعقاع في طريقه إلى سفر عاجل، «مضطر إلى السفر إلى لبنان» ولكن الأوضاع خطيرة وماذا عن أمنك هناك؟ «حصلت مشكلة في أحد المخيمات الفلسطينية وعليّ أن أذهب لتهدئة النفوس، وهناك الإخوة في حزب الله سيؤمنون لي الحماية» ما الذي حدث؟

«شباب متحمسون من الفلسطينيين المتدينين، سمعوا خطبي وتأثروا بها، فشكلوا مجموعة عمل وأطلقوا عليها اسم «صقور أبي القعقاع»… المشكلة بسيطة وأنا ذاهب للحديث معهم، هم في مخيم صغير في شمال لبنان اسمه «نهر البارد»!».

كان هذا قبل تفجّر الأوضاع في مخيم نهر البارد الفلسطيني في لبنان، بشهور، وكان لأحداث نهر البارد فيما بعد في العام 2007، وظهور تنظيم «فتح الإسلام» وسحق الجيش اللبناني له، مع تدمير شبه كامل للمخيم فوق رؤوس سكّانه، بدعم عسكري أميركي، وتنسيق أمني سوري، دورٌ كبير في إثارة مخاوف محمود قول أغاسي، فقد باتت الأحداث كلّها تشير إليه، وكأن هناك من يتعمّد الزج باسمه في كل شأن يتعلّق بالأرهاب والتطرف الإسلامي.

وبدأ الشعور باقتراب الموت، وكانت محاولات أغاسي لتغيير حياته، وشكله، وحضوره وعلاقاته أكثر من مستميتة، فقد تخلّص وإلى الأبد من الهيئة الأفغانية، وقام بحلق لحيته، وأخذ يعقد اجتماعات ثقافية من أجل القول إن أطروحة الدكتوراه التي يحملها هي أساسا ضد التطرّف، وأن عنوانها «فن الدعوة» هو تلخيص لفكره الذي يعتبر الإسلام فناّ من فنون الحياة، وأخذ يبالغ في ارتداء البدلات الفاخرة ذات الماركات التجارية العالمية.

ولكن الورقة كانت قد احترقت، وأصبح مجرّد ظهور أبي القعقاع في مكان عام أو في احتفال ديني، مثيرا لغضب الأجهزة الأمنية التي منعته من الخطابة، وأغلقت مركزه الإعلامي «غرباء الشام» وأخذت تزيد من وتيرة القطيعة معه، حتى يبدو وكأنه عدو الدولة العلمانية، بينما تراجع هو إلى بيت صغير في جديدة عرطوز، التي دمّرها نظام الأسد بالقصف والطيران بعد اندلاع الثورة السورية، وتقلّص عدد المحيطين به، ولم يعد لديه من يقبّل يده أكثر من مرةّ كل ربع ساعة، وتحوّل الشيخ المتديّن إلى كائن من كائنات الليل، فكان ينام نهارا ويظهر بعد منتصف الليل، ولا يعرف أحد كيف كانت فروضه الدينية والصلوات والالتزامات تجد طريقها إلى برنامجه اليومي.


نهاية الدور الوظيفي للشيخ المجاهد


آخر لقاء جمعني به، في ذلك البيت في ريف دمشق، تحدثنا طويلا عن ظهور الشاهد حسام حسام، وعن حديثه عن دور الإسلاميين في اغتيال الحريري، وها قد بدأ المتهمون بالسفر إلى المحققين الدوليين، سرّا، وكان أبو القعقاع مرعوبا من احتمال أن يدّعي الشهود الواحد تلو الآخر بأن من يقف خلف الاغتيال هو القائد أبو القعقاع وليس غيره، «أخشى أن يلبّسونا التهمة!» و«هذه المرّة لن تكون هيّنة» واستمرّ اللقاء حتى الفجر، وسط مخاوف الشيخ من سيناريو بات يعرف كيف ستقوده خطوات المخابرات السورية في نهاية الأمر إليه.

بعدها انتقل أبو القعقاع إلى حلب من جديد في رحلته الأخيرة، وتمكّن من استجداء وظيفة دينية أعطيت له كي يكتمل إسدال الفصل الأخير على حياته، فيما بعد، فأصبح إماما لجامع الإيمان في حلب الجديدة، ولحظة خروجه من مسجده، تقدّم منه أحد مريديه، وأطلق عليه النار من مسدس كاتم للصوت، يوم الجمعة 28-9-2007 وتم نقل أبي القعقاع في حال خطرة إلى مستشفى الشهباء في حلب حيث توفي بعد ساعات وقد تم القبض على القاتل ولكنه اختفى في سجون الأسد ولم يعد يذكره أحد ولم يُعرف شيء عن محاكمته.

مات أبو القعقاع، بعد تلك المسيرة المثيرة، وكأنه حيٌّ في مدرسته الأخلاقية، وفي تلاميذه الذين انتشروا في سوريا اليوم، يتابعون نهجه الفكري، وليونته الأمنية، مع نظام بشار الأسد وأجهزته المخابراتية، وليس من دليل أكثر من وجود تنظيمات جهادية تقتل السوريين الثائرين، وتعتقل الناشطين، وتحذّر من الديمقراطية، وتتناغم تماما مع مصالح بشار الأسد، وتقيّد الحريات، وتجلد الظهور، وتقطع الرؤوس، في تخويف للرأي العام العالميّ من ثورة خرجت تطلب الحرية والكرامة والدولة المدنية، وكنت قد وجدت، حينها، في حالة محمود قول أغاسي مادة هامة وحساسة، التقطتها في لحظات تداعيها الإنسانية، يمكن أن تستحضر معها ملفات عديدة، وتسير ويسير معها من يصنعها على حافة الخطر الأمني السوري الموشك كل لحظة على الإطباق على الباحثين عن أية حقيقة في سوريا التي تحكم من نظام استخدم واستثمر، كما يفعل اليوم مع كثيرين، شابا سوريا موهوبا بسحر البيان والإقناع، ثم لم يتردّد لحظة في اغتياله بعد.

6