أبو بكر البغدادي من سجن البوكا الأميركي إلى زعامة "سنيستان"

الأحد 2014/06/29
البغدادي حجر أساس لتغذية الفكر المتشدد

تطلّب خلق تنظيم القاعدة، اسماً علماً معروفاً، ينتمي لعائلة كبيرة من الحضارمة كان لها تاريخها الاقتصادي في السعودية، فكانت أسرة بن لادن أحد أكثر الأسر السعودية شهرة وتأثيراً، في حالات أخرى اختلف الأمر، فالعراق ذو الطبيعة الأقرب للمدنية في معظم حالاتها، المبتعد في تاريخه الحديث عن العشائرية والاقتصاد الفردي، كان يتطلب شخصاً من نوع آخر ومن منبت آخر، فكان البغدادي المنسوب إلى العاصمة العريقة مهما اختلف وتنوّع أصله وتشعبت جذوره.


البدري معلّم الشريعة


وكي ينشأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، كان عليه أن يمرّ بمعابر كثيرة، ولكنها سريعة في الوقت ذاته، جعلت من مؤسسه أبي مصعب الزرقاوي، الغريب عن العراق، الأردني الثقافة، الطالباني الفكر، عتبة للوصول إلى الشريحة الاجتماعية الأصيلة في العراق، وحتى وصلت القيادة إلى إبراهيم بن عواد إبراهيم البدري الرضوي الحسيني السامرائي، كان عليها أن تمرّ بغيره، لتستقر بين يديه.

ولد إبراهيم البدري في العام 1971، في سامراء ودرس في أواخر الثمانينات في بغداد في كلية العلوم الشرعية، ليعمل مدرساً للشريعة في مدارس العراق وأريافه، قبل أن يكتشف، كما فعل غيره من قيادات التنظيمات الجهادية، سحر السلطة، وسلطان الزعامة، لينخرط في الفكر السلفي الانتحاري، بانياً على قواعد المؤسس عبدالله عزام، ثم القيادة التاريخية للقاعدة في أفغانستان، وصولاً إلى عراق ما بعد العام 2003، حين بدأت تولد التنظيمات الإسلامية الجهادية مستولدةً استيلاداً عبر فكي كماشية، الاحتلال الأميركي المباشر العنيف والمتعالي على الإنسان العراقي، والذي كان يتلذذ بتعذيب المعتقلين والتسلي بتصويرهم عراة في سجن أبي غريب من جهة، ومن جهة أخرى إيران والاندفاع غير المعقول الذي واجهه أهل العراق للميليشيات الطائفية التي صعدت بذريعة زوال الاستبداد وإسقاط الدكتاتور، لتسرح وتمرح في شمال العراق وشرقه وغربه وجنوبه، مستعملة كل ما لا يمكن تصوّره أو قبوله إنسانياً وحضارياً ضد المجتمع، محتقرة إرث البلاد وتاريخها، وعمق الهوية المتجذرة في العراقي، الذي لم يكن متطرفاً يوماً، لتخلق عدوّها داخله، وتستفز مشاعره المضادة للطائفية التي مورست عليه.

فُتح الباب، ليتقدم وكلاء حصريون لتجنيد الآلاف في الحرب المقدسة ضد العدوين الأميركي والطائفي، والذين احتاجوا المزيد من الحروب لتمكين حكمهم، في دولاب دموي، اختلط فيه الفساد بالحقد والثأر، وكانت حرب الحكومات التي جاءت بعد بريمر على أرض العراق، حكومات تصريف أعمال النهب والفساد والقتل والدوران في حلقات اللهب.


متعهد تهريب المجاهدين من سوريا


حتى أواخر العام كان البغدادي كما أطلق على نفسه، هو حلقة الوصل ما بين السوريين (المخابرات السورية المشرفة مباشرة على الملف) وبين الجهاديين في العراق، وكانت مهماته الأولى تنحصر في تجنيد وتسهيل مرور المقاتلين عبر الأراضي السورية ثم الحدود السورية العراقية إلى بلاد الرافدين، فكانت ضربة جوية عسكرية أميركية قد أنهت طوراً من أطوار عمله، في تشرين الأول من العام 2006، حين استهدفت الحدود العراقية السورية، وتم الإعلان عن مقتله، ولكن الخارجية الأميركية أعلنت أنه لم يتم العثور على جثة أبي بكر البغدادي في موقع الضربة، حتى ذلك الحين كان كل ما عرف به البغدادي إضافة إلى مهمة تمرير المقاتلين، ترؤسه للمحكمة الشرعية الإسلامية التي كانت تقوم باختطاف المواطنين وإعلان محاكمتهم وإعدامهم.

ولم يكن اسمه أو جنسيته معروفان وقتها، فاسم البغدادي منتشر في العالم العربي والإسلامي بكثرة، دون أن يشير إلى مسقط رأس حامله، وحين تم إلقاء القبض على “وزير الأمن” في دولة العراق الإسلامية حازم عبدالرزاق الزاوي في منطقة الرمادي ليكشف التحقيق معه عن الهوية الحقيقية لأبي بكر البغدادي ووزير حربه الناصر لدين الله سليمان، قال الزاوي إن “أبا بكر البغدادي هو الدكتور إبراهيم عواد إبراهيم السامرائي ويلقب بأبي دعاء، وتم العثور على ما يثبت أن البغدادي كان معتقلاً في سجن “بوكا” في البصرة، حيث تم تلقينه وغسل دماغه، ليتوجه نحو فكر القاعدة.

خرج البغدادي من سجنه، وقال وهو يودّع سجانيه: “نلتقي في نيويورك”، وبدأت من لحظتها عملية رسم كاملة لشخصيته القيادية تمهيداً للبدء في تأسيس خلاياه


صناعة البغدادي


عمد البغدادي إلى إعلان انتسابه للبيت النبوي، عبر كنية “الحسني”، وإعلانه الجهاد لتأسيس دولة الخلافة، وكانت صحيفة التايمز قد نشرت مقالاً لمراسلها أنطوني لويد من بغداد بعنوان “الحرب في سوريا أحيت القاعدة في العراق”، قال فيه لويد إن القوات الأميركية ساعدت بطريقة غير مباشرة على خلق أهم قائد ينتمي للقاعدة في منطقة الشرق الأوسط وذلك عندما سجنت ابراهيم البدري- وهو شاب عراقي و مزارع سني ويبلغ من العمر 33 عاماً- لمدة ثلاثة شهور في العام 2005، وأضاف لويد أن وضع البدري مع سجناء ينتمون إلى القاعدة، كان من إحدى الأسباب الرئيسية لتحوله السريع من سلفي إلى راديكالي، مضيفاً أنه “بات يعرف اليوم في العراق باسم أبي بكر البغدادي".

خرج البغدادي من سجنه، وقال وهو يودّع سجانيه: “نلتقي في نيويورك”، وبدأت من لحظتها عملية رسم كاملة لشخصيته القيادية تمهيداً للبدء في تأسيس خلاياه، فشكّل مع ضابط سابق في الجيش العراقي اسمه أبو عبدالرحمن البلاوي أضخم الجماعات التابعة للقاعدة منذ تأسيس طالبان في أفغانستان في عام 2001، إلا أن نشاطات تلك الجماعات قد توقفت بقدرة قادر، مع بدء خروج الجيش الأميركي من العراق في العام 2010، ولكنها عادت للحياة من جديد، مع بدء الاحتجاجات السلمية في سوريا، وقد بدأ انبعاث القاعدة في سوريا مع ظهور تنظيم “جبهة النصرة” بقيادة أبو محمد الجولاني، أواخر العام 2011، لتصبح سريعاً من أبرز القوى المقاتلة في سوريا، ليأتي إعلان النصرة مبايعتها لتنظيم القاعدة في أفغانستان بقيادة الظواهري، وليكون أول الخيوط التي قالت الولايات المتحدة إنها تربط ما بين القاعدة والنصرة والدولة الإسلامية في العراق بقيادة البغدادي، وفي التاسع من نيسان عام 2013 وعبر رسالة صوتية بُثت على شبكة “شموخ الإسلام”، أعلن أبو بكر البغدادي دمج فرع التنظيم “جبهة النصرة” مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ليصبح قائداً للتنظيمين.

بعد مداهمة مقرات داعش في المناطق التي دحرت فيها تم العثور على وثائق تثبت أن من أبرز الأهداف ترويج اسم البغدادي وتأليف الأناشيد التي تتحدث عن بطولاته في صناعة حقيقية لشخصية غامضة لا يراها أحد


تكسير الجدران


قامت مجموعات أبي بكر البغدادي بأولى عملياتها التي عرفت باسم “تكسير الجدران” في العراق حين اقتحمت ثمانية سجون في العراق (على رأسها سجن أبو غريب) وتمكنت من إطلاق قرابة 500 سجين ينتمي أغلبيتهم إلى القاعدة، وارتفع عدد العمليات الانتحارية والتفجيرات في العراق ليصل إلى ما معدله أكثر من ثلاثين عملية شهرياً، ولكن جبهة النصرة رفضت الانضواء تحت لواء البغدادي، وصدر تسجيل صوتي يرد على البغدادي من خلال أمير جبهة النصرة “الجولاني”، رفض فيه إعلان البغدادي، وحتى خريف العام 2011 كانت الخارجية الأميركية قد أعلنت البغدادي “إرهابياً عالمياً”، فصعّدت من اهتمامها بالشخص الغامض “أبي بكر البغدادي” ورصدت مكافأة تقدّر بعشرة ملايين دولار لمن يقدم أية معلومات تؤدي إلى القبض عليه، هاجم البغدادي جامع “أم القرى” وهدّد بالانتقام لمقتل أسامة بن لادن، وأعلن عن مسؤولية التنظيم الذي يقوده عن هجوم “الحلّة” الذي وقع ضحيته أكثر من عشرين مدنياً، وخلال الشهرين التاليين كان البغدادي قد أعلن مسؤوليته عن أكثر من ثلاثة وعشرين هجوماً جنوب بغداد.


بداية الشبح من الموصل


مع تطوّر عمليات التنظيم بقيادة البغدادي، بدأ قائده بتحديد المحور الذي يعمل عليه، وأطلق سلسلة من العمليات والهجمات في مدينة الموصل أوقعت أكثر من سبعين شخصاً حتى نهاية العام 2011، وقبيل عيد الميلاد في كانون الأول من العام ذاته، أشعل البغدادي بغداد بسلسلة عمليات، استهدفت أحياء المدينة وضواحيها، مع تعهده بتنفيذ أكثر من مئة هجوم فقط تحت عنوان الثأر لمقتل بن لادن.

أطلق البغدادي على نفسه اسم “الشبح” وجهد لإخفاء صورته، لولا التسريبات المخابراتية، وتسريبات وزارة الداخلية العراقية التي نشرت صورته، وقرّر نقل مقرات قيادته عبر الحدود إلى سوريا، ليدخل في الصراع الدائر فيها ما بين نظام الأسد ومجموعات الشبّيحة والميليشيات الموالية لهم، دون أن يعلن تبنيه لأهداف الصراع ذاتها، وهي إسقاط نظام الأسد.

بدأ البغدادي حياته من كلية العلوم الشرعية في بغداد ثم معلما للدين في مدارس العراق، حتى تم القبض عليه فخرج من سجنه ليؤسس دولة الخلافة


المناطق السورية المحررة


مع دحر قوات الأسد على يد مقاتلي المعارضة والجيش الحر، وترك السماء مفتوحة لطيران الأسد، لم يكن بالإمكان إدارة المناطق التي عرفت باسم” المناطق المحررة”، فنشأ فراغ إداري كبير، قامت قوات البغدادي بملئه سريعاً بتدفقها نحو المناطق السورية الخالية من الجيش، في حين كانت قوات الجيش الحر تقاتل في الجبهات وليس في البلدات والمدن، وأعلن البغدادي تغيير أسماء المدن والمحافظات وتطبيق الشريعة الإسلامية فيها، ومصادرة كميات التبغ، ومطاردة كل من يتعامل مع “المجلس الوطني السوري” و “الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة” واعتباره مرتداً، وأقام الحد بالجلد والقتل بالرصاص والخنق والصلب ضد من كل من خالفه الرأي، وهدم كنائس مدينة الرقة، وكسر صلبانها في مشهد استعراضي، كان الهدف منه شديد الوضوح، هذا هو الإسلام البديل لنظام الأسد.


هل البغدادي قائد داعش فعلاً؟


أعلن ضابط أميركي سابق هو الجنرال كيفن بيرنغر عمل ناطقاً باسم الجيش الأميركي، في العام 2007 أن البغدادي شخصية وهمية، وأعلن بيرنغر حينها أن “الصوت الذي كان يمثل الشخصية الرئيسية في التنظيم في التسجيلات الدعائية كان لأحد الممثلين”، وقد برهن عدم انصياع البغدادي لأوامر الدكتور أيمن الظواهري خليفة أسامة بن لادن، على أنه يؤسس تنظيماً مغايراً للقاعدة، منبثقاً عنها، بأجندة مختلفة هذه المرة، وقد عرف عنه فشله في إقامة علاقات ودية مع بقية التنظيمات الإسلامية الجهادية، وكذلك مع زعماء العشائر العراقية والسورية، وقد تم العثور في العمليات العسكرية، على وثائق وأشرطة تثبت أن أحد أكثر النقاط التي يركّز عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هو تظهير البغدادي كشخصية قيادية، وتأليف أغان عن بطولاته، وتسليط الضوء الشديد عليه، حتى حلّ في الإعلام الغربي محل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري والزرقاوي.

أطلق البغدادي على نفسه اسم “الشبح” وجهد لإخفاء صورته، لولا التسريبات المخابراتية، وتسريبات وزارة الداخلية العراقية التي نشرت صورته


البغدادي و المخابرات


الكثير من المعلومات والإشارات بدأت بالظهور مع اشتداد الصراع في سوريا بين النصرة وداعش، وبين داعش والعشائر السورية في الشرق وريف حلب، فبعد عملية تبادل الراهبات المحتجزات من خلال جبهة النصرة والوسيط القطري، تم الكشف عن وجود زوجة البغدادي زعيم تنظيم داعش “سجى حميد الدليمي” والتي كانت محتجزة في سجون المخابرات السورية، مع أولادها الأربعة بما يوحي بأن الصفقة لم تكن إطلاق سراح معتقلات بقدر ما كانت مكافأة للبغدادي على دور يقوم به، وقد سرّب الاسم والتفاصيل أحد قياديي جبهة النصرة في منطقة القلمون، وقال القيادي في جبهة النصرة إنه كان قد ” تم تأمين المرأة وأبنائها إلى خارج القلمون بعد استضافة ومعاملة جيدة".

تمكن البغدادي من اقتحام الموصل واغتنام عدد كبير من الآليات والأموال، والعودة بها إلى سوريا، لنجدة مقاتليه الذين بدأت تتهاوى أركانهم في المدن التي احتلوها على حوض الفرات، من الرقة إلى دير الزور إلى الجزيرة، وانهارت الموصل أمنياً وتلتها المساحات الواسعة من العراق، بعد انسحاب جيش المالكي وانفجار ثورة العشائر والمهمشين الذين واصلوا اعتصاماتهم ومطالباتهم السلمية على مدى عام كامل دون أن تتم الاستجابة لهم، واليوم يبدو البغدادي كبرغي صغير في آلة عملاقة، تؤكد تقارير استخباراتية أن الحرس الثوري الإيراني هو من قام ويقوم بتمويل داعش وتدريب عناصرها، علاوة على المستندات وجوازات السفر الإيرانية التي تم العثور عليها في مقرات داعش بعد دحرها من بعض المناطق في سوريا، ولا يعرف مصير الشبح الذي يظهر من خلال تسجيلات صوتية بين الوقت والآخر معلناً بقاء الدولة الإسلامية في العراق والشام وتمددها، بينما بدأ جيب سنّي متطرف في التخلق تطبق عليها قوات المالكي وإيران من الشرق وقوات الأسد وحزب الله اللبناني من الغرب، يمكن بسهولة التفاوض معه، أو حتى القضاء على عناصره المغيبين الذين لا يدركون ما يتم الاتفاق عليه مع قادتهم، ليجري بعدها احتلال البادية الممتدة من غرب بغداد إلى شرق دمشق وشمالاً حتى الحدود التركية، كما تخطط إيران وحلفاؤها (المعروفون منهم والمكتومون) بعد أن خلقت من البغدادي المحتجب تهديداً لدول الجوار السنية الأردن والسعودية والكويت.

7