أبيض وأزرق وامرأة على كرسي في أول المساء

الفنان التشكيلي المصري عبدالوهاب حوام يقيم معرضا فنيا في بيروت بلوحات لنساء مكتنزات ومتورّدات الوجوه بأثوابهن البسيطة والملونة.
الجمعة 2018/11/02
نوستالجيا مشرقية

بيروت - “نساء من اليوتوبيا” هو عنوان معرض الفنان التشكيلي المصري عبدالوهاب حوام المقام حاليا في صالة “رميل” البيروتية، والمعرض هو الأول للفنان الشاب الذي يشي بموهبة وحس لونيّ عال، حيث أتت معظم لوحاته بأحجام كبيرة، تبدو وكأنها صفحات من مذكرة واحدة تنقل إلى زائر المعرض يوميات نسوة انقطعن بشكل مُتعمّد عن العالم الخارجي بكل ما فيه من قسوة وكدح متواصل وهموم يومية.

 

في وقت تقدم فيه الصالات الفنية أعمالا مستوحاة من الحروب أو الأزمات بشكل أو بآخر، وتطغى على العديد منها الألوان الداكنة، اختار الفنان المصري الشاب عبدالوهاب حوام أن يقدم في معرضه المقام حاليا في صالة “رميل”  بالعاصمة اللبنانية بيروت لوحات تعجّ بالحياة والألوان التي لا يتضارب بعضها مع بعض، بل تتناغم لتبثّ جوا من الراحة والفرح يفتقر إليهما العصر الدامي الذي نعيشه، وربما يودّ لو يعيشهما أهل الحاضر الذين يكسوهم غبار تعاقب الأيام.

واختار الفنان المصري أن يرسم نساء مكتنزات ومتورّدات الوجوه بأثوابهن البسيطة والملونة، وهن منهمكات بانشغالات مُحببة قد تستمتع نساء اليوم، وخاصة الشرقيات، بالنظر والتأمل فيها لشدة ما تحمل من راحة لم تعد في متناولهن.

غير أن الفنان لم يتوجه إلى التعبير عن اللحظات السعيدة الواقعية أو المحلومة، لأن هذا ما يراه في المنطقة العربية أو في واقعه المُباشر بمدينة القاهرة التي انتقل إليها من قريته  الصغيرة المحلة الكبرى، الغربية التي ولد فيها واختبر حميمية العلاقات الاجتماعية وبساطة العيش غير المُتطلب للكثيرين، ليكون عيشا سعيدا، بل اختار حوام أن يلجأ إلى هذه العوالم لتسير إلى جانب الواقع المأساوي، لعلها تكون مُتنفسا وملاذا، وإن لفترة النظر إليها في المعرض أو بعد تعليقها في مكان دائم من النظر.

النساء في لوحات الفنان منهمكات بالترف البسيط وليس بالأشغال اليومية المنزلية وبأي أعمال خارج المنزل، رسمهن الفنان وهن يضحكن سويا أو يرقصن، أو يشربن الشاي أو يحتضن إوزّات بيضاء، أو يتأملن وراء نافذة مفتوحة أو يتسامرن مع بعضهن، أو قارئات لم تكشف لهن فناجين القهوة.

المشاهد العامة والداخلية التي تزخر بها لوحاته وتشكل خلفية للنساء المرسومات ليست من خياله، كما أن النساء اللواتي سكن قلب لوحاته لسن نساء خياليات، بل مستوحاة من محيطه المصري. وتقدم صالة “رميل” أعمال الفنان بهذه الكلمات “عبدالوهاب يعشق جمال النساء والألوان، والأناقة وما يبرزها من حُلي وإكسسوارات أخرى.. النسوة في لوحاته مستوحاة من جمال النساء المصريات وأناقتهن في فترة الأربعينات والخمسينات والستينات، جميع لوحاته مُستقاة من إعجابه الشديد بهذه الفترة من الزمن، كما هو شغوف بالموسيقى والأغاني الطربية والجوّ الثقافي العام الذي ساد تلك الفترة، أكثر بكثير مما يراه في عصره هذا”.

وتختلف اللوحات في ما بينها من حيث البراعة في استخدام التقنية الفنية، ولكنها في مجملها لوحات نجح الفنان في تنفيذها وفي إظهار تعبيريتها، حتى أن بعض تلك اللوحات المعروضة في الصالة هي لوحات آثرة تود لو تقف أمامها طويلا لشدة ما ترشح به من هناء وهدوء.

النساء في لوحات الفنان منهمكات في الترف البسيط وليس بالأشغال اليومية المنزلية وبأي أعمال خارج المنزل

ونذكر منها تلك التي تجسد امرأة جالسة على كرسي في أول المساء وعلى شرفة منزلها، حيث جرار من النباتات الخضراء وفي حضنها إوزة بيضاء سعيدة بجلستها، وهناك لوحة أخرى تظهر فيها امرأة مستلقية على سريرها الأزرق وتحتضن كتابا كانت تقرأه قبل أن يثقل جفنيها النعاس لتستسلم إليه باسمة وقريرة العين.. عالم يوتوبي بكل معنى الكلمة! هذا ما جسده الفنان في لوحاته.

والفن الذي يقدمه عبدالوهاب حوام نجد ما يذكرنا به في الكثير من الأعمال الفنية الشرقية والغربية على السواء، ولكن لسبب ما، هكذا مواضيع لا يملّ منها المُشاهد مهما شاهدها في لوحات على مدى العصور، وربما اليوم، لا يملّ منها أكثر من أي زمن مضى، وبراعة الفنان تكمن وستكمن لاحقا في كيفية تطويره للنص البصري المُحبّب والذي يشكل فسحة يوتوبية لعالم لا يزال يسكننا عميقا.

ومن جهة أخرى، ذكر الفنان سابقا أن اللوحات التي اشتغلها قبل هذه المجموعة الكبيرة التي جسدت الفرح العادي واليومي، سبقتها لوحات غارقة في أجواء كئيبة وملامح لوجوه حزينة، لكنه قرر أن يستمع لنصيحة الكثيرين الذين قالوا له إن الناس يكفيها حزنا، وهي تريد ما يفرحها وما ينسيها همومها. ويذكر حوام أيضا أنه في البداية امتعض من هذا الكلام، وفكر طويلا إن كان يريد أن يبدل شيئا ممّا قدمه، ثم قرر فعلا أن يمد ريشته إلى خارج دائرة الحزن، ليرى إن كانت ستنغمس في ألوان وأحوال أخرى، هو قادر على التفاعل معا والتعبير عنها.

وهكذا حلّ الفرح ضيفا مرغوبا في لوحاته، وإذ به يجده ساكنا دار قلبه/عقله فانغمس أكثر فأكثر في مواضيع وهيئات ما يقدمه، حتى شعر بأنه كفنان هذا ما يريد فعلا أن يعبر ويعلن عنه في لوحاته. وقد يكون عبدالوهاب حوام تأثر بالمنحى الغربي للفن، ولكنه حافظ، لا بل استنبط من مشرقيته الواضحة التي تميّز لوحاته، ولعل أكثر ما يلفت في أعماله أنها كثيرة النضارة ولا تحيل المُشاهد على أجواء نوستالجية دراماتيكية، وكأنه يقول في لوحاته “هذه الأزمنة هي هنا والآن، تلازمنا وإن كنا خارجها إلى أجل غير مُسمّى”.

17