أبيض وأسود

السبت 2014/05/17

“سينما الأبعاد” المتعددة كانت مشهدا مفبركا في أفلام الخيال العلمي، فأصبحت واقعا معاشا روّج له صُنّاعه مدفوعين بنوايا الشهرة والربح الوفير، مع إمكانية توفير تجربة مثيرة لرواد السينما العاديين للمشاركة في الأحداث؛ فسينما البعد الثالث مزعجة إلى حد كبير لأنها تقدم صورة غير معتادة للعين ما يستدعي حركات دفاعية يقدمها جسد المشاهد لتلافي إمكانية تحطم مكونات المشهد على وجهه.

أما أفــلام البعد الرابع، فهي تضع المـشاهد داخل الأحــداث بالصوت والصورة والرائحة وذلك بإضافة مؤثرات فيزيائية، مثل الرياح والضباب والأضواء والروائح المرافقة لأحداث الفيلم مع إمكانية تزويد الكـــراسي بمحرك خاص يقوم “بضرب” المــتفرج بخفة حين يتعرض بطل الفيلم للضرب أو الوقوع فينتقل شعوره إلى المتفرج المضروب تلقائيا، بحيث يخرج من التجربة وهو يــعاني من صداع وغــثيان وآثار ضرب مبرح!! من قال بأننا نسعى إلى مصاحبة بطل الفيلم ومشاركته محنته، حتى إذا كان هذا داخل حدود مشهد افتراضي؟

المَزيجْ المعقّد للتطور التقني السريع، أفرز مجموعة من التطبيقات الهائلة التي باتت تطارد تفاصيل حياة الإنسان المعاصر في أدق تفاصيلها، حتى أفسدت عليه لحظات السكينة والراحة والهدوء. وحين استفحلت الألوان وتسللت الإضاءة إلى كل الزوايا وصارت الأحداث تقفز بحركة مسعورة في وجه المتفرج، تعب البعض من متابعة أفلام السينما ثلاثية ورباعية الأبعاد وفضلوا قتل أوقات فراغهم بسكين صامتة، فركنوا إلى أفلام الأبيض والأسود ذات البعد المحايد، حيث تصحبهم بأحداثها في قارب يمشي الهوينا على وقع تيار نهر كسول لا ينفعل بمفاجآت المشهد.

السحر الذي تضفيه أفلام الأبيض والأسود لا يضاهيه سحر؛ فالنهايات سعيدة والمشاهد عريضة وهي تأتي غالبا على مقاس الحوار الرشيق. الأسود والأبيض يشبه كثيرا لون الحلم، وربما يقترن رسمه بالماضي الذي رحل على عجل؛ الماضي الذي صرنا نطارده خفية حتى لا نُتهم بالتخلف والجهل بكل ما هو حديث وعصيّ على الفهم.

يفسر علماء السلوك البشري ظاهرة الوقوع في أسْر الأبيض والأسود بوصفه “اقتران شرطي”؛ وهو مفهوم تبناه عالم الفسلجة الروسي إيفان بافلوف؛ وتفسر نظريته كيفية ارتباط واقتران مثيرين مع بعضهما البعض لتكوين استجابة متوقعة، حيث استخدم المفهوم بكثرة في تفسير عملية التعلم. كان هذا العالم الروسي يجري تجاربه على الكلاب، إلا أنه غيّر اتجاه أبحاثه بسبب الضجة التي أثارتها نظريته الشرطية، فاتجه لدراسة السلوك البشري ودوافعه، فأصبح عالم نفس ذائع الصيت. يرى بافلوف أن الاقتران الشرطي قد يتعلق بزمان أو مكان أو حدث معيّن وأهمها تلك التي تحدث في عملية التعلم، إذ يتم ربط الصور بالكلمات والأفعال.

المهم إن صورة معيّنة يمكنها أن تنتقل بالشخص إلى مكان وزمان آخر خبره في الماضي البعيد، ولهذا فهو يتوقع أن يعيش هذا الزمان الجميل بكل تفاصيله كما صوّرته له ذاكرته أو كما وعدته بذلك نظرية بافلوف؛ الأبيض والأسود يمثل الماضي السعيد الساكن المستقر، الماضي الذي كان فيه الموت موظفا مشاكسا بدوام جزئي، الماضي الذي كان فيه الجوع زائر غريب لا يظهر إلا في الظلام، الماضي الذي كان فيه مذاق قطعة شيكولاته صغيرة الفرحة الوحيدة لطفل لا يمتلك سوى دمية صغيرة بملابس رثة حصل عليها في العيد، الماضي الذي كان فيه الغني يتظاهر بالفقر كي لا يجرح كبرياء جاره الفقير، الماضي الذي كان فيه فيلم السهرة بالأبيض والأسود هو التسلية المُصرّح بها لجميع أفراد العائلة في استراحة نهاية الأسبوع.

البحث عن هذا الماضي، يعني أننا لا نريد أن ندخل في حرب (كونية) مع أبطال فيلم خيال علمي ولا نريد أن نلمس أجساد الكائنات الفضائية الدبقة ولا نريد أن نشاطر بطل فيلم صراعاته العضلية مع أشرار ليس لهم وجود إلا في مخيلة مخرج الفيلم متعدد الأبعاد.

الشر الحقيقي، هو حين نستعد للقيام برحلة إلى الماضي الجميل فنجده قد غادر مسكنه وذهب لمشاهدة فيلم جديد عن نهاية العالم، مصطحبا معه كوبا هائلا من حبات الذرة المنفوشة وكرسيا مزوّدا بأدوات حادة للمشاركة في معارك المخرج إذا اقتضت الحاجة.

21