أبي أحمد زعيم جامع لبلد متناثر

رئيس الوزراء الإثيوبي ليس رجلا قادما من الفضاء، ولكنه بكل بساطة رجل استطاع قراءة نبض شعبه وهموم البلاد، وامتلك الجرأة ليصل إلى الحكم بالوسائل الديمقراطية وأن ينتصر لأعدائه قبل أصدقائه.
الأحد 2019/10/20
نوبل للسلام حين تمنح لمن يستحقها

بعد يوم واحد من إعلان لجنة نوبل منحه جائزة نوبل للسلام 2019، قام رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بدعوة السياسيين المنفيين في الخارج إلى العودة للمساهمة في إصلاح البلاد والمشاركة الفعالة في جهود التنمية، ولم يكن هذا التصريح الطوباوي الغريب في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وأفريقيا عموما، بمستغرب عن الشاب الطموح الذي استلم زمام السلطة في واحد من أفقر البلدان وأكثرها تنوعا إثنيا وثقافيا وحضاريا وأغناها بمصادر الطاقة والسكان.

ففي يوم الثاني من أبريل للعام 2018، وفي مثل كذبة الأول من أبريل الشهيرة، قام أبي أحمد علي، بأداء القسم كرئيس رابع لوزراء إثيوبيا. وكان لوصوله إلى هذا المنصب وقع جيد جدا على مسامع أنصاره والمتظاهرين الذين ملأوا الشوارع في جميع أنحاء إثيوبيا ذلك البلد الغني جدا والفاشل إداريا، إلى درجة انفجار الوضع قبل شهور من إعلان رئيس الوزراء السابق هايلي مريم ديسالين استقالته وإفساحه المجال دستوريا لأبي أحمد أن يتولى المنصب الأكثر أهمية في الوقت الأكثر حساسية في إثيوبيا.

ثورة من نوع مختلف

 ما كان من الرجل ذي الـ42 عاما إلا أن بدأ بإصلاحات واسعة وحاسمة لتحسين الوضع الإداري والقانوني والاقتصادي في البلاد، حيث أن إثيوبيا مثلها مثل باقي بلدان العالم الثالث وأفريقيا، تترابط فيها المشكلات الاقتصادية بالواقع الإقليمي حيث تتداخل المصالح الدولية مع تقاطعات الأزمات المحلية، وكان لزاما عليه أن يجد حلولا لمشاكل البلد الخارجية جنبا إلى جنب مع مشاكله الداخلية، فلا استقرار في إثيوبيا في ظل وجود لإقليم مضطرب ومتقلب ومشتعل مثل القرن الأفريقي.

 كانت الحكومات الإثيوبية السابقة متورطة في النزاعات الإقليمية بشكل كامل، وخاضت حروبا استنزفت الاقتصاد والشعب لعشرات السنين وفرضت قوانين جائرة أضرت بالوحدة الوطنية والاستقرار الاستراتيجي، فما كان من أبي أحمد الذي أمضى نصف عمره متنقلا بين الجيش الذي خاض في ثناياه حروبا عبثية مع إريتريا، وانتقل بعدها للخدمة في المخابرات الإثيوبية، إلا أن أصدر قرارات ثورية في المئة يوم الأولى من توليه منصب رئاسة الوزراء.

فأعلن إلغاء الأحكام العرفية وأخرج المعتقلين السياسيين بالكامل من السجون، وأعلن خطة مصالحة وطنية بين قوميات الأورومو والأمهرة والتيغري المتصارعة على السلطة، مترافقة بخطة قومية للنهوض بالاقتصاد المتهالك، مدعومة بقرار حاسم بالمضي قدما بسد النهضة الذي يعتبره أحمد أحد أبرز روافع الاقتصاد الوطني.

كان رئيس الوزراء السابق ديسالين، القادم من أقلية إثنية، قد سيطر على الحكم لفترة طويلة، وكان استمرارا حقيقيا لسيطرة أقلية التيجري على السلطة في إثيوبيا منذ 17 عاما، في حين أن الأكثرية التي أتى منها أحمد كانت قد ضاقت ذرعا بالفساد الحكومي والمحسوبية والتضخم الاقتصادي، وعدم السماح بالمشاركة الفعلية في السلطة.

اندلعت المظاهرات بشكل كبير في عموم البلاد وأنذرت بانهيار عام لمؤسسات الدولة، حتى حصل الانتقال السياسي الذي أوصل أحمد إلى السلطة، مما منحه القدرة على تحقيق ما حلم به طويلا لشعبه وبلده، فأدخل تعديلات أساسية في بنية الحكم، فاسحا المجال للنساء لتولي نصف الحقائب الحكومية ومانحا مباركته لتولي السفيرة السابقة سهلى ورق زودي منصب رئيسة الجمهورية الفخري، والذي يجعلها أول رئيسة أنثى في تاريخ البلاد.

 ولكن أهم ما قام به أحمد من إصلاحات جلبت الثقة للمجتمع المحلي، هو إلغاء صفة الإرهابي عن الجماعات المسلحة التي اعتادت قتال الحكومة طوال عقود، مما أوقف حروبا استنزافية طويلة الأمد أنهكت اقتصاد البلاد، وسط رضا وطني وشعبي، وأعطاه الثقة للمضي قدما في ترميم الشرخ بين فئات المجتمع، فأعلن اعتذار حكومته عن أخطاء الماضي ودعوة الجميع إلى المشاركة في بناء المستقبل، وفتح باب القضاء للمحاسبة وتصحيح الأخطاء وإعطاء كل المتضررين من أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان حقوقهم. فتم اعتقال قرابة 70 مسؤولا حكوميا بتهم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم بحق المواطنين الإثيوبيين.

الجغرافيا الذكية

أحمد ليس فقط الزعيم المصلح في نظر شعبه، بل إنه يجسد رمزا للوحدة الوطنية التي مزق انعدامها المجتمع الإثيوبي
أحمد ليس فقط الزعيم المصلح في نظر شعبه، بل إنه يجسد رمزا للوحدة الوطنية التي مزق انعدامها المجتمع الإثيوبي

 أدرك أحمد على الفور مشكلة الجغرافيا الوطنية لإثيوبيا، في ظل انعزالها الجغرافي وعدم قدرتها على التنمية بوجود حرب أهلية طاحنة في الصومال المجاور، وعداء تاريخي مع الجار المستولي على الساحل بشكل تام، إريتريا، فقام بخطوة جبارة تجسدت بإنهاء الحرب التي استمرت لعقدين بين إريتريا وإثيوبيا، حينما زار أسمرة وأعلن اتفاقية السلام بين أديس أبابا وأسمرة، منهيا المعارك التي استمرت عشرين عاما بين البلدين ولم تجلب لهما سوى الخراب، فانفتحت خطوط الإمداد بين إثيوبيا والبحر الأحمر، وعادت الموانئ للعمل، واستؤنفت رحلات الطيران بين البلدين الجارين.

ولكن أحمد لم يكن فقط الزعيم المصلح، بل كان رمزا للوحدة الوطنية، التي مزق انعدامها طويلا المجتمع الإثيوبي، فهو من أب مسلم من عرقية الأورومو وأم مسيحية من عرقية الأمهرة، وتزوج من سيدة مسيحية أمهرية النسب أيضا، فكانت سيرة حياته المعروفة من قبل وسائل الإعلام المحلية مثار إعجاب وتمثل من قبل الشباب الإثيوبي الذي وقف بدوره حائلا ضد أكثر من عملية انقلاب أو اغتيال تعرض لها الرجل خلال سنتين من حكمه فقط، تضامن شعبي والتفاف وطني حول شخصه أهلاه لأن يقوم بأحد أهم الإصلاحات في تاريخ البلاد، ألا وهو إعادة توحيد الكنيسة الأرثوذوكسية الإثيوبية، التي استقلت عن البطركية القبطية في القاهرة عام 1959 ومنح البابا كيرلس السادس المصري، لرأسها لقب البطرك.

إصلاحات أبي أحمد الواسعة والحاسمة تهدف إلى تحسين الوضع الإداري والقانوني والاقتصادي في البلاد، فإثيوبيا مثلها مثل باقي بلدان العالم الثالث وأفريقيا، تترابط فيها المشكلات الاقتصادية بالواقع الإقليمي وتتداخل المصالح الدولية مع تقاطعات الأزمات المحلية

 ولكن الخلافات السياسية المتفاقمة نتيجة الانقلابات السياسية ونجاح ما عرف بـ”الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية” في الوصول إلى السلطة، وتدخلها المباشر في الحياة الكنسية ومحاولاتها تجييش الكنيسة إلى صفها السياسي، دفعت البطرك الإثيوبي الأنبا مركوريوس إلى مغادرة البلاد نحو الولايات المتحدة الأميركية من حينها وحتى سفر أحمد خصيصا لزيارته وإقناعه بالعودة إلى إثيوبيا وترؤس الكنيسة الأرثوذوكسية مجددا، بعد أن صارت برأسين، بطرك في أديس أبابا، وبطرك في أميركا، وبالفعل حصلت المصالحة وعاد البطرك إلى كنيسته في أديس أبابا، وسط ترحيب وارتياح وطني وشعبي عارم.

لم يكتف بذلك، بل ذهب بعيدا في مشروعه المتمثل بأنه لا استقرار في إثيوبيا من دون استقرار في الإقليم بكامله، فعمد إلى عقد اجتماع تاريخي ثلاثي ضمه برفقة أسياس أفورقي رئيس إريتريا

وعبدالله فورماجي رئيس الصومال، لتوقيع اتفاقية التكامل الاقتصادي لدول القرن الأفريقي، التي حازت على ثناء الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وحتى الأمم المتحدة، حيث تعاني الدول الثلاث مجتمعة من ذات المشاكل وتواجه ذات الأخطار المرتبطة بانفلات الأمن وضرورة تفعيل التنمية الاقتصادية بين تلك الدول، دون أن ينسى أبدا العمق الاستراتيجي لإثيوبيا متمثلا بدولة السودان ذات الثروات الهائلة والإدارة الفاشلة، حتى حصلت مظاهرات 2019 التي أطاحت بالرئيس عمر البشير، بعد أن تدخل الجيش، مما أثار قوى التغيير والحرية المدنية فرفضت استلام الجيش للسلطة، الأمر الذي كاد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في السودان، فعاجل أحمد لترؤس وفد أفريقي للوساطة بين الأطراف المتناحرة في السودان وعقد جولات مكوكية بين الأطراف تكللت بتوقيع اتفاقية انتقال السلطة ديمقراطيا في السودان.

استشراف المستقبل

أهم إنجازات أحمد من بين إصلاحات كثيرة جلبت الثقة للمجتمع المحلي، إلغاء صفة الإرهابي عن الجماعات المسلحة التي اعتادت قتال الحكومة لعقود، ما أوقف حروب استنزاف طويلة الأمد
أهم إنجازات أحمد من بين إصلاحات كثيرة جلبت الثقة للمجتمع المحلي، إلغاء صفة الإرهابي عن الجماعات المسلحة التي اعتادت قتال الحكومة لعقود، ما أوقف حروب استنزاف طويلة الأمد

أحمد ليس مجرد سياسي مصلح في بلد وإقليم سأم من الخراب، وإنما صاحب وعي واستشراف بيئي أيضا، فلقد أعلن في بدايات العام الحالي عن رؤيته البيئية في إثيوبيا التي خسرت أكثر من 70 بالمئة من مساحاتها الخضراء منذ بداية القرن، فقرر “صنع معجزة من قوة المواطن الإثيوبي” متمثلة بزراعة 350 مليون شجرة في يوم واحد، وبالفعل استنفرت البلاد بطولها وعرضها وأعلنت عطلة رسمية لكل من يرغب في المشاركة في التشجير، الذي طال البلاد بكامل جهاتها، وبالفعل فقد تحقق الرقم المنشود حيث كان رئيس الوزراء والوزراء وكبار المسؤولين على رأس الذين بدأوا بزراعة الأشجار في البلاد.

أحمد أيضا ليس رجلا قادما من الفضاء، ولكنه بكل بساطة رجل استطاع قراءة نبض شعبه وهموم البلاد، وامتلك الجرأة ليصل إلى الحكم بالوسائل الديمقراطية وأن ينتصر لأعدائه قبل أصدقائه، آمن بالوحدة الوطنية وبأنه لن يستطيع إنقاذ البلاد منفردا بالسلطة، بل فتح الباب للجميع للمشاركة في التنمية والإعمار، ولذلك السبب بالتحديد استطاع إنجاز ما أنجزه في سنتين فقط، إنجازات لم يستطع زعيم أفريقي أو عربي أن يفعلها في هذا الزمن القياسي، جعلته أهلا لجائزة نوبل للسلام، ومثالا يحتذى به في عموم أفريقيا والعالم.

8