أبي.. رئيس تحرير

ما بين النشوة والتهمة الجاهزة، عليك أن تمشي مجددا على حد السكين، دونما حاجة لفهم أنك قد تجامل قليلا كنوع من التشجيع، ولكن هذا لا يعني أن تتغاضى عن الأبجديات.
السبت 2018/09/15
محاربة الكفاءات “الوطنية” وحدها جريمة لا تغتفر

في إطار حرب “التطفيش” فاجأني رئيسي بالصحيفة، بإسناد مسؤولية التعامل مع الزميلات المحررات لي، اتقاء لصداعهنَّ المستمر له في السؤال عن أخبارهنَّ ومواضيعهن و”خناقاتهنَّ” اليومية بكل الطرق، وهذه المسؤولية كانت مزعجة خاصة لمن لا يجيد التعامل مثلي مع “فزّاعة” نون النسوة المعتادة في الحياة الطبيعية، فما بالنا إذا كانت في العمل وتتعلق بما لا يستحق النشر أو بحاجة لاستكمال معلومة أو مصدر، أما نشرات العلاقات العامة التي كانت بعضهن تتكاسل عن حتى إعادة كتابتها ـ وليس صياغتها ـ ويكتفين بوضع أسمائهن فقط، فهذه كارثة أخرى (بفتح الهمزة لا ضمها)!

غالبا ما تنتهي مشاكساتهنَّ وانفعالاتهنَّ بشكاوى عابرة للمكاتب والطوابق حتى تصل لرئيس التحرير، حاملة رأس صاروخ هو في الأصل “خازوق” كبير لا يكفي لمزيد من السخط والتقريع، وعندما تحاول أو تشرح مؤكدا الحرص على اكتمال العناصر التحريرية المبدئية لا غير، يكون مفعول الخازوق قد وصل لأعلى درجاته..

الاتهام بمحاربة الكفاءات “الوطنية” وهذه وحدها جريمة لا تغتفر بسهولة.. ومن ثمَّ لا يكون هناك غير تنحيتك لتتنفس الصعداء، فيما يقيم البعض “وليمة” ابتهاجا بالتخلص من هذا الشخص “الكومبليكس”!

وفي صباح باكر، يستدعيك رئيسك صارخا: ما الحل؟ ثم لا يعطيك فرصة للإجابة غير إعادة “تدبيسك” بالمهمة المفزعة، بعد تزايد الاستياء من ردود النفي للأخبار من المؤسسات المعنيّة.. فلا تملك إلا أن تضحك في سرِّك، وقد كنت ترقب هذا السل المتدفق بلا مصدر أو معلومة موثقة، ليكون الرد الحاسم: تصرَّف وانهِ هذه المواقف.

ما بين النشوة والتهمة الجاهزة، عليك أن تمشي مجددا على حد السكين، دونما حاجة لفهم أنك قد تجامل قليلا كنوع من التشجيع، ولكن هذا لا يعني أن تتغاضى عن الأبجديات، أحيانا هناك من يستجيب حبا في التعلم، وهناك من يعتقد أنه أصبح أستاذا في مهنة يظل المرء فيها تلميذا حتى نهاية عمره الافتراضي.

عبر الهاتف، تساءلت بغضب وعصبية: كيف ترفض نشر مواضيعي وأخباري؟ قلت بهدوء: لأنها لا تصلح.. هذه نشرة وكل ما فعلته أن وضعت اسمك عليها دون تغيير ولو حرف واحد! زمجرت وازبأرَّت: لا أسمح لك بهذا.. أنا صحافية كبيرة. فقاطعتها: أهلا وسهلا.. كبيرة كيف؟ فردّت باستعلاء: عندي سنتان من الخبرة ولي 4 سنوات أقرأ الصحف! أجبت ساخرا: على هذا يستحق أبي أن يكون رئيس تحرير أو وزير إعلام. فاستغربت: كيف؟ فقلت: لأنه ـ رحمه الله ـ ظل 40 عاما قبل وفاته يقرأ الجرائد!

24