أب الإنترنت يحذر من عصر ظلامي رقمي

السبت 2015/02/21
سيرف: الحفاظ على المحتوى الرقمي من خلال التطورات التكنولوجية هو تحدّ حقيقي وأحيانا مروّع

سان خوسيه (الولايات المتحدة الأميركية) – إذا كنت تريد حقا أن تحتفظ بمعلومات مهمة مخزنة على الإنترنت للأجيال القادمة، اطبعها على ورق. هذه النصيحة من أحد “آباء الإنترنت”، فينت سيرف، الذي يخشى ألا تجد أجيال المستقبل سجلا توثيقيا للقرن الحادي والعشرين بينما تدخل “عصر ظلام رقميا”.

غالبا ما نحتفظ بأحلى الأوقات في حياتنا، وذكرياتنا، وأغلى صور العائلة في شكل رقمي على الأقراص الصلبة في أجهزة الكومبيوتر، أو على المواقع الإلكترونية المخصصة لتخزين البيانات، ولكن من الممكن أن نفقد كل ما لدينا من محتوى رقمي على أجهزة الكومبيوتر وفي مواقع التخزين.

فنحن، نواجه اليوم خطر أن نُخلّف للأجيال القادمة مجرّد “فجوة معلومات سوداء” في غياب المكونات المادية والبرمجية اللازمة لقراءة تلك البيانات، كما يحذرنا مطور موقع غوغل، فينت سيرف، الذي يُعرف كذلك باسم “أب شبكة الإنترنت”، وقال إن الحل يكمن في القوة الدائمة التي يوفرها “مجلّد رقمي” بحكم أنه يمكن من الحفاظ على البيانات، بالإضافة إلى سياق الحوسبة والمواصفات التي ستمكن الأجيال القادمة من فهم تلك البيانات.

أدلى سيرف بهذه التصريحات الأسبوع الماضي، في إطار عرضه المندرج في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لتقدم العلوم، الذي انعقد في سان خوسيه.

“المجلّد” (فيلوم) يصنع عادة من جلد عجل أو من صغار الحيوانات، وقد تمّ استخدامه لقرون عديدة كورق كتابة، سواء للمخطوطات أو الكتب. وفي حال تمّ تخزينه تحت الظروف المناسبة، يمكن للوثائق المدونة على ورق الفيلوم أن تدوم أكثر من 1000 سنة.

وبذلك، فإنه يمكن للفيلوم الرقمي، حسب العرض الذي قدمه سيرف، أن يوفّر “نظاما قادرا على الحفاظ على معنى القطع الرقمية التي ننشئها على مدى من مئات إلى آلاف السنين”. وهو يعتبر أن الأمر لا يتمثّل في المحافظة على مجرّد وحدات، بل في الحفاظ على المعنى، على غرار الحجر الرشيد.

في زمننا المعاصر الذي نتعامل فيه مع كمّ هائل من البيانات كبيرة الحجم، حيث تمرّ حوالي 26000 غيغابايت عبر حركة الإنترنت في كل ثانية، أصبح الحفاظ على المعلومات الرقمية أهمّ من أي وقت مضى.

26000 غيغابايت حجم البيانات التي يتناقلها البشر على الإنترنت في الثانية

دون وسيلة متاحة في المستقبل لضمان وصول هذه البيانات إلى الأجيال القادمة وفهمها، يحذّر سيرف من أن عصرنا الحاضر يمكن أن يصبح يوما ما “الجيل المنسي أو حتى القرن المنسي”.

يكمن أحد أبرز الحلول في ما يسمّى بـ“شبكة المعلومات المستندة”، وهي منهج جديد في إدارة المعلومات يتم من خلاله نقل البيانات والتقنيات الحاسوبية، على حدّ السواء، من موقع واحد للبيانات إلى كامل الشبكة. “تبشّر تكنولوجيا شبكة المعلومات المستندة بالقضاء على العديد من العيوب الفنية الحالية على شبكة الإنترنت”، حسب تصريحات المتكلمين من سيسكو زيروكس الذين تناقشوا مع سيرف حول مستقبل الحوسبة خلال اجتماع الرابطة الأميركية للنهوض بالعلم.

وقد اقترحت “آي بي إم” حلا آخر، بالتعاون مع باحثين من جامعة كارنيجي ميلون، ويتمثل في نظام يسمى “المكتبة المفتوحة لصور التنفيذ الافتراضي”، ويهدف النظام إلى مساعدة حفظ المعلومات الرقمية التي تنتج حاليا عن محتوى قابل للتنفيذ، من خلال “تجميد”، وتحديدا، استنساخ وضعية التنفيذ التي تولد مثل هذه المعلومات.

في الواقع، يعمل الكثير من الباحثين منذ سنوات عديدة على إيجاد أفضل سبل للحفاظ على البيانات الرقمية على المدى الطويل. اتصلنا بوليام كيلبيرد، المدير التنفيذي لتحالف الحفاظ على الرقمية، وهي شبكة من الوكالات المنتشرة في المملكة المتحدة وأيرلندا، لمعرفة رأيه في تصريحات سيرف.

وقد صرّح بأن “أي شيء من شأنه أن يثير الوعي حول هذا الموضوع هو موضع ترحيب لأنه لم يحصل على الاهتمام الذي يستحقه من صانعي السياسات أو المهندسين”.

وأضاف “الحفاظ على المحتوى الرقمي من خلال التطورات التكنولوجية هو تحدّ حقيقي وأحيانا مروّع أيضا”.

هل تضيع الكمبيوترات تاريخ البشرية إلى الأبد

وقال “استثمر جيلنا أكثر من أي وقت مضى في المحتوى الرقمي، وهو أمر بصراحة مرعب عندما تتخيّل ما ستفعله التغيرات السريعة في التكنولوجيا بذلك الاستثمار. وفينت سيرف، بوصفه أحد مهندسي العالم المعاصر، هو أوّل القادرين على مساعدتنا في جلب الاهتمام إلى هذه القضية، لا سيما في صفوف التكنولوجيين الذين تجدهم في حاجة إلى فهم المشكلة التي تطرحها”.

ويكشف كيلبيرد أن الباحثين يقومون بدراسة هذه المشكلة منذ أكثر من عقد من الزمان، كما يشير إلى “أنها مسألة تنظيمية وثقافية، بالإضافة إلى كونها تكنولوجية، فالحلول التقنية وحدها لن تكون كافية”.

“الحلول المتوفرة حاليا ممكنة، شرط أن تفكر الوكالات وتتصرف بعقلانية في مجال تطوير المحتوى الرقمي واستخدامه”، حسب رأي كيلبرايد.

ويضيف “في عام 2002، خشي أعضاؤنا حلول العصر الرقمي المظلم وقضاءه على جميع أعمالنا ووظائفنا. في الواقع، من خلال مجهودات أعضاء تحالف الحفاظ على الرقمية، يبدو تحقّق هذا التهديد اليوم أقل احتمالا، شرط اتخاذ المنظمات الحيطة والتخطيط المناسب على المدى الطويل”.

من خلال جلب الانتباه إلى هذه المسألة، يقول كيلبرايد “إن سيرف يشجعنا على التفكير في الوسائل التي نحتاج إليها لضمان مستقبل رقمي لماضينا الرقمي. ونحن بحاجة إلى أدوات أفضل ومناهج أذكى وقدرات مُعززة، ولكننا نحتاج أيضا إلى القوى العاملة المختصة والمستعدة والقادرة على مواجهة التحديات التي يطرحها الحفاظ على إنجازاتنا الرقمية. وتشمل هذه الاحتياجات سياسة ومناخا مؤسسايين يلبيان حاجة المحافظة الرقمية، بالإضافة إلى توثيق عمليات التعاون المثمر وتكثيفها في هذا المجال. ولكن سيرف يُقرّ أنه لن يتمّ إنشاء مثل هذه الشركة، التي يتوجب عليها أن تقدّم مثل هذه الخدمة، قبل مئات السنين من الآن.

ويقول “أعتقد أنه من المسلي أن نتصور أن عام 3000، إذا قمت ببحث على غوغل. عن صورة فحص الأشعة السينية الذي نحاول التقاطه ينبغي أن يكون قابلا للنقل من مكان إلى آخر، لذا، ينبغي أن أكون قادرا على التحرك من سحابة غوغل إلى سحابة أخرى، أو نقلها إلى الجهاز الخاص. أهمّ ما في هذه العملية هنا هو أنك، عندما تقوم بنقل هذه البيانات من مكان إلى آخر، فإنك ستكون قادرا على استخراجها من الملف المنقول بشكل صحيح، ومن ثمّ تفسير مختلف أجزائها. كل هذا يمكن تحقيقه إذا ما نجحنا في توحيد المواصفات”.

الكثير من الباحثين يعملون منذ سنوات عديدة على إيجاد أفضل سبل للحفاظ على البيانات الرقمية على المدى الطويل

وقد تمّ بالفعل إثبات هذا المبدأ من قبل ماهاديف ساتيانارايانان، من جامعة كارنيجي ميلون، الذي اعتبر أن العملية “لا تزال تحتاج إلى العديد من التحسينات، ولكن ثبتت فاعلية المفهوم الرئيسي”. وتمثّل هذه المسألة مصدرا فعليا للقلق منذ بعض السنوات، حسب إن بي آر. في سنة 2006، حيث أنفقت وزارة الطاقة الأميركية 11 مليون دولار لتحقيق مشروع لباحثين من ثلاث جامعات وخمسة مختبرات، على أمل إيجاد حل لإدارة البيانات “التي سيقوم بإنتاجها الجيل الجديد من الحواسيب فائقة القوة”.

وقارن سيرف المعرفة المستقبلية عن القرن 21 بما بعد الحقبة الرومانية في أوروبا الغربية، وهي فترة لم يتبق منها سوى عدد محدود جدا من الوثائق المكتوبة عن الهندسة والتكنولوجيا.

وعلى سبيل المثال، أشار سيرف إلى كتاب مؤرخة الرؤساء دوريس كيرنز غودوين التي استخدمت الرسائل المتبادلة بين أبراهام لينكولن ومعاصريه لتأليف كتابها “فريق المنافسين: العبقرية السياسية لأبراهام لنكولن”. وصرّح سيرف في إطار مداخلته في سان خوسيه، حسب تقارير صحيفة تيليغراف “قد يكون من المستحيل تأليف مثل هذا الكتاب عن الأشخاص الذين يعيشون اليوم (المعاصرين)”، ويضيف “المحتوى الرقمي، على غرار رسائل البريد الإلكتروني، الذي قد يحتاجه المؤلف سيكون قد “تبخر” لأن لا أحد بادر بالحفاظ عليه، أو قد يكون موجودا ولكنه ليس قابلا للتفسير لأنه أنشئ باعتماد برنامج يعود إلى 100 عام”.

ولئن احتج البعض بقوله إن الوثائق الهامة سيتم نسخها وحفظها، إلا أن “المؤرخين سوف يخبرونكم بأنه في بعض الأحيان لا تظهر الأهمية الفعلية والتاريخية لبعض الوثائق والمعاملات والصور وما إلى ذلك إلّا بعد مئات السنين”، حسب تفسير سيرف، ويضيف “لذلك فإن فشلنا في المحافظة عليها سوف يجعلنا ذلك نفقد منظورنا”.

18