أب يرى في الهجرة إلى أميركا كارثة لا فرصة

يستطيع الأدب بما يملك من قوة استعادة وتخييل أن يلقي الضوء على أركان ظلت معتمة قصدا أو دون قصد، ويرمي بحجر صغير في بركة ظلت زمنا آسنة، ويفتح طاقة للتأمل ويتبنى وجهات نظر لنا أن نتفق معها أو نختلف حولها، ورواية “الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين” تفتح الأبواب على مصراعيها لإعادة النظر في مفهوم الوطن المشتهى.
السبت 2017/04/29
طربيات أم كلثوم وحدت المصريين (لوحة للفنان جورج البهجوري)

يروي كتاب “الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين”، لكاتبته لوسيت لنيادو الصحافية في جريدة “وول ستريت” الأميركية، قصة خروج أسرة يهودية في أوائل ستينات القرن الماضي. هو ليس كتابا عن الطائفة اليهودية المصرية رغم ما فيه من تفاصيل تخصّها، كما أنه ليس كتابا في السياسة رغم بعض لمحاتها، إنه كتاب في الحب وكتاب عن المصير.

قاهرة أم كلثوم

وينطلق الكتاب الصادر عن دار الطناني للنشر في القاهرة من بداية ستينات القرن الماضي حين غادرت لنيادو القاهرة مع أسرتها كبقية العائلات اليهودية التي اضطرت إلى مغادرة مصر، غادرت الكاتبة مصر وهي في حوالي الثامنة من عمرها، لتعود إليها مرة أخرى في عام 2005 وهي امرأة ناضجة محملة بالتجارب والخبرات.

تعود لنيادو إلى القاهرة مسكونة بالكثير من الذكريات الشخصية والحكايات التي سمعتها من والديها عن هذه المدينة التي عاشا فيها أجمل سنوات عمريهما، لتقتفي الكاتبة أثر والديها في هذه المدينة التي لم تعد كما كانت، تزور الأماكن التي التقيا فيها أول مرة، بيتهما القديم ذا الشرفة المسوّرة بالمعدن المشغول والواقع في شارع الملكة نازلي في قلب القاهرة، أماكن اللهو التي كان والدها في شبابه يتجول بينها، والمقاهي التي طالما جلس فيها.

للحب في هذا النص تجليات عدة، أهمها وأعذبها قصة الحب البريئة بين الطفلة التي كانتها الكاتبة وأبيها ليون الذي هو نفسه “الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين”، والذي كان بطلا دراميا بامتياز، شهدت حياته سنوات من المتعة الصافية، قبل أن تفاجئه تقلبات الزمن وأنواء التمزق وسطوة العجز ومأساة الرحيل عن الوطن في أواخر العمر.

أما التجلي الآخر للحب، فهو حب بطلنا لمدينته القاهرة.. ولكن أي قاهرة؟ إنها قاهرة ما قبل 1952 التي كان ليون يطلق عليها “عاصمة العالم”، حيث كان العالم حاضرا بقوة بكل أجناسه وثقافاته وأساليب الحياة فيه، في خلطة سحرية متجانسة ومتوافقة، وفي أجواء من التسامح والسلام الاجتماعي وقبول الاختلاف والتعددية الدينية والسياسية، رغم الاحتلال الإنكليزي الذي تبلورت في مواجهته حركة وطنية مصرية نجح أحد تنظيماتها في إزاحته.

الكتاب يقدم ملمحا عن الحياة في القاهرة خلال الثلاثينات والأربعينات، حيث المسارح والكازينوهات والمقاهي

لكن السياسة والحرب وأهداف الاستعمار والكيان الصهيوني العنصري وطأت بأقدامها الغليظة هذه التربة الكوزموبوليتانية الغنية، فأحالت الصورة الجميلة إلى مشهد من الصراع والتشتت، وأصابت شظاياه حياة الدعة التي عاشتها أسرة ليون وغيرها من أسر اليهود المصريين.

تقول الكاتبة عن أسباب إقدامها على كتابة سيرة عائلتها “إن شيئا ما كان يطاردني ويحثني على القدوم إلى القاهرة وتتبع سيرة والدي ورؤية الأماكن التي كان يتردد عليها”.

يأخذنا القسم الأول من الكتاب في جولة بين معالم القاهرة في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، كمبنى البورصة، حيث كان يعمل والدها، أو كازينو بديعة الذي شهد بدايات أشهر الراقصات المصريات كتحية كاريوكا وسامية جمال.

وتحكي لوسيت كيف تعرّف أبوها على أمها في مقهى “باريزيانا” أحد أشهر مقاهي القاهرة، وكيف كان حريصا على وجاهته؛ “كان من الممكن تمييزه بقامته المديدة، إذ يقف منتصبا كعملاق يرتدي بدلة بيضاء باهظة الثمن محاكة يدويا من قماش الشركسكين، كان هذا القماش الناعم اللامع آخر صيحات الموضة بين أبناء الطبقة الراقية في مصر آنذاك”.

كان للقاهرة طابعها الخاص، ومثلت حفلات أم كلثوم التي كانت تذاع ليلة الخميس في أول كل شهر ملمحا فريدا من ملامح هذه المدينة، فصوتها كان يجمع حوله الملايين من الناس، وكانت الشوارع تبدو خالية تماما أثناء حفلها الذي كان يذاع على الهواء مباشرة.

كتاب لوسيت لنيادو يتحدث عن الحب والمصير

وتفرق الكاتبة بين الحقائق والمبالغات التي طالما سمعتها من أفراد عائلتها، فكثيرا ما سمعت عن علاقة الصداقة التي كانت تجمع بين والدها وأم كلثوم، غير أنها تدرك الآن دوافعها، وهي شدة تعلق والدها بأغنيات أم كلثوم حتى آخر يوم في حياته.

يقدم الكتاب ملمحا عن الحياة في القاهرة خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، حيث المسارح والكازينوهات والمقاهي الشهيرة، والحياة العائلية لليهود المصريين في تلك الفترة، كما يعرج على التحولات التي سبقت ثورة يوليو عام 1952، والتي كان أبرزها حريق القاهرة.

منفى العائلة

مع تغير الأوضاع السياسية تضطر أسرة ليون إلى مغادرة مصر، وتنتقل إلى باريس في البداية ومنها إلى الولايات المتحدة، وتحاول الأسرة التأقلم مع الوضع الجديد والثقافة المختلفة، وينجح أفرادها في ذلك. غير أن الأب ليون لا يستطيع التأقلم أبدا مع حياته الجديدة، ويظل مسكونا حتى آخر يوم في حياته بأمل عودته إلى المدينة التي أحبها.

لقد صيغ الكتاب على شكل رحلة حياة حقيقية لتلك العائلة من القاهرة إلى باريس، وأخيرا إلى نيويورك، وهو القسم الأول من الكتاب. أما قسمه الثاني فقد جدّت وقائعه تحديدا في أميركا، حيث استقر فيها أفراد أسرة الكاتبة وقد انتهى بهم المقام في حي بروكلين بمدينة نيويورك بجوار حي مليء بيهود آخرين مطرودين من مختلف دول الشرق الأوسط.

وتروي الكاتبة كيف كان هؤلاء يحاولون بصعوبة التأقلم مع حياتهم الجديدة التي فُرضت عليهم، فتقول “الغريب في الأمر أن جميع من عرفناهم هناك من جيراننا ببروكلين كانوا يحاولون إعادة بناء عالمهم المفقود، فنحن نتكلم العربية في المنزل ونقرأ الصحف العربية، كما أن أمي كانت تقوم بطهي الأطعمة المصرية في مطبخها الأميركي، وحدث بعد فترة قصيرة من وصولنا أن خُصصت لنا أخصائية اجتماعية كان مفترضا أن تساعدنا على أن نكون أميركيين، وكان مفهومها عن ذلك أن نتخلص من عاداتنا المصرية القديمة”.

وتضيف “لكن أبي كان يحب قيم القاهرة القديمة، ولم يكن على استعداد البتة لأن يتخلى عنها ليكتسب قيم الثقافة الأميركية الجديدة، وفي أحد نقاشاته مع الأخصائية الاجتماعية قال لها: لكننا عرب يا سيدتي، وهي الإجابة التي باغتتها، ما جعلها تصل إلى نتيجة مفادها أن الهجرة بالنسبة إلى أبي كانت كارثة بدلا من أن تكون فرصة، والحقيقة الحزينة أنها كانت كذلك بالفعل بالنسبة إلى أبي”.

16