أتاتورك "العربي" في مواجهة ثقل موروثه التاريخي

الأربعاء 2014/03/05
"النموذج الإسلامي التركي" يواصل بحثه الدؤوب عن توازنه المفقود

أنقرة- تركيا “الأردوغانية” اعتمدت تصفير المشكلات مع محيطها الإقليمي بعد أن ورّطها تدخلها في شؤون الجوار في امتحان صعب، في وقت يبحث فيه أتاتورك “العربي” عن ديمومته في حدود أخرى بعيدة عنه.

أشار تقرير للمعهد الفرنسي للدراسات مؤخرا إلى أن النموذج التركي لم يستهو جميع الأطراف على حد سواء داخل البلدان العربية بعد أن استعمله البعض -وخاصة منهم جماعات الإخوان المسلمين- كمشروع اجتماعي أو بالأحرى كوسيلة فعالة في الحملة الدعائية التي تهدف إلى إقناع القوى الخارجية بإمكانية إرساء سلطة إسلامية في المنطقة.

وأوضحت الدراسة أن شعبية هذا النموذج لم تكف لمحو تاريخ الخلافات المتراكمة -بين العرب والأتراك- المثقل بالنزاعات النابعة من تحالف الحكومات التركية المتعاقبة مع إسرائيل على مدى العقود الأخيرة الماضية.

ومع ذلك فإن مفهوم “النموذج التركي” قد نجح في فرض نفسه، طوال العقد الأخير، في مختلف النقاشات والحوارات السياسية العربية، مولّدا قراءات متناقضة للموروث الـ”أتاتوركي”، بحيث تعكس نسبيا المواقف الاجتماعية والسياسية لمختلف الأطراف المعنية سواء من الأجانب أو الأتراك أنفسهم.

ولئن ساهمت تطورات حديثة في عودة الحديث عن إنجازات لـ”أتاتورك” على الساحة السياسية والاجتماعية العربية، إلا أن الحدث الرئيسي المتسبب في هذه العودة يبقى اعتلاء حزب العدالة والتنمية الحكم بتركيا سنة 2002 وما خلفه ذلك من عراقيل لمحاولات تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وبالإضافة إلى الضغط الأميركي الخفي الذي أضفى، منذ البداية، هيْبة وشرعية إلى الحكومات المرتكزة على ما يُسمى بـ”الإسلام المعتدل”، وهي تسمية انتشرت سريعا خارج تركيا، في الوقت الذي تعددت فيه المحاولات المُستميتة لحزب العدالة والتنمية المحسوب كتيار إسلامي-سياسي لفصل برنامجها عن أي توجه “إسلامي” ولتقديم صورة محافظة ومطمئنة للحزب. ومن هذا المنطلق يطرح تساؤل مهم يتمثل في هل انطلقت فكرة النموذج التركي إذا من الولايات المتحدة الأميركية؟.

بالتزامن مع اندلاع ثورات “الربيع العربي” مع انغماس إدارة أوباما في تفكيك سياسة جورج “دبليو” بوش الرامية إلى إرساء مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، كلّفت تركيا بمهمة المساهمة في إيجاد حل للنزاعات الإقليمية. ويُعلّق روبرت مالي وبيتر هارلينغ على المسألة -في إطار مقالهما البرنامجي بمجلة “العلاقات الخارجية” (خريف 2010)- بالتذكير بأن “تصاعد شعبيّة تركيا بين الشعوب العربية لا يُعفيها من إيجاد حلّ لأحد الملفّات -على الأقلّ- التي أخذتها على عاتقها”.

الغرب يرى في تركيا نموذجا لا يمكن أن يسمى «الليبرالية الإسلامية» لأن المادة الأولى في الدستور التركي تنص على أنها دولة علمانية

وبين تقرير المعهد أن هذا التضارب في الآراء بشأن تركيا يتزامن مع استخدام الولايات المتحدة الأميركية للنموذج التركي كحجة أساسية في إطار سياستها الجديدة بالشّرق الأوسط الدّاعية إلى الانفتاح على الأحزاب الإسلاميّة التي ولدها “الربيع العربي”. وقد سعى كل من الإخوان المسلمين والولايات المتحدة الأميركية إلى إقناع بعضهما البعض –وإقناع العالم- بأن هذا التغيير سيتم في أحسن الظروف وأن تطور الأوضاع سيفضي حتما إلى مستقبل زاهر على شاكلة ازدهار الاقتصاد التركي.

ومن هذا المنطلق، يبقى حزب العدالة والتنمية -على التباس الظروف التي تحيط ببروزه على الساحة السياسية-، أبلغ حجة. ولم يبق الأتراك مكتوفي الأيدي أمام القراءات المختلفة لتاريخهم الحديث والمعاصر، فهم يساهمون بشكل كبير في فكّ الرّموز وتقديم الوسائل التي من شأنها أن تساعد على فهم هذا التاريخ. ولئن كانت رؤيتهم الخاصة له تختلف باختلاف الأجيال والميولات السياسية والأيديولوجية، إلا أن عاملا موحّدا يجمع بين كلّ المقاربات الداخلية للتاريخ التركي تتمثل في السعي الحثيث إلى تقديم صورة إيجابية عن تركيا مما يعكس بوضوح الحس الوطني الرٍاسخ في أذهان الأتراك، بحسب هذه الدراسة.

وقد عمّق قيام الثّورات العربيّة في حيرة الخبراء الغرب وقراءاتهم المتضاربة للوضع التركي، على إثر بروز حزب العدالة والتنمية بتركيا، سنة 2002، لذلك فقد كان من الضروري طمأنة القوى الغربية -بحكم مساهمتها الحيوية في حل القضايا الداخلية للمنطقة- بشأن عزم الحكومات العربية الجديدة على إرساء أنظمة مُماثلة لبرنامج حزب العدالة والتنمية. ولعل أبرز مثال على ذلك هو حزب “حركة النهضة” بتونس الذي لا ينفك رئيسه يؤكد على تشابه النموذجين (حزب النهضة وحزب العدالة والتنمية).

ولئن حاولت الحكومة المصرية الجديدة ترسيخ نفس الانطباع الخاطئ إلا أن زيارة أردوغان إلى مصر في نوفمبر 2012، كشفت بوضوح عن الفرق الشّاسع بين المقاربة التركية وموقف الإخوان المسلمين، خاصة على مستوى العلمنة.

رجب طيب أردوغان حفيد «أتاتورك» يؤكد دوما على أن الدولة لا دين لها

وأوضح المعهد الفرنسي أنه يصعب اليوم التكهّن بتواصل نجاح النّموذج التركي خاصة بعد إخفاق الإخوان المسلمين بمصر في تطبيق مثال حزب العدالة والتنمية. أما مبادئ “الديمقراطية الإسلامية” التي حاول الحزب التركي بثها منذ بروزه فقد اضمحلت، ووحدها فئة مضيّقة من حزب النهضة التونسي تواصل التمسك بها.

وفي إطار حوار له مع مجلة “العلاقات الخارجية”، سُئل رجب طيب أردوغان عن مدى صُمود صورة تركيا كنموذج تحتذي به كلّ من مصر وتونس، اعتبر رئيس الوزراء التركي أن فشل الأحزاب الإسلامية في هذا المجال يعود أساسا إلى عدم استفادتهم من التجربة التركية ولم يُحدد أردوغان إن كان يقصد النجاح الاقتصادي أو الديمقراطي لبلاده.

وفي كل الأحوال فإنه من الواضح أنه تم الابتعاد اليوم كل البعد عن الموروث التاريخي الثري لـ”أتاتورك”. ويعتقد الكثير من المحللين السياسيين والمتابعين للشأن التركي حاليا في أن دخولها وانخراطها المكثف في ظاهرة “الربيع العربي”، هما تعويضان عن فشلها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وربما اعتقدَتْ (تركيا) في أنها من خلال السيطرة على القوة الإقليمية أو مركز النفوذ الإقليمي تستطيع من خلاله أن تفاوض أوروبا مستقبلاً، بيد أن المنافسة الحقيقية ستكون بينها وبين إيران في منطقة الشرق الأوسط وسيكون المستفيد من كل ذلك هو إسرائيل، إذ أنه كلما كثُر المتنافسون والمتصارعون والمتخاصمون كان الأمر لمصلحتها (إسرائيل).

12