أثرياء الولايات المتحدة يستعدون لـ "نهاية العالم"

السبت 2017/02/04
معزوفة يوم القيامة

نيويورك - أنتجت هوليوود العديد من الأفلام التي تتحدّث عن “يوم القيامة” ونهاية العالم، استلهمت قصصها “الخيالية” من أساطير نهاية العالم والانفجار العظيم. ولئن بقيت هذه الأفلام مجرد قصص مثيرة للتسلية عند الكثيرين، فإن هناك من يؤمن بها ويصدقها فعلا بل وبدأ يستعد لها، وظهرت حركة ثقافية واجتماعية تدعم هذا التوجه يطلق عليها اسم “حركة الناجين”.

البعض من المتابعين والمنضمين إلى هذه الحركة رأوا في انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، مؤشرا على نهاية العالم. واللافت في تصرفات هذه الحركة ليس تصديقها لتنبؤات وخرافات نهاية العالم، بل ما تقوم به استعدادا لهذا اليوم، والذي رصدته مجلة “ذي نيو يوركر” في تقرير مطول حول استعداد أثرياء العالم لـ”يوم القيامة”!

خلال السنوات الأخيرة، كانت “حركة الناجين” تتعمّق أكثر فأكثر في الثقافة السائدة. ففي 2012، أطلقت قناة ناشيونال جيوغرافيك برنامج “المستعدون ليوم القيامة”، وهو برنامج ينتمي إلى تلفزيون الواقع، ويتناول مجموعة من الأميركيين الذين يستعدّون لما يُطلِقون عليه “اس اتس تي اف”، (أي “عندما يسوء الموقف”).

وجذب العرض الأول أكثر من أربعة ملايين مشاهد، وبحلول انتهاء الموسم الأول أصبح البرنامج الأكثر جماهيرية في تاريخ القناة. ووجدت دراسةٌ أُجريَت بتكليف من ناشيونال جيوغرافيك أنَّ 40 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أنَّ تخزين المؤن وبناء الملاجئ كانا استثمارا أفضل من برنامج مُدَّخرات ما بعد التقاعد.

وعلى شبكة الإنترنت، تراوحت النقاشات حول الاستعداد للمواقف الصعبة جدا بين الموضوعات العادية (مثل دليل أم للاستعداد لاضطرابات أهلية) والموضوعات القاتمة (مثل كيف تأكل شجرة صنوبر لتبقى على قيد الحياة).

ومع تزايد الإقبال على الملاجئ تخصصت إحدى شركات البناء في تحويل مستودعات قديمة للصواريخ تحت الأرض، مبنية عام 1960، إلى ملاجئ فارهة مقاومة للهجمات النووية، يتراوح سعرها بين 1.5 و3 ملايين دولار، ويمكن البقاء فيها لنحو 5 أعوام دون الحصول على أي دعم خارجي.

امتدت “حركة الناجين”، وفق التقرير الأميركي، في السنوات الأخيرة إلى مناطق أكثر ثراء، وبدأت في ترسيخ جذورها في وادي السيليكون، ومدينة نيويورك، في أوساط المدراء التنفيذيين في مجال التكنولوجيا، ومدراء الصناديق الاستثمارية، وغيرهم ممَّن في مستواهم الاقتصادي.

وتحول بناء الملاجئ الفارهة تحت الأرض والبحر، إلى صناعة مربحة جدا في الآونة الأخيرة.

ومن بين الاستعدادات اللافتة، تخزين الأغذية والأسلحة، وشراء الأراضي والعقارات والملاجئ الفارهة التي يقع بعضها في أماكن سرية.

من بين هؤلاء ستيف هوفمان، البالغ من العمر 33 عاما، وأحد مؤسسي موقع “ريد ايت” ومديره التنفيذي، وهو من أوائل الذين كتبوا عن استعداداتهم لنهاية العالم، حين قرر إجراء جراحة تصحيح البصر بالليزر. لم يجر هوفمان العملية طلبا للراحة، بل من أجل سبب آخر: فهو يأمل أنّ ذلك سيحسِّن من فرص نجاته من أي كارثة، إذ يقول “إن كان العالم سينتهي، أو حتى إن لم يكن سينتهي، فإن حصول المرء على عدسات لاصقة أو نظارات أثناء وجود حدث ما يجري، سيكون أمرا شاقا، ودون العدسات سينتهي أمري”.

ويقول “أمتلك دراجتين ناريتين. ولدي مجموعة من البنادق والذخيرة، والطعام. أعتقد أنني، بكل هذا، أستطيع أن أظل في بيتي لبعض الوقت”. ويضيف هوفمان أن “التكنولوجيا جعلتنا أكثر يقظة تجاه المخاطر، ولكنها أيضا جعلتنا أكثر ذعرا؛ لقد جعلت فكرة الانعزال مغرية”.

يتحدث التقرير أيضا عن أنطونيو غارسيا مارتينز، أحد المدراء السابقين، لموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، الذي اشترى أرض غابات شاسعة، شمال غربي المحيط الهادئ، عقب فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، حيث يعتقد أن “ينحدر المجتمع إلى الفوضى عندما يفقد إحساسه بأصله”.

أراد غارسيا مارتينز ملجأ يكون بعيدا عن المدن، لكن ليس معزولا تماما. ويقول معبرا عن مخاوفه من يوم نهاية العالم “هؤلاء الرجال يعتقدون أنّ رجلا بمفرده قادر على التصدي بطريقة أو بأخرى للغوغاء الذين سيهيمون على وجوههم (في حال حدوث كارثة). كلا، ستحتاج إلى تكوين ميليشيا محلِّية. تحتاج إلى الكثير من الأمور لتنجو حقا من الانهيار”.

وبمجرد أن شرع في إخبار زملائه في منطقة خليج سان فرانسيسكو بـ”مشروع جزيرته الصغيرة”، “بدأوا في التخلّي عن صمتهم” والحديث عن تجهيزاتهم الخاصة.

لكن، كيف حدث أن انهمك وادي السيليكون بمسألة “يوم القيامة” أو نهاية العالم، وهو المكان المشهور عالميا، حتى بات من الكليشيهات، بثقته غير المحدودة في القدرة على تغيير العالم للأفضل؟

يجيب على هذا التساؤل روي باهات، رئيس شركة بلوومبرغ بيتا، وهي شركة لرأس المال الاستثماري، مقرَّها في سان فرانسيسكو، بقوله إنّ التكنولوجيا تمنح القدرة على تصوّر أشكال مختلفة تماما من المستقبل. وعندما تفعل ذلك من الوارد جدا أنّك ستفكر بلا حدود في الأمور، وهو ما يقودك إلى عوالم المثاليات، وعوالم الواقع المرير.

ولا يعد ترامب فقط وراء هذه الظاهرة، فالافتتان بنهاية العالم، ليس ظاهرة جديدة بل هي مرتبطة بلحظات انعدام الأمان السياسي والتغيّرات التكنولوجية السريعة.

وقال المؤرخ ريتشارد وايت، بجامعة ستانفورد الأميركية، “انتشرت في نهاية التسعينات من القرن العشرين كافة أنواع الروايات التي تتحدث عن المدينة الفاضلة، وتوازت كل منها مع رواية بائسة”. أما كتاب “ النظر إلى الماضي لإدوارد بيلامي، المنشور عام 1888، فقد كان يتصوَّر جنة اشتراكية بحلول العام 2000، وصار ملهما لأندية بيلامي في جميع أرجاء البلاد. ونشر جاك لندن عام 1908 رواية “العقب الحديدية”، يتصوّر فيها أميركا وهي تعيش في ظل طغمة فاشية يمتلك فيها 0.9 بالمئة من السكان 70 بالمئة من الثروة الإجمالية.

في ذلك الوقت، كان الأميركيون يتعجّبون من التقدم الهندسي. وكان الحاضرون في المعرض العالمي لعام 1893 بمدينة شيكاغو يشاهدون الاستخدامات الجديدة للإضاءة الكهربائية، لكنهم كانوا أيضا يحتجون ضد تدني الأجور وظروف العمل السيئة وجشع الشركات. ويقول وايت “الأمر شبيه بما يحدث اليوم. كان هناك شعور بأن النظام السياسي قد خرج عن السيطرة، ولم يعد بوسعه التعامل مع المجتمع. كانت العدالة في توزيع الثروة غائبة إلى حد كبير، ما أثار الطبقات العاملة. وكان متوسط الأعمار يتقلّص. لقد كان هناك شعور بأن حركة التقدّم في الولايات المتحدة قد توقفت، وأن النظام كله في طريقه إلى التفسخ”.

6