أثر الاتفاق النووي على أدوات إيران

الأربعاء 2015/07/15

لعلها واحدة من مفارقات الأقدار الساخرة أن تتزامن الاحتفالات الإيرانية بالاتفاق مع “الشيطان الأكبر”، أقله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع الذكرى التاسعة لحرب يوليو بين إسرائيل وإيران، عبر ميليشيا حزب الله.

في مثل يوم إعلان الاتفاق أمس، كان مضى يومان على حرب يوليو 2006. وكان على اللبنانيين أن ينتظروا انتهاء إسرائيل وإيران من تدمير بلدهم اثنين وثلاثين يوما إضافية، ليصحوا بعدها على دمار كبير لحق ببنيتهم التحتية، وبنسيجهم الاجتماعي والسياسي الذي كان يترنح بفعل تداعيات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

انتهت الحرب التي قال عنها حسن نصر الله، إنه لو كان يعلم تداعياتها لما خاضها، وبدأت في أعقابها رحلة تخوين لم تنته إلى اليوم. انقسمت البلاد بين جمهورين؛ جمهور النصر الإلهي المفترض الذي حققه حزب الله على إسرائيل، وجمهور إسرائيل وأميركا في لبنان الذي ضم كبار قادة ثورة الأرز. وأوغلت البلاد في نفق انقسام متنام، بدأ مع اغتيال الرئيس الحريري، وتتالت الاغتيالات بموازاة التخوين. ثم بلغ المأزق ذروته بتوجيه حزب الله سلاحه إلى الداخل فاجتاح بيروت وجبل لبنان، معيدا إلى ذاكرة اللبنانيين مشاهد الحرب الأهلية وغطرسة الميليشيات.

في سياق حملات تلك الحقبة السوداء، كان الاتهام بـ”الأمركة” هو أبرز التهم التي توجه إلى أي معارض لحزب الله ولجرائم سلاحه. من الصور الأكثر شيوعا استقبال رئيس الحكومة اللبنانية، وقتها، فؤاد السنيورة لوزيرة الخارجة الأميركية يومها، كوندوليزا رايس، وسعيه عبر توظيف العلاقات الدولية التي أورثها الرئيس الشهيد للمؤسسة السياسية اللبنانية، لإيجاد مخرج للأزمة التي أوقع نصرالله نفسه وبلاده فيها.

استعيدت صورة رايس – السنيورة كثيرا منذ ذلك الزمن، واستعيدت صور كثيرة مثلها لسياسيين لبنانيين التقوا مع ممثلي الإدارة الأميركية في محاولة لإيجاد مخارج للحرب، ومنهم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي فضحت وثائق ويكيليكس شهيته للثأر من حزب الله ولو عبر إسرائيل.

استعادة هذه الذاكرة اليوم ضرورية في لحظة توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع واشنطن، وليس مع دول الخمس زائد واحد كما سيحلو للمعلقين الممانعين أن يشددوا تخفيفا من هول اللحظة التاريخية الجارية عليهم. هذا اتفاق مع الشيطان الأكبر أولا وأخيرا، وما كان ليكون لو أنه غير ذلك. وهو اتفاق يعلن وصول اللغو الثوري الإيراني إلى خواتيمه، واضطرار إيران إلى تجرع كأس سم الواقعية السياسية مرة ثانية في عمر ثورتها. وهو تسليم بحقائق موازين النظام العالمي الذي لا تستطيع كل عنتريات العالم أن تتجاوز شروطه المصرفية.

وفق هذا التزامن بين ذكرى حرب يوليو 2006 وبين الإعلان عن الاتفاق مع الشيطان الأكبر وفتح صفحة ثقة معه حسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين، ماذا سيفعل نصر الله وكل أدوات ولاية الفقيه من ميليشيات وسياسيين بالتراث الغزير من التخوين والاتهام بسبب العلاقة مع واشنطن؟ كيف سيعيد ترميم الشقوق في العلاقات المجتمعية والسياسية والمذهبية بعد أن مزقها خطابه بالصراخ الاتهامي؟ وكيف سيستعيد هؤلاء عافيات أوطانهم التي رُهنت وبُددت هنا وهناك في حروب كان عنوانها إسقاط الاستكبار العالمي ومحو إسرائيل، فيما إيران تحسب خطواتها باتجاه الشيطان؟

سيمضي وقت لتبيان تفاصيل الاتفاق، وحجم التنازلات التي أقدمت عليها إيران برعاية مباشرة من الولي الفقيه بغية إنقاذ النظام في طهران. وسيمضي ربما وقت أطول لتذبل الاحتفاليات البلهاء لمحور الممانعة بتوقيع الاتفاق بوصفه انتصارا جديدا يضاف إلى سجلها من الانتصارات الوهمية.

هذا لا ريب فيه. وما لا ريب فيه أيضا أن إيران ستسعى في الوقت الفاصل إلى مزيد إضرار دول المنطقة عبر أدواتها، للتغطية على حقيقة الاتفاق أولا ولإلهاء أهل هذه البلاد باستحقاقات تساويها في الضعف مع إيران.

كاتب لبناني

8