أثر العقل وتأثيره

الأحد 2017/02/12

لا شيء بلا وجهين.. بمعنى لا شيء في الحياة بلا وجهٍ إيجابيٍّ وآخر سلبيّ إلّا بما هو مرتبطٌ بالذات الإلهية التي هي خارج توصيف النسبية التي تتحكّم بالوجهين، سواء ما كان منه إنساناً أو حيواناً أو حتى نباتاً.. فكلّ شيءٍ فيه نسبٌ متفاوتةٌ من الإيجابية أو السلبية.. ومن بينها العقل الذي تقع عليه مسؤولية التفكير لتحديد أولوية المراهنة على الجانب الإيجابي وتخليصه من قوّة الجانب السلبي وفق مبدأ إن الإيجاب هو الذي يسود الحياة.

ولكن العقل كفكرةٍ هو عقل الإنسان العاقل السويّ الذي يرى الجمال أكثر من القبح، ويرى الروح أكثر من الجسد، ويرى المحبة أكثر من الكراهية، ويرى الزرع أكثر من القلع، ويرى ما هو مفيدٌ له أكثر مما هو مضرٌّ له وللآخرين..

ولهذا يتميّز العقل بأنه يتعامل مع الفكرة كونها منطلقاً وإن كانت نسبية في تعريف الأشياء التي تحيط بالإنسان العاقل الذي لا يسمح بانفلات حالتين متضادتين مع فكرة العقل والعقلانية، وهما العاطفة الثقيلة والجنون الزائد، لأن ليس كلّ جنونٍ هو خارج العقل، إذا ما سلمنا أننا لا نقصد بالجنون ضياع العقل بالكامل وعدم المقدرة على الإمساك بالانفعالات العقلية والعاطفية.

ولهذا فإن العقل هو المنطقة الأرحب في التعامل الإنساني وهو ما يقول عن الذي يُمسك أعصابه وعن المحب وعن الذي يتصرّف بهدوءٍ، وعن القادر على أن يكون إنساناً وسطاً وإنساناً فاهماً لواقعه.. إنه إنسانٌ عاقلٌ..

لكن العقل الذي يحرك الفكر وينتج فكرة تتعلق بالسلطة سرعان ما تتحول إلى نقمة وقوة قاتلة فتتحول تلك المفاهيم إلى الولاء والتضحية والتخويف والترغيب من أجل البقاء

ولكن في الجانب الآخر يكون العقل في استخدامه ما ينبت زرعاً قاتلاً، بمعنى أن يستخدم العقل المفرط في الكثير من الأحيان لتنفيذ جريمةٍ، ونرى أن هذا الإنسان الذي يخطّط هو إنسان عاقلٌ يمتلك مواهب محدّدةٍ مثلما الذي يفكّر بإنتاج نصٍّ أدبيّ، يستخدم عقله في جلب فكرةٍ ومخيلةٍ لإنتاج واقعٍ فنيٍّ..

ولكنّ الفرق بين الحالين أن الوعي الثقافي هو الذي يمكن أن يحدّد نوعية العقلنة في التصرف الإنساني، بمعنى أن الفكرة هنا لا تستجلب الوعي والثقافة إذا ما كان حامل العقلنة إنسانا يسعى للجمال وليس إلى الخراب، ويسعى إلى النفع وليس إلى الشخصنة المجرمة.. وهو ما ينعكس على السلطة كما يقول بعض المفكرين من أنه يتحوّل إلى سلطةٍ قمعيةٍ.. فهذه العقلية التي تريد الوصول إلى السلطة تستخدم الوعي والثقافة والعاطفة في جلب مفاهيم الخلاص من الظلم والعبودية والاحتلال أو مفهوم الخدمة واحترام الإنسان أو مفهوم زيادة الإنتاج والوصول إلى مستوى الرفاهية المتعلّقة بحياة الإنسان أو المجتمع العموم.

لكنّ العقل الذي يحرّك الفكر وينتج فكرةً تتعلّق بالسلطة سرعان ما تتحّول إلى نقمةٍ وقوّةٍ قاتلةٍ فتتحوّل تلك المفاهيم إلى الولاء والتضحية والتخويف والترغيب من أجل البقاء واستحسان الأغلاط التي تقع فيها السلطة على أنها أغلاطٌ طبيعيةٌ أو مهمةٌ بل حتى مقدسةٌ، إذا ما تمّ استغلال الدين.. فتبدو فكرة العقل وهيمنته أمام الفكر الذي يسود العالم اليوم من أنه نتاج العقل والعقل الثقافي تحديدا، لأنه مروّجٌ للوجهين الإيجابي أو السلبي وفق معطيات الولاء مرّةً أو الإيمان الحقيقي بالفكرة ثانياً، رغم أن الثانية هي الأحق في الدفاع عنها لأن الإيمان هو استخدام العقل بنسبية الفهم الخاص أمام الولاء الذي يستخدم العاطفة بنسبية تغييب العقل والانتباه للمصلحة الخاصة.. وإذا ما أردنا أن نكون واعين لأهمية العقل وفكرته التي تنطلق لبناء المجتمع، لا بد أن يكون التفعيل بالجانب الإيجابي، بمعنى أنه حان الوقت لكي يكون العقل هو صاحب نظرية الموافقة والتطابق مع الأفكار الأخرى ومحاورتها في حالة المعارضة والاختلاف وليس العاطفة التي تجعل من السائر بركابها متعصّباً، فينتج لنا أفكاراً سلبيةً تابعةً ومقبوضةً، فتكون قاتلةً في الكثير من الأحيان..

وهو ما يحصل اليوم في السلطة الدينية التي تحاول أن تغيّب العقل لتنتج فكراً سلبياً يؤمن به الكثيرون فينفّذون ما تنتجه العقلية السلطوية الدينية.. وهو أمر لا يختصّ بدينٍ محدّدٍ أو مذهبٍ بل هو أمرٌ في كلّ الأديان التي تعتمد على أن العقل هنا في ما يخصّ الأفكار مسيّرٌ فيغيب الفعل الثقافي والعقلاني..

لذا فإن ما نراه أن العاقل الذي يفكّر بما حوله وهو غير داخل في متون الصراعات سواء منها القوّة الفكرية للسلطة كسلطةٍ طاغيةٍ أو سلطة دينية يجد نفسه وحيداً لا يملك غير أن يروّج عن أفكاره بهمسٍ مخافة أن يسمعه متعصّبٌّ عاطفيٌّ أو أنه يتحدّث في وسطٍ لا يؤثّر أو أنه متأثرٌ بصراعاته الداخلية، فتغيب السعادة في المنطقة التي غاب فيها العقل وذابت منه فكرة الوعي والثقافة.

كاتب من العراق

15