أثر الكلمات وجرأة المواقف

الأحد 2015/04/19

يدرك المثقف الجاد والمبدع المشهود له بتميز إبداعه، أن اتخاذ موقف معلن من قضايا تهمّ الإنسانية، يسير على نحو متوازٍ مع الإبداع الجيّد، فمعظم أدباء العالم الكبار لا يكتفون بالكتابة الإبداعية، بل لا بدّ لهم من صوت معلن ومواقف جريئة ضد الخلل والفساد والاستبداد والظلم، ولا بدّ لهم من كلمة أو موقف شجاع ومؤثر وهم على ثقة من أن الكلمة لن تضيع بددا في الهواء، فقد يتلقاها أشخاص عديدون وقد يهزأ منها بعض الرافضين للموقف، لكنها في النهاية تؤثر في بعض الأشخاص وتدفعهم إلى التفكير واتخاذ موقف ما من القضايا الإنسانية في بلدانهم.

يخشى بعض المثقفين إعلان مواقفهم لأنهم خوافون أو عاجزون عن الفعل، لكن الكلمات قد تفضي إلى نتيجة وأن الكلمة الصادقة قد تفعل فعلها في الناس مهما كان مقدار جرأتها أو قوة صوتها أو خفوته، ولا بدّ لأي مثقف أن يتخذ موقفا صريحا معلنا مما يجري في وطنه او في العالم من حوله، فصناعة الإبداع والجمال قد تكون موقفا ضد القبح والكراهية، لكن المواقف المحددة المعلنة إزاء قضية ما هي التي تمنح الكاتب قيمة وأهمية، خاصة في مجتمعاتنا التي تقاوم الطغيان الطائفي والإرهاب المنظم كداعش والقاعدة وأمثالهما من التنظيمات، التي تفتك بالحياة والتاريخ وتدمّر أوجه الحضارة وتماسك المجتمعات.

ثمّة أهمية كبرى للكلمات، خاصة عندما يجد المرء نفسه محاطا بآراء ومواقف صادمة لجماعات متنفذة تتعارض مع موقفه، فيلزم عدد من المثقفين الصمت في اعتقاد مغلوط بأن الكلمات غير مجدية، وأن الموقف لن يفضي إلى تغيير ما، ويخيّل إليّ أن كثيرا من مثقفينا ومبدعينا العرب المنسحبين من المشهد العام -وأخص بالذكر بعض كتاب العراق من جيلي- يفكرون بالطريقة ذاتها، مضافا إليها حرصهم على السلامة الشخصية وسط الأخطار، وفي ذلك خطأ كبير، فالخطر يظل قائما حتى في صمتنا، وعلينا أن نفعل العكس ونعلن انتقادنا لما يجري، ونفصح عن ذلك في كل فرصة متاحة، ليس لاعتقادنا بأن السلطة القامعة ستصغي إلينا وتصحح مسار الأمور في الغد بفعل كلماتنا، بل لأننا على قناعة تامة بأن إعلان مواقفنا سيساهم في انتصار وجهة النظر الصائبة في نهاية الأمر.

وتبعا لهذا لا بدّ من موقف نقدي إزاء أعمالنا الإبداعية، فشاعر أو روائي أو قاص يتصدّى لنقد أحد أعماله بوضوح وأمانة، سيبرهن حتما على أن من يجرؤ على نقد عمله الشخصي سيكون قادرا بالتالي على اتخاذ مواقف حازمة من القضايا الإنسانية عامة، ولن يتردد قط في اتخاذ مواقف واضحة منها تشير إلى استقلالية فكره ووضوح خطاه، فلا يكفي أن يكون أحدنا شاعرا مبرزا أو روائيا مبهرا ويصمت إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في بلاده والعالم، بينما يقوم بتلميع صورته الشخصية وأعماله بأساليب دعائية مفضوحة، تحدد له مسارا متسما بالضيق والأثرة والابتعاد عن القضايا العامة.

لطالما اعتذرت منذ سنوات عن الظهور في الفضائيات العربية، ورفضت الظهور في حوارات أدبية بسبب المحاور المطروحة أولا، والانحرافات المباغتة خلال اللقاء، حيث تلوى أعناق الكلمات والآراء لصالح سياسة ممولي المحطة أو الدولة التي تتبناها، كما حصل معي مرة حين حذفوا -خلال المونتاج- عبارات أدليت بها تمثل موقفي من قضايا عامة، فجاء الحوار متعثرا تكتنفه الثغرات، وعندها حسمت أمري بقوة، وقررت الاكتفاء بكتابة آرائي ومواقفي من الأحداث في وسائل الاتصال الإلكترونية، وفي صحافة تتيح لي فضاء من حرية القول.

كاتبة من العراق مقيمة في الأردن

11